موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تفاهمات عباس أولمرت بين الجدية والعبثية

مرة أخرى ينجح الإعلام الإسرائيلي في فرض أجندته على الجدل في العالم العربي، وكان آخر مظاهر هذا النجاح اهتمام وسائل الإعلام العربية بما نشرته صحيفة " يديعوت أحرنوت " حول إجراء كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت اتصالات سرية وعلنية تهدف الى التوصل الى اتفاق مبادئ لحل قضايا الحل الدائم تمهيداً للإجتماع الدولي الذي سيعقد في الخريف القادم في واشنطن بناءاً على مبادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش. وقد تم عرض الكثير من التفاصيل التي قيل أنها تطرقت إليها اللقاءات والإتصالات بين ابو مازن وأولمرت، ومنها نقاط الإتفاق وإختلاف، وضمن ذلك التطرق لقضية الدولة الفلسطينية ومستقبل القدس والمستوطنات واللاجئين وغيرها من قضايا. وبمعزل عن التفاصيل التي تتعلق بنقاط الإتفاق والإختلاف والتي لم تؤكد بشكل رسمي من الطرفين، فأن السؤال الذي يطرح هنا: هل من الممكن أن يتوصل أبو مازن وأولمرت الى اتفاق مبادئ لحل قضايا الحل الدائم؟ وهل هما يؤمنان بمثل هذه الإمكانية؟ أم أن هذه الإتصالات واللقاءات تأتي أصلاً للتغطية على الحرب المشتركة التي تشنها إسرائيل وحكومة أبو مازن ضد حركة حماس، كما يؤكد ذلك صراحة نائب وزير الحرب الإسرائيلي متان فلنائي ؟. مع العلم أن وسائل الإعلام الإسرائيلي قد أجمعت على مطالبة أولمرت ابو مازن مراراً وتكراراً بعدم العودة للحوار مع حماس، وأنه في حال وافق أبو مازن على استئناف الحوار مع حماس، فستقوم إسرائيل بحرمانه من صفة الشريك.

للإجابة على هذه الأسئلة، ننقل ما قاله الساسة الإسرائيليون وكبار المعلقين في تل أبيب حول عبثية هذه اللقاءات والإتصالات،ومن المؤسف أن وسائل الاعلام العربية لا تلقي بالاً للتحذيرات التي يطلقها الكثير من الكتاب والمعلقين وحتى الساسة الصهاينة الذين يحذرون من مغبة الوقوع ضحية التضليل الذي يمارسه كل من أولمرت وأبو مازن عند محاولة اعطاء الإنطباع أن هناك ثمة تقدم يمكن أن يحدث جراء اللقاءات بينهما.

ويكتسب ما يقوله يوسيف لبيد ، نائب رئيس الوزراء ووزير القضاء الاسرائيلي السابق، الذي يعتبر من أوثق اصدقاء اولمرت وامين اسراره، أهمية كبيرة عند الحديث عن إمكانية التوصل لاتفاق مبادئ. فلبيد كتب مقالاً في صحيفة معاريف تعليقا على لقاءات ابو مازن اولمرت، قال فيه  " اولمرت وأبو مازن يدركان أنه لن يوجد اتفاق سلام آخر الأمر على رغم محادثتهما ". واضاف " وحتى اذا بقي ابو مازن على قيد الحياة بعد توصله لاتفاق مع اولمرت حول قضايا الحل الدائم ، فلن يستطيع اولمرت التوقيع على هذا الاتفاق، لأن اسرائيل لا يمكنها أن تقوم اليوم بتنازلات للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث انه من الممكن ان تسيطر حماس كل لحظة على الضفة كما استولت على غزة. وسيُطرد أبو مازن وسيُعلن عن هنية رئيس فلسطين الحُرة، ..............، وستسقط صواريخ القسام   – وصواريخ الكاتيوشا ايضا في يوم من الايام – لا على سدروت فقط بل على نتانيا، وكفار سابا، ومطار بن غوريون ايضا – وستُقطع صلة اسرائيل الجوية بالعالم. لا يستطيع لا اولمرت ولا براك، أن يسمحا لنفسيهما بسيناريو كهذا "، على حد تعبيره. واشار لبيد الى معضلة اخرى تكمن في عجز أي حكومة اسرائيلية عن ازالة مستوطنات في الضفة. وقال " لا توجد في اسرائيل حكومة، ولن توجد في المستقبل المنظور ايضا حكومة قادرة على اجلاء ربع مليون أو مائة ألف بل خمسين ألفا من المستوطنين "، مشيراً الى أنه سيوجد من بين المستوطنين مثل اولئك الذين سيوافقون على الجلاء من اجل السلام، وسيوجد من يجلون مقابل تعويضات، لكن الأغلبية الساحقة من المستوطنين لن يقبلوا بالجلاء عن المستوطنات ولو كان ثمن ذلك الحرب الاهلية. ويشير المفكر والكاتب الصهيوني دورون روزنبلوم في مقال تحليلي في " يديعوت احرنوت " الى ما يسميه ب " عبثية " اللقاءات بين اولمرت وابو مازن، قائلاً " كل وعود اولمرت وأحاديثه هو وأبو مازن عن السلام والمشاريع مجرد كلام فارغ بلا رصيد فمن يعجز عن إزالة بيت في بؤرة استيطانية لا يمكنه أن يزيل المستوطنات ". ويشير روزنبلوم الى جبن أولمرت عن مواجهة الرأي العام الإسرائيلي وعجزه عن الحديث عما يجري في اللقاءات مع أبو مازن، منوهاً الى أن ذلك ناجم عن شعور أولمرت أنه في النهاية لن يقدم على أي خطوة عملية على صعيد التوصل لتسوية سياسية للصراع مع الشعب الفلسطيني. ويقول " أن اولمرت بعد أن اكتوى بنار اخفاقه في حرب لبنان الثانية،  يبدو أنه أصبح حذرا من الإقدام على أية خطوة في أي مجال كان؛ مع الوقت، وربما بدأ يشعر بعدم وجود رصيد لكلماته وأخذ يحذر في التفوه بها ايضا، ولاحقا بدأ يوفر حتى لفتاته الجسدية المفرطة التي حظيت بالسخرية لدرجة أنه وصل في نهاية المطاف الى نقطة الاستنفاد الذاتي "، على حد تعبيره. ويسخر الكاتب والصحافي جدعون ليفي الذي ينتمي الى مدرسة " ما بعد الصهيونية " من لقاءات أبو مازن اولمرت، مشيراً الى أن حكومة إسرائيلي هي التي ترفض المبادرات العربية للتسوية. ويقول " في أحلامنا الاكثر عشوائية لم نصدق بان سيأتي يوم يمد فيه كل العالم العربي يده للسلام بينما اسرائيل ترد اليد الممدودة اليها ". واضاف " حانت لحظة الحقيقة، وهذا يجب أن يقال: اسرائيل لا تريد السلام. انتهت ترسانة الذرائع، مخزن الرفض بات فارغا. واذا كان  ممكنا حتى وقت اخير مضى القبول بالكاد لجملة حجج بأنه لا يوجد شريك فلسطيني او عربي، فلا مجال للشك أن مزاعم اسرائيل بانها محبة للسلام، قد تهاوت تماما. من الان فصاعدا يجب أن يقال أن إسرائيل غير معنية بالسلام ". ويشير الى أن اجيال بكاملها من الاسرائيليين تربت على " ما يشبه التضليل الذاتي، من خلال الزعم بأن وجهة اسرائيل نحو السلام مع جيرانها ". وتصيب سيما كدمون المعلقة في صحيفة " يديعوت احرنوت "، كبد الحقيقة عندما تحدد الدوافع التي تحرك ابو مازن واولمرت لاجراء مثل هذه اللقاءات، وتجزم أن   الحراك السياسي الحالي ناجم عن سيطرة حماس على قطاع غزة.وتنوه كدمون الى أن سيطرة حماس على القطاع فرضت على اسرائيل الظهور امام العالم كطرف يساعد ابو مازن من خلال تفريخ المبادرات السياسية التي تتشابه بالتفاصيل فكانت مبادرة بيريس اولمرت ومبادرة رامون، وغيرها من المبادرات.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر