موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
أرقام تحكي معاناة !!

بإستثناء أوقات القيلولة والصلاة، فأن كلاً من محمد صليح ( 38 عاماً ) وجاره حسن براك (  عاماًقضيان معظم أوقات النهار وهما يتبادلان أطراف الحديث عند مفترق الطرق الذي يفصل بين منزليهما في الحي الجنوبي من مخيم " المغازي " للاجئين، وسط قطاع غزة. فحمد وحسن الذان يعملان في البناء، اصبحا عاطلين عن العمل منذ قيام حماس بحسم صراعها مع حركة " فتح " عسكرياً وسيطرتها على قطاع غزة. فمنذ ذلك الوقت شددت إسرائيل من حصارها الخانق على قطاع غزة، ومنعت إدخال المواد البناء و مستلزمات الإنشاءات الأمر الذي عطل هذا القطاع بشكل تام وكامل. مشروع الإسكان الضخم الذي قامت بتمويله دول أوروبية وعربية في ضواحي حي " تل السلطان "، غرب مدينة رفح، اقصى جنوب قطاع غزة توقف، وكذلك مشاريع البنى التحتية التي شرعت بها المجالس المحلية في ارجاء القطاع بتمويل خارجي. الى جانب ذلك، فأن النشاط الصناعي توقف تقريباً في قطاع غزة، فحسب معطيات جمعية رجال الاعمال الفلسطينيين، فقد اغلقت 3190 مصنعاً أبوابها في القطاع بسبب عدم قدرتها على استيراد المواد الخام، الأمر الذي يعني أن 56 ألف عامل في هذا المصانع اصبحوا عاطلين عن العمل. وحتى تزداد الاوضاع الإقتصادية تفاقماً فقد منعت إسرائيل المزارعين الفلسطينيين من تصدير محصولاتهم الزراعية عبر المعابر التجارية التي تقع على الخط الفاصل بين القطاع وإسرائيل، الأمر الذي أدى الى انخفاض أسعار الخضار المنتجة محلياً في القطاع بشكل كبير. محمد المنس ( 35 عاماً )، صاحب بسطة خضار في سوق النصيرات، وسط قطاع غزة، رغم الضيق والشعور بالضجر الذي كان بادياً عليه، ظل يصد محاولات أحد زبائنه لإقناعه ببيعه صندوق الطماطم بسعر أقل اربعة شواكل ( 90 سنت ). ويتساءل النمس " أن كان صندوق الطماطم يزن من 14 الى 16 كيلو، فبكم إذن سيكون سعر الكيلو الواحد من الطماطم؟؟؟" ، منوهاً الى أن هذه الطماطم من فصيلة " الكادار "، وهي أفضل أنواع الطماطم. مع العلم أن سعر صندوق الطماطم كان قبل عدة اشهر يصل الى 20 شيكل ( 5 دولار ). الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات الخارجية في الغرفة التجارية بغزة ينوه الى أنه بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة، فأن التجار يخسرون يومياً خمسة ملايين دولار، وهو مبلغ كبير اذا ما قورن بالوضع الاقتصادي المتدهور في القطاع. ويحذر الطباع من أن اسعار المواد الاستهلاكية سترتفع بشكل كبير بسبب اغلاق المعابر التجارية. هذا الواقع زاد من معدلات الفقر في الأراضي الفلسطينية وتحديداً في القطاع. وحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فأن 57% من الأسر الفلسطينية يقل دخلها الشهري عن خط الفقر الوطني، في حين تبلغ نسبة الأسر التي يقل دخلها عن خط الفقر الشديد حوالي 44%. .  عدنان أبو حسنة، الناطق بلسان وكالة إغاثة وتشغيل الفلسطينيين الدولية " UNRWA " قال ل " ويكلي " أن نسبة الذين يعتمدون على المساعدات التي تقدمها وكالته في قطاع غزة يقدر ب 860 الف مواطن فلسطيني، منوهاً الى أنه يتوقع أن يزداد هذا العدد بشكل واضح بسبب كبير. " في غضون عدة أسابيع، الناس ستعتمد بشكل كلي على المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية في حال ظلت الأوضاع على ما هي عليه "، اضاف ابو حسنه. وبالاضافة الى ذلك، فأن الحصار قد أدى الى تدهور الأوضاع الصحية بشكل كارثي.فحسب معطيات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فأن هناك ما يزيد عن 150 نوعا من الأدوية والمستحضرات الطبية قد نفذت من المستشفيات والعيادات الصحية، ومعظمها من الأدوية الضرورية، والتي تعالج المرضى الذين يعانون أمراض مزمنة. وفي تقرير صادر عنه، تلقت " ويكلي " نسخة منه، ذكر المركز أن نفاذ 20 نوعا من الأدوية والمستحضرات الطبية يشكل العامل المشترك بين كافة الصيدليات في القطاع، الأمر انعكس بشكل خطير على حالة المرضى. قبل اسبوعين ارسل المئات من مرضى الكلى رسالة مثيرة للعواطف الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية دعوهما فيها الى العمل الدؤوب على توفير العلاج لهم حتى لا يتعرضوا للموت.

  لكن نقص الأدوية هو ليس المشكلة الوحيدة التي يعاني منها المرضى في قطاع غزة جراء الحصار، فالكثير من الاجهزة الطبية وتحديداً اجهزة الأشعة لم تعد تعمل بسبب توقف اعمال الصيانة اللازمة لها، الأمر الذي أدى الى تراجع الخدمات الصحية التي تقدمها المستشفيات في القطاع. الدكتور معاوية حسنين، مدير قسم الطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية قال " ويكلي "  أن 80% من أجهزة تصوير الأشعة في مستشفيات القطاع تعطلت وإلى جانبها غالبية أجهزة التصوير المقطعي، وأجهزة الكلى الصناعية والعديد من المعدات الطبية التي تعطلت نتيجة استمرار إغلاق المعابر وفرض الحصار ووقف المساعدات الأوروبية. وأشار حسنين الى أنه قد تم تأجيل العديد من العمليات الجراحية بسبب عدم توفر التجهيزات الطبية اللازمة ومواد التخدير. الدكتور باسم نعيم، وزير الصحة في حكومة اسماعيل هنية المقالة يقول أن الحصار واغلاق المعابر هو الذي يتسبب في هذه الضائقة الكبيرة التي يعاني منها المرضى في قطاع غزة. ويضيف في تصريحات ل " ويكلي " أن معظم الأدوية تتواجد في مخازن وزارة الصحة في رام الل بالضفة الغربية ه، الأمر الذي يجعل من الصعوبة أن تصل هذه الأدوية بانتظام، مشيراً الى أنه يتم بين الفترة والاخرى نقل كمية من الأدوية. ويشير نعيم الى أن أوضاع قطاع غزة الصحية تبدو أكثر مأساوية لوجود معظم مصانع الأدوية في الضفة الغربية، الأمر الذي يجعل من السهولة النسبية تأمين مسلتزمات الضفة من العلاج والأدوية، في حين يكون الصعب ذلك بالنسبة لقطاع غزة بسبب الحصار. في نفس الوقت، فقد فاقم الحصار القيود المفروضة على حرية الحركة للفلسطينيين بشكل كبير. فعلى الرغم من أن معظم العالقين على معبر رفح الحدودي قد عادوا الى قطاع غزة بعد أن توفي 33 منهم اثناء انتظارهم على الحدود، فأن هناك الآلاف من الفلسطينيين في القطاع يرغبون في مغادرته لارتباطاتهم الخاصة أو بسبب أوضاعهم الصحية، أو لإكمال تعليمهم الجامعي.ولا تختلف الأوضاع في الضفة الغربية كثيراً عن قطاع غزة، فحسب ما يقوله عبد الرحمن التميمي، رئيس مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين فأن 600 الف فلسطيني في الضفة الغربية محرومون من مياه الشرب لعجزهم عن تسديد فواتير المياه. ويضيف التميمي أنه بسبب تدهور الاوضاع الإقتصادية فأن 50% من المستهلكين حالياً لا يسددون فواتير المياه، الأمر الذي مس بقدرة المجالس المحلية في الضفة على تسديد ثمن المياه لشركة المياه القطرية الاسرائيلية " مكوروت ". 

اللافت أنه بخلاف الإنطباع الذي يحاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومستساريه اشاعته، فأن اللقاءات مع الإسرائيليين، لم تؤدي الى تحسن أوضاع الفلسطينيين، بل على العكس، فأن هذه الأوضاع ازدادت تعقيداً، كما يقول الدكتور مصطفى البرغوثي، وزير الإعلام الفلسطيني السابق ورئيس كتلة " فلسطين المستقلة " في المجلس التشريعي الفلسطيني.  ويشير البرغوثي الى أنه على الرغم من حديث إسرائيل عن توجهها لإزالة الحواجز العسكرية عن الطرق في الضفة الغربية، فأن هذه الحواجز ازدادت، منوهاً الى أن عدد الحواجز قفز من 545 حاجز في العام 2005 الى 693 حاجز حالياً. " هذه اللقاءات تخلق إنطباعاً مضللاً جداً، وتشكل غطاءاً يسمح لإسرائيل بمواصلة مشروعها التوسعي والعدواني ضد الشعب الفلسطيني "، قال ل " ويكلي ". ويشير الى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية زاد بنسبة 50% منذ أن قامت إسرائيل بتنفيذ خطة " فك الارتباط " في قطاع غزة في العام 2005. ويشير البرغوثي الى أنه منذ بعد أن قامت بالإفراج عن 255 معتقل فلسطيني كما التزمت في مؤتمر " شرم الشيخ "، الأخير، فأن أجهزتها الأمنة قامت باعتقال 336 فلسطينياً، أي أكثر من الذين أفرج عنهم بـ 50%، مشيراً في الوقت ذاته الى أن إسرائيل تعتقل حالياً 11 ألف فلسطينياً، من بينهم 426 طفل. ويعرب البرغوثي عن أسفه لأن أبو مازن من خلال مواصلته عقد اللقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت يساهم في تضليل الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي وإيهام الجمهور بأن هناك ثمة تقدم في العملية السياسية، معتبراً أن إسرائيل من جابنها تدير عملية " علاقات عامة " ليس أكثر من خلال هذه اللقاءات. وشدد البرغوثي على أن الأدوار التي تلعبها الأطراف الخارجية تؤثر سلباً على العلاقات الداخلية الفلسطينية، وتساهم في منع الحوار بين الجانبين. ويطرح البرغوثي مبادرة للحوار تهدف الى تخليص الفلسطينيين من الواقع البائس، وتقوم المبادرة على: التراجع عن الخطوات الإنقلابية، والاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية، وحل الحكومتين القائمتين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضح " البرغوثي أن المهمة الأولى التي يتوجب أن توكل لها هو العمل الى اعادة الوحدة الإدارية للضفة والقطاع، الى جانب اصلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعادة تشكيلها على أسس مهنية وبعيداً عن الطابع الحزبي، مشيراً الى أن الحكومة الانتقالية يتوجب أن تأخذ على عاتقها الإعداد لانتخابات جديدة تشارك فيها جميع الأطراف الفلسطينية، منوهاً الى أهمية أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية في اعقاب هذه الانتخابات.

وحتى يقتنع الطرفان بمادرة البرغوثي تتواصل معاناة الناس هنا، وتتعاظم الأرقام التي تحكيها.

 ** ترجمة مقال نشره صالح النعامي في صحيفة " الأهرام ويكلي "، الصادرة باللغة الانجليزية، وهذا رابط المقال الأصلي:

http://weekly.ahram.org.eg/2007/858/re102.htm

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر