موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الرسائل المتعددة للعدوان الإسرائيلي على سوريا

لم يكن من المفاجئ أن تدلل استطلاعات الرأي العام التي أجريت في إسرائيل مؤخراً على حدوث ارتفاع واضح في شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت، في أعقاب العملية العسكرية التي قام بها جيش الاحتلال في عمق الأراضي السورية. وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية ووسائل الإعلام العبرية تلتزم الصمت حيال ما جرى بالضبط، فأنه من الواضح أن الجمهور الإسرائيلي ومن خلال التسريبات التي زخرت بها وسائل الاعلام الأمريكية حول طبيعة العملية بات يشعر أن عملاً عسكرياً " نوعياً " قام به جيش الاحتلال ضد سوريا، وأن هذا العمل " كبير " لدرجة أن الحكومة السورية تشعر أنه سيكون من المحرج لها الإفصاح عن طبيعة الأهداف التي ضربتها الطائرات الإسرائيلية. الصمت الإسرائيلي الرسمي وقرار الرقيب العسكري الإسرائيلي الحازم بحظر نشر أي معلومات حول ما جرى حتى لا يتطور ما حدث الى مجابهة عسكرية قد تضطر إليها سوريا اضطراراً في حال إعلان إسرائيل عن حقيقة ما جرى. طبيعة الهدف الذي تم ضربه في سوريا لم يحدد حتى الان، لكن إذا تفحصنا ما نشر في وسائل الإعلام الأمريكية التي تطرقت الى ما جرى معتمدة على معلومات حصلت عليها من موظفين كبار في الإدارة الأمريكية يبدو أن الهدف الذي تم ضربه منشأة سورية للأبحاث، تصر الأجهزة الإستخبارية الإسرائيلية على أنها تستخدم لتخزين يورانيوم قامت كوريا الشمالية بتهريبه الى سوريا في أعقاب توصلها الى إتفاق مع الإدارة الأمريكية يقضي بتصفية برنامجها النووي. وإذا صحت هذه التسريبات، فأن هذه العملية تدلل على أن لدى إسرائيل قدرات استخبارية كبيرة في كل ما يتعلق بما يجري فوق الأراضي السورية، مع أن هناك الكثير من الشواهد التي تدلل على أنه قد سبق استهداف سوريا تعاون استخباري اسرائيلي أمريكي وثيق ومكثف، رمز إليه المندوب الأمريكي السابق في الأمم المتحدة جون بولتون الذي كان أول من أشار علانية، وقبل الاعلان عن العملية الإسرائيلية، الى أن هناك تعاوناً بين سوريا وكوريا الشمالية في المجال النووي. وواضح تماماً أنه الى جانب الهدف المباشر للعملية العسكرية، والمتمثل في أحباط التعاون بين سوريا وكوريا الشمالية في المجال النووي، حسب ما ذكرته وسائل الإعلام الأمريكية، فأن إسرائيل سعت الى تحقيق أهداف إستراتيجية بعيدة المدى من خلال هذه العملية:

1-  مثل العدوان الاسرائيلي على سوريا محاولة مكشوفة من قبل جيش الاحتلال لترميم قوة الردع التي تضررت كثيراً في أعقاب حرب لبنان الثانية. وقد عبر عن ذلك بشكل صريح الجنرال عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عندما أبلغ اعضاء لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أن قوة الردع الإسرائيلية قد استعادتها في مواجهة سوريا. فإسرائيل ارادت أن توجه رسالة الى الرئيس السوري بشار الاسد مفادها أن عليه ألا يفكر في المبادرة الى شن هجوم على اسرائيل متشجعاً بما حدث في حرب لبنان الاخيرة. وهذا هدف بالغ الاهمية سعت تل ابيب الى تحقيقه منذ ان وضعت الحرب الاخيرة اوزارها، حيث أن الدوائر الاستخبارية الاسرائيلية بلورت تقديراً مفاده أن الرئيس الاسد اصبح يميل الى  شن عملية عسكرية في الجولان حتى يكون بامكانه ادارة مفاوضات مع اسرائيل من منطلق قوة. فجاءت هذه العملية لكي تلمح الى الاسد أنه يتوجب عليه عدم الرهان على مثل هذا التكتيك. في تل ابيب يزعمون ان الرئيس بشار يخطط للتصعيد مع إسرائيل خوفاً من أن يتم توجيه اتهام له من قبل لجنة التحقيق الدولية التي تحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وبالتالي فهو معني بالتصعيد من اجل منع ملاحقته قضائياً

2-  من خلال ردع اسرائيل أرادت اسرائيل أن تردع كلاً من ايران وحزب الله، اللذان ينظر اليهما في إسرائيل كأوثق حلفاء سوريا. فإسرائيل تفترض أن تحمل هذه العملية رسالة لايران مفادها أن نجاحها في ضرب اهداف في سوريا يمثل مؤشر على قدرتها على ضرب اهداف في إيران في حال واصلت اصرارها على المضي قدماً في برنامجها النووي. صحيفة " واشنطن بوست " الامريكية نقلت عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية قولهم أن الضربة الإسرائيلية لسوريا تمثل مقدمة لمخطط أمريكي اسرائيلي لضرب ايران. في نفس الوقت أرادت اسرائيل نقل رسالة الى قيادة حزب الله مفادها أن بوسعها ضرب الحليف الذي يرتكز عليه الحزب في صراعه الداخلي، وفي مواجهته مع إسرائيل.

3-  توضح العملية الإسرائيلية أن تل ابيب تستفيد في مواجهتها مع سوريا ليس فقط من تفوقها النوعي في المجال العسكري، بل أيضاً من المساعدة الأمريكية المباشرة في المجال الاستخباري والتقني، الى جانب الغطاء الذي منحته ادارة بوش لتنفيذ عمليتها، حيث أنه من خلال التسريبات التي زخرت بها وسائل الاعلام الأمريكية كان واضحاً أن إدارة بوش كانت على علم بالعملية العسكرية الاسرائيلية قبل وقوعها. الى جانب استفادة تل ابيب من العزلة الدولية التي تعانيها دمشق، فضلاً عن  غياب ادنى مقومات التضامن العربي، الذي يعني أن اسرائيل سيكون بإمكانها مواصلة تحرشها بسوريا دون أن يكون هناك ردة فعل عربية حتى في اضيق نطاق.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر