موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
" فتح " في مواجهة ذاتها!!

قرار القيادة الجماعية لحركة " فتح " في قطاع غزة تقديم استقالتها، يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة الداخلية التي تعصف بهذه الحركة، والتي تدلل بما لا يقبل التأويل على فشل محاولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومة سلام فياض وقيادات " فتح " في رام الله التغطية على هذه الأزمة عبر تصعيد وتيرة المواجهة مع حركة حماس. ومما لا شك فيه أن انفجار هذه الأزمة على هذا النحو يدلل على حجم التخبط الذي يميز أداء أبو مازن الداخلي، والذي دفعه الى المس حتى بالجهات التي كان من المفترض أن تقف الى جانبه في صراعه ضد حماس. فقرار حكومة فياض المفاجئ بقطع رواتب الآلاف من منتسبي الأجهزة الأمنية، الذين ينتمي معظمهم الى حركة " فتح "، أدى الى احراج القيادة الجماعية للحركة في القطاع، مما دفعها للاستقالة بعد أن ذهبت محاولاتها لثني فياض عن قراره الغريب أدراج الرياح. لكن على ما يبدو فأن هناك أسباب أخرى دفعت قيادة فتح في القطاع لتقديم استقالتها. وكما بات واضحاً، فأن أبو مازن وحكومة سلام فياض وقيادات " فتح " في رام الله يتعاملون مع قيادات " فتح " في القطاع بدون أي قدر من الإحترام، ولا يقومون بإستشارتهم ويضربون بوجهة نظرهم عرض الحائط. وهناك من يرى أن هامش المناورة أمام قيادات حركة " فتح " في القطاع قد تقلص، ولم تعد قيادة الحركة هناك قادرة على مهاجمة حكومة حماس واتهامها بإنتهاك حقوق الانسان والحريات وقمع نشطاء " فتح " في ظل تعاظم الدلائل على أن حكومة فياض وأجهزتها الأمنية تقوم بحملة أشرس بكثير ضد نشطاء حركة حماس ومؤسساتها في الضفة الغربية. والذي زاد الأمور حرجاً لقيادات " فتح " في القطاع هو حقيقة أن القمع الذي تمارسه أجهزة ابو مازن الأمنية ضد حركة حماس في الضفة يتم بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

التخوف من الطابع الدموي

و قيادات" فتح " في القطاع  باتت تدرك أن قيادة الحركة في رام الله قررت الانتقال الى المواجهة الدموية مع حركة حماس، عن طريق مخطط يقوم على تنفيذ عمليات تفجير وتشجيع عمليات الاخلال بالنظام.وبالتالي فأن قيادات الحركة في غزة قررت الاختفاء عن الساحة قبل أن يتم الشروع في هذا المخطط، حتى لا تتحمل المسؤولية أمام حركة حماس وتتعرض للمسائلة القانونية، وها هو المخطط قد شرع في تطبيقه. وأياً كانت الأسباب الكامنة وراء الاستقالة، فأن ما حدث هو نتاج رفض قيادة " فتح " الإجابة على الأسئلة الكثيرة التي طرحت في أعقاب خسارة الحركة المواجهة أمام حركة حماس.  فعندما يخسر طرف ما مواجهة أمام طرف آخر، فأن الكثير من الأسئلة تطرح حول أسباب الخسارة والجهة التي تتحمل المسؤولية عنها؛ لكن قيادة " فتح " كررت اخطاءها السابقة عندما أصرت على رفض الإجابة على هذه الأسئلة. فأبو مازن لم يتعامل منذ البداية بجدية مع قيادات " فتح " في غزة، فهو قام بتعيين هذه القيادات لتكون مجرد  واجهات  تنفذ السياسات المعتمدة من رام الله.

 

فك الإرتباط مع القطاع

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة:لماذا اقدم أبو مازن وحكومة سلام فياض على قطع الرواتب عن عدد كبير من المنتسبين للاجهزة الأمنية من المنتمين لحركة " فتح "، بعد أن جمد رواتب كل عناصر الأمن التابعين لحكومة هنية؟.  المنطق السليم يقول أنه كان بالأحرى بحكومة فياض عدم المس بجمهور حركة " فتح " تحديداً على اعتبار أنه الجمهور الذي تراهن عليه في تحقيق هدفها المعلن، وهو تهيئة الظروف لإجبار حركة حماس على التراجع عن خطواتها " الإنقلابية ". فلا يعقل أن تقدم حكومة فياض على هذه الخطوة أن كانت جادة حقاً في تحقيق هذا الهدف. المقربون من أبو مازن يقولون أن إقدامه على هذه الخطوة جاء بسبب الضغوط التي يمارسها مساعدوه عليه لفك ارتباطه بقطاع غزة. فهؤلاء المساعدون يعتبرون أن مواصلة حكومة فياض دفع مرتبات الموظفين والعاملين في الاجهزة الأمنية لا تساعد على المدى البعيد في دفع حركة حماس على التنحي عن حكم القطاع، بل أن ذلك بالتحديد يعمل على ترسيخ نفوذ حكومة هنية، على اعتبار أن دفع المرتبات حسن بشكل ملحوظ الوضع الإقتصادي. الى جانب شعور ابو مازن بعدم كفاءة الهيئة القيادة لحركة " فتح " في قطاع غزة، حيث أن أبو مازن يشعر بخيبة أمل ازاء فشل هذه الهيئة في إدارة حملة أكثر تأثيراً ضد حركة حماس وحكومة اسماعيل هنية. والذي يدلل على أن موقف ابو مازن السلبي ازاء قيادة " فتح "  في غزة هو مسارعته الى قبول استقالتها بدون تردد. هناك مصادر تزعم أن أبو مازن قام بالفعل بتعيين قيادة سرية لإدارة شؤون " فتح " في قطاع غزة حتى لا يتم ضربها من قبل حكومة هنية. إن صحت هذه المزاعم، فأن هذا يؤكد أن أبو مازن يتجه لتحويل المعركة مع حماس الى مواجهة دموية. لكن هذا تحديداً لن يكتب له النجاح، حيث دلت التجربة أن الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة هنية على علم بكل ما يدور داخل أروقة حركة " فتح "، الأمر الذي ساعدها على احباط الكثير من  مخططاتها. ومن ناحية ثانية، فأن مثل هذه الخطوة تعني تقليص قدرة " فتح " على ممارسة العمل السياسي الجماهيري، حيث أنه من الطبيعي أن يتصدى لهذا العمل قيادة علنية وليست قيادة سرية.

أياً كانت الأسباب وراء أزمة حركة " فتح " الداخلية، فأنه مما لا شك فيه أن هذه الأزمة ستضعف الى حد كبير قدرة أبو مازن على مواصلة حملته ضد حركة حماس بنجاعة، فضلاً عن تبريرها مما يضطره الى اعادة تقييم ادائه وسلوكه تجاه حركة حماس. فأبو مازن يراهن حتى الآن على عوائد مؤتمر الخريف، لكن كل الدلائل تؤكد أنه سيعود من هناك بخفي حنين. وعندها فأن أبو مازن سيفاجأ بأنه الى جانب مساهمته في تدمير الحركة التي يقودها، فأنه لم يعد يملك برنامجاً سياسياً يستند اليه ليس فقط في مواجهته لحركة حماس، بل في تسويغ مجرد وجوده على رأس الحكم.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر