موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل الانسحاب من العراق مصلحة إسرائيلة ؟

يرى معظم الساسة و المعلقين والباحثين في إسرائيل أن إنسحاب القوات الأمريكية من العراق قبل أن تقضي على المقاومة العراقية سيشكل ضربة قوية للمصالح الإستراتيجية الإسرائيلية، لذا يحثون ادارة الرئيس بوش على تجاهل الانتقادات الموجهة لها وإرسال المزيد من القوات للعراق. إلا أن البرفسور شلومو افنيري مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية الأسبق ينصح حكومته ألا تعارض الإنسحاب الأمريكي من العراق، لأن واشنطن قد فشلت في تحقيق أهدافها، ولن يكتب لها النجاح هناك مهما أرسلت من قوات. وفي مقال نشرته النسخة العبرية لموقع صحيفة " هارتس "، على شبكة الانترنت يشدد افنيري على أن انسحاب الجيش الامريكي من العراق هو يحتفظ ببعض ماء الوجه يمثل مصلحة لإسرائيل، على اعتبار أن المزيد من التورط الأمريكي في العراق يعني هزيمة ساحقة لواشنطن تفقدها هيبتها في العالم، مشدداً على أن إحتفاظ امريكا بهيبتها تمثل مصلحة عليا لإسرائيل أيضاً. وهذه ترجمة المقال:

 

بإستثناء قادة البيت الأبيض، فأنه الجميع باتوا يدركون أن امريكا قد فشلت في سياستها في العراق وأن احتمالات اعادة الاستقرار للوضع هناك تؤول الى الصفر. هذه مسألة يجب أن يعترف بها حتى اولئك الذين برروا الحرب ضد الطاغية ( صدام حسين ) الذي استخدم الغاز المسمم ضد الأكراد وفي الحرب ضد ايران، والذي لعب طول سنوات لعبة القط والفأر مع اجهزة الامم المتحدة في كل ما يتعلق بنزع سلاحه غير التقليدي.

        للفشل الامريكي في العراق سببان: الاول، يرتبط بنشوء العراق كدولة بمبادرة من المخططين الامبرياليين البريطانيين بعد الحرب العالمية الاولى؛ والثاني ينبع من الاعتقاد الخلاصي لدى أتباع بوش بامكانية تصدير الديمقراطية الى بلاد مثل العراق عبر الاحتلال والإكراه.

        منذ اقامته تميزالعراق عن كل البلدان العربية بطابع نظامه القمعي، وذلك لأن البريطانيين قاموا بعد عام 1918 بتوحيد ثلاث مقاطعات تابعة للامبراطورية العثمانية في دولة واحدة، وهي مقاطعات لم يكن لها نفس الجذور التاريخية أو الديموغرافية، التي تجد تعبيرها في وعي سكانها الجمعي.  ففي شمال العراق كانت هناك اغلبية كردية، وفي بغداد والوسط اغلبية عربية سنيّة، وفي الجنوب اغلبية عربية شيعية، وحتى تزداد الأمور تعقيداً قام البريطانيون بتتويج أميرا من السلالة الهاشمية السنيّة على هذا البلد العجيب، فكانت النتيجة أن كل تاريخ العراق الحديث هو سلسلة من الثورات ضد الزعامة السنيّة، تارة ينظمها الأكراد، وتارة الشيعة، وحتى الأقلية المسيحية الآشورية الصغيرة كان لها دور في هذه الثورات. نظام صدام حسين كان أكثر الانظمة السنيّة التي فرضها البريطانيون على بلاد النهرين، قسوة ووحشية.

        من هنا، لقد أخطأ الامريكيون عندما تبنوا قناعات المحافظين الجدد الذين اعتقدوا أنه ما أن تسقط الانظمة القمعية حتى تظهر مكانها بدائل ديمقراطية كخطوة آلية تلقائية وفق مجرى التاريخ. وكما تبرهن في شرق اوروبا ليس هذا التطور حتميا بالضرورة. في بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر التي كان فيها مجتمع مدني قوي مع تقاليد تمثيلية ومؤسساتية متشعبة، كان الانتقال الى الديمقراطية سهلا نسبيا. أما في الاماكن الاخرى، وروسيا هي النموذج الأبرز، التي لا توجد فيها تقاليد مجتمع مدني بل على العكس، تسبب الانتقال الى الديمقراطية تحديدا بحالة من الفوضى العارمة، ونظام بوتين الفردي الجديد يظهر كبديل وحيد لانهيار الدولة المُطبق.

        المحافظون الجدد في واشنطن لم يتعلموا شيئا من عبرة الـ 15 عاما الأخيرة في شرق اوروبا. وبمزيج من الغطرسة والجهل، اعتقدوا أن سقوط صدام حسين سيتمخض عن ديمقراطية بديلة عفوية، بالطبع بمساعدة السادة الامريكيين. ما لم يأخذوه في الحسبان كان حقيقة أن إدخال التقاليد الديمقراطية فجأة الى مجتمع يفتقد للبنى التحتية الأساسية لوجودها، سيؤدي حتماً الى نشوء حالة من الفوضى. ما نسيه منظرو المحافظين الجدد في واشنطن هو أنه حتى وإن كانت الديمقراطية صيغة للاستقرار، فان مجريات الدمقرطة قد تؤدي بالتحديد الى حالة عدم استقرار متواصلة.

        فمنذ سقوط نظام صدام حسين، جرت ست معارك انتخابية خلال ثلاث سنوات واستفتاء حول الدستور وحكومات تتبدل وتفتقد الى الاستقرار – كل هذه الامور تسببت بحالة من عدم الاستقرار في العراق، وحتى درجة معينة من الحنين لعهد صدام الراسخ. ما تجاهلته الولايات المتحدة تماما هو حقيقة أن رد الفعل على تحويل الانتخابات الى أداة لتحديد السيطرة في دولة ممزقة كالمجتمع العراقي، قد تؤدي الى تشوهات صعبة. الاغلبية الشيعية التي كانت مقموعة ليس فقط في عهد صدام وانما منذ تحويل العراق الى دولة، رأت في الانتخابات وسيلة لضمان زعامتها. فحكومة الاغلبية الشيعية ترى في الدمقرطة، ليس فقط حكم الاغلبية الذي يضمن حقوق الأقلية، وانما إضفاءا للشرعية غير المتحفظة على سلطة الاغلبية.

        السنّة من ناحيتهم يرون في عملية الدمقرطة أداة لتحويلهم من حكام الى أقلية مقموعة، ولذلك يبذلون قصارى جهدهم لاحباط أية فرصة لاضفاء الاستقرار على أساس مبدأ الاغلبية. الأكراد وحدهم الذين شكلوا لأنفسهم نوعا من الدولة في مناطق الحكم الذاتي في الشمال، وهم مستعدون للسير في الخندق الذي يُتيح لهم في الوقت الحالي الحصول على مطلبهم: مكانا آمنا تحت الشمس تقريبا.

        مسألة اخرى غابت عن أنظار مهندسي الدمقرطة في واشنطن هي حقيقة أنه في غياب اطار قائم للنشاط الحزبي والسياسي الديمقراطي، يتوجب على كل جسم يرغب في المنافسة في الانتخابات أن يُشكل مليشيا مسلحة خاصة به قادرة على فرض موقفها على المجموعة التي ينتمي اليها: وهكذا تؤدي الدمقرطة من دون بنية تحتية ديمقراطية الى نشوء مليشيات مسلحة تعتبر أساسا لقوة الأجسام المتنافسة على الحكم. قدرة انشاء ائتلاف والادراك بأن هناك حاجة لتسويات حقيقية بين المجموعات المختلفة، غريبة على الثقافة السياسية الناشئة في ظل هذه الظروف.

        في مثل هذا الواقع ليست هناك أية احتمالية لتمكّن الولايات المتحدة من جلب الاستقرار للعراق لاسباب منها: أن العراق ايضا لم يعد موجودا كدولة. الوهْم بأن إرسال عشرة آلاف الى عشرين ألف جندي جدد الى العراق سيتمخض عن الثمار المطلوبة، يتلاشى يوما بعد يوم. مشكلة الولايات المتحدة في العراق لم تعد العراق نفسه، وانما مكانة واشنطن الدولية والاستراتيجية. واشنطن ستسحب قواتها من العراق إن عاجلا أو آجلا من دون أن تنجح في جلب الاستقرار للوضع هناك. السؤال هو كيف يمكن تنفيذ ذلك من دون التسبب في تدهور جديد لمكانتها الدولية.

        هنا يظهر البُعد الاسرائيلي. من الواضح أن اسرائيل قلقة، وعن حق، من تصاعد قوة الأصولية السنيّة في العراق والمرتبطة بالقاعدة، وكذلك من تصاعد قوة ايران. من الواضح أن برنامج ايران النووي وكذلك تأييدها لحزب الله وحماس، انما يزيد فقط من شدة القلق في اسرائيل. الخوف مما سيحدث اذا انسحبت الولايات المتحدة من العراق دفع عددا غير قليل من الخبراء الاستراتيجيين والسياسيين في اسرائيل الى تشجيع الولايات المتحدة الى مواصلة نهجها الحالي في العراق. ليس صدفة أن بعض المتحدثين الرسميين الاسرائيليين في هذا الاتجاه قريبون من المحافظين الجدد الامريكيين، ولكنهم في نفس الوقت مثلهم، لا يمتلكون إجابة على السؤال التالي : كيف يمكن اقامة ديمقراطية راسخة في العراق عندما لا يكون هناك ديمقراطيون؟.

        إلا أن على اسرائيل أن تحذر حذرا شديدا من الظهور بمظهر – هي أو اصدقاؤها اليهود في  امريكا – وكأنها تمثل رأس الحربة في محاولة تحويل المزيد من القوات الى العراق ومحاولة البحث هناك عن حل جبروتي، رغم مظاهر الفشل البادية. هناك أذى غير بسيط قد لحق باسرائيل، لأن هناك من يقول أن الولايات المتحدة قد خرجت للحرب في العراق دفاعا عن اسرائيل. من المحظور على اسرائيل أن تظهر الأمور وكأن البقاء الدموي وغير المجدي للأمريكيين في العراق يمثل مصلحة لإسرائيل.

        على اسرائيل أن تكون معنية بخروج الولايات المتحدة من المعركة من دون أن تتضرر مكانتها أكثر مما تضررت حتى الآن. فمكانة امريكا الدولية هي بلا شك تمثل أحد ركائز قوة اسرائيل الاستراتيجية. وهذه القوة لن تقوم على نصائح اسرائيلية، و لن تُغير الرأي الامريكي ، وانما ستزيد فقط من مشاعر العداء لاسرائيل في الأقطار العربية وفي اوساط الرأي العام الغربي.

        حتى وإن كان من الصعب على اسرائيل الآن أن تتقدم نحو السلام مع الفلسطينيين، فعليها ألا تبدو وكأنها واقفة من وراء العناد الامريكي المتغطرس والذي يتيه في الظلام ولا يدرك أن امريكا قد وصلت في العراق الى نهاية الدرب.

رابط المقال:

http://www.haaretz.co.il/hasite/spages/892554.html

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر