موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا يخطط بلير لتصفية المقاومة الفلسطينية !!!

"

لم يستطع الحاخام بني إيلون رئيس حزب " الإتحاد الوطني " اليميني الإسرائيلي المتطرف إخفاء شعوره بالإرتياح عندما كان مقدم نشرة الإخبار في الإذاعة العبرية الخميس الماضي يحاوره حول تقييمه للخطة التي بلورها مبعوث اللجنة الرباعية ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لإدخال إصلاحات على مؤسسات السلطة الفلسطينية، والتي كشف النقاب عنها قبل يوم.  " وأخيراً حتى بلير يتفق معنا حول نقطتين أساسيتين، وهما: اجتثاث الحركات الإرهابية الفلسطينية، وحل مشكلة اللاجئين دون أن تتحمل إسرائيل أي مسؤولية عنها "، أضاف ايالون. خطة بلير لإصلاح مؤسسات السلطة تركت صدىً واسعاً في الساحة الفلسطينية لما تضمنته من عناصر فاجأت الفصائل والنخب والرأي العام الفلسطيني، حيث تبين بشكل لا يقبل التأويل أن " إصلاح " مؤسسات السلطة، كما يراه  بلير يتمثل في توفير كل الظروف الكفيلة بتضييق الخناق على حركات المقاومة الفلسطينية، وتحديداً في الضفة الغربية، دون إيجاد أي رابط بين ذلك وتقليص الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيين سواء من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين. فحسب الخطة التي أوردت تفاصيلها النسخة العبرية لموقع صحيفة " هآرتس "،  الإسرائيلية على شبكة الانترنت الاربعاء الماضي، فأن بلير يرى بوجوب إدخال اصلاحات بيوية وإدارية على الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، لجعل حربها ضد نشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية أكثر فعالية. وتربط الخطة بين قدرة أجهزة أبو مازن الأمنية على شن حملة لا هوادة فيها ضد حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبين مستقبل التسوية للصراع. وكتب بلير في مقدمة الخطة أنه بدون عمليات صارمة تقوم بها الاجهزة الأمنية الفلسطينية ضد حركات المقاومة الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية، فأنه لا أمل من امكانية حدوث تقدم في الجهود للتوصل لتسوية سياسية للصراع. ولزيادة فاعلية الأجهزة الأمنية في حربها ضد حركات المقاومة، فأن الخطة تقترح ادخال اصلاحات على الجهاز القضائي ومؤسسة النيابة العامة في الضفة لمحاكمة عناصر المقاومة وقادتها، الى جانب ذلك، فأن الخطة تقترح تشكيل إدارة جديدة للإشراف على السجون في السلطة الفلسطينية، مع وجود اشراف أوروبي، وذلك لضمان عدم الإفراج عن عناصر المقاومة الذين تتم محاكمتهم. وتنص الخطة على زيادة عدد المستشارين الأوروبيين الذين يساعدون الشرطة الفلسطينية في الأنشطة التي تقوم بها لتعقب نشطاء حركات المقاومة، الى جانب تكثيف عمل الطاقم المنسق الأمني الأمريكي الجنرال  كيت دايتون، المسؤول عن زيادة فاعلية الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتحديداً جهاز أمن الرئاسة والأمن الوطني. والذي أثار استهجان واستياء الفلسطينيين هو اقتراح بلير أن يتم ضم وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود براك ليكون أحد أعضاء لجنة  ثلاثية " عليا " للإشراف على تطبيق الخطة، الى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وبلير نفسه. وينوي بلير الذي قدم نسخة من خطته لرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، عرض هذه الخطة اثناء لقاء القمة في " انابوليس "، لإقرارها من قبل المجتمعين.

لكن لا خلاف بين الفلسطينيين بمعزل عن انتماءاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية، أن أخطر ما في خطة " بلير "، هو محاولتها وضع أسس لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. فبحجة العمل على تحسين الأوضاع الإقتصادية للفلسطينيين تقترح الخطة اقامة مشاريع إسكان جديدة في الضفة الغربية تهدف الى اعادة توطين اللاجئين في الضفة الغربية. وعلى رأس المشاريع التي اقترحها بلير إقامة مدينة فلسطينية جديدة بالقرب من مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية تخصص لإيواء عشرات الالاف من اللاجئين الفلسطينيين ضمن خطة ل " اعادة تأهيل اللاجئين "، وهي ذات الخطة التي يدعو لها قادة ومنظرو اليمين المتطرف في إسرائيل لتصفية قضية اللاجئين. وفي مقابل كل تلك الإلتزامات التي تكبل بها الخطة السلطة الفلسطينية، فأنها فقط تحث إسرائيل على تخفيف الإجراءات المفروضة على حرية الحركة للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث يعتبر بلير أنه من المهم أن يشعر الفلسطينيون في الضفة الغربية بحدوث تغير " إيجابي " في مستوى حياتهم.

من ناحيتهم وجه ممثلو الفصائل الفلسطينية انتقادات حادة لخطة بلير، واصفين إياها بأنها تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية. فقد اعتبر جميل المجدلاوي عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية الفلسطينية ورئيس لجنة اللاجئين في المجلس التشريعي أن بعض الجهات القريبة من أبو مازن هي التي شجعت بلير على طرح خطته " التي تهدف الى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية ". وأشار المجدلاوي في تصريح ل " ويكلي " الى أن هذه الجهات قامت بطر بطرح تصورات تنازلية للتسوية، فتحت شهية الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين لتقديم مثل هذه الخطط والمشاريع الهادفة الى تصفية قضية اللاجئين. من ناحيته قال خالد البطش القيادي البارز في حركة " الجهاد الاسلامي "، أن الخطة تهدف الى " التحايل " على حق العودة، تحت شعار " اعادة تأهيل اللاجئين "، الذي يهدف بشكل أساسي الى تصفية قضية اللاجئين. وفي تصريحات ل " ويكلي "، قال البطش أن بلير لا يرى أي مشكلة في " الاعتداءات الاجرامية " الاسرائيلية وعمليات الاستيطان والتهويد واعتداءات المستوطنين، لذا هو يريد تحريض السلطة الفلسطينية لقمع حركتي حماس والجهاد الاسلامي. أما الدكتور يحيى موسى نائب رئيس كتلة حماس في المجلس التشريعي فيتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتواطؤ مع بلير في تصفية قضية اللاجئين، مشيراً الى التصريحات التي اطلقها ابو مازن قبل فترة واشار خلالها الى امكانية توفر " حلول خلاقة " لقضية اللاجئين. وشدد موسى في تصريحات ل " ويلكي " على أن بلير ومن يتصلون به سيكتشفون أن الشعب الفلسطيني قادر " على الاطاحة بالمؤامرة التي يحيكونها ".

الذي أثار حفيظة الفلسطينيين هو حقيقة أن خطة بلير تتجاهل بشكل سافر الممارسات القمعية التي ينفذها الجيش الاسرائيلي والمستوطنين ضد الفلسطينيين. مع أن كل المعطيات التي تقدمها منظمات حقوق الإنسان، ومن ضمنها منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية تؤكد أن المدنيين الفلسطينيين هم الذين يتعرضون لإبشع الممارسات. فحسب هذه المعطيات، فأن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص جيش الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة برصاص جيش الاحتلال منذ مطلع العام الجاري فقط 350 شخص، وفي المقابل فأن عدد جنود الاحتلال و المستوطنين الذين قتلوا برصاص المقاومة الفلسطينية لا يتجاوز الخمسة. وحسب المنظمات الحقوقية الإسرائيلية فقد قام المستوطنون منذ بداية العام الجاري بخمس وعشرين ألف حادثة اعتداء على الفلسطينيين في أرجاء الضفة الغربية. وفي بعض مناطق الضفة، مثل الخليل، فقد أدت الاعتداءات الى نزوج اعداد كبير من الفلسطينيين عن احيائهم. ورغم اتساع دائرة هذه الإعتداءات وكثافتها، فأنه لم يتم تقديم إلا مستوطن واحد للمحاكمة، وقد افرج عنه بكفالة مالية زهيدة. وفي شمال الضفة الغربية فقط اقتلع المستوطنون عشرة آلاف شجرة زيتون، وقاموا بتسميم مئات الآبار الإرتوازية، ناهيك عن قيامهم إطلاق قطعان كبيرة من الخنازير لتخريب المحاصيل الزراعية. وحسب دراسة إسرائيلية، فأن الحواجز العسكرية التي تقيمها اسرائيل في الضفة تؤدي الى تعطيل حياة 80% من الفلسطينيين.

والأخطر في خطة " بلير " أنها تتجاهل الإعترافات الصريحة والموثقة التي يقدمها قادة الجيش الإسرائيلي والتي يقرون فيها بأنهم يوفرون كل الظروف التي تساعد المستوطنين على إرتكاب الجرائم ضد المدنيين الفلسطينيين. الجنرال يوفال بزاك رئيس قسم " تطوير نظريات القتالية " في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، والذي تولى قيادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية أبلغ صحيفة " يديعوت أحرنوت "، الاسرائيلية مؤخراً أن جيش الاحتلال يقوم منذ عشرات السنين بتجاهل الاعتداءات التي يشنها المستوطنون على المدنيين الفلسطينيين. " هنا تتم عملية تضليل رهيبة، نحن كجيش نساعد على ما يقوم به المستوطنون اليهود من جرائم ضد المدنيين الفلسطينيين العزل "، قال بزاك. واضاف أن الجيش الإسرائيلي يتستر على التنظيمات الإرهابية اليهودية التي تنشط في المستوطنات وترتكب الجرائم ضد المواطنين الفلسطينيين، مشدداً على أن الجيش والمخابرات الإسرائيلية لا يقومان بأي تحرك من أجل تفكيك التنظيمات الارهابية اليهودية.

وفي الوقت الذي يقترح فيه خطة بلير " إصلاح "، الجهاز القضائي الفلسطيني لجعله أكثر " كفاءة " في مواجهة حركات المقاومة، فأن هذه الخطة لا تتعرض بحال من الأحوال للجهاز القضائي الإسرائيلي الذي تؤكد المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية نفسها أنه يتجاهل بشكل عنصري الشكاوى التي يتقدم بها المواطنون الفلسطينيون ضد اعتداءات المستوطنين. فقد كشف تقرير صادر عن منظمة " يوجد قانون "، الإسرائيلية التي تعنى بمراقبة ممارسات الاحتلال في الضفة الغربية، أن 1% فقط من الشكاوي التي يتقدم بها المواطنون الفلسطينيون في الضفة الغربية للشرطة الإسرائيلية حول قيام المستوطنين اليهود بالإعتداء عليهم تنتهي بتقديم لوائح اتهام ضد هؤلاء المستوطنين؛ في حين أن بقية الشكاوي، يتم اغلاق ملفاتها دون تقديم لوائح اتهام.

ترجمة مقال نشره صالح النعامي في صحيفة " Ahram weekly

رابط المقال:

http://weekly.ahram.org.eg/2007/868/re62.htm

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر