موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
في انتظار الموت

الشرق الأوسط 23-01-2004
غير آبه بالمطر المنهمر، ولا بالريح الصرصر العاتية التي تعصف بالمكان، او البرد القارس الذي يلفح الوجوه، يكمن ابو محمد فوق سطح منزله، ممعنا النظر في الظلام الدامس الذي يلف المنطقة، ومصيخا السمع، ترتعد اطرافه خوفا وهو يترقب الخطر المقبل من قلب عتمة الليل الذي ارخى سدوله على المكان.

ابو محمد مثله مثل جميع سكان حي البرازيل في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، يقضون ليالي هذا الشتاء فوق سطوح منازلهم، يراقبون تحركات جرافات الاحتلال، حتى لا تباغتهم فجأة لتدمير ما تبقى من منازل في هذا الحي، الذي هو احد اكثر الاحياء في المدينة استهدافا وتضررا من عمليات التدمير التي تقوم بها قوات الاحتلال بشكل منهجي منذ اندلاع الانتفاضة. سكان الحي الذي تحولت اجزاء واسعة منه الى اطلال واكوام من الركام والتراب، في حالة استنفار دائم حتى لا يؤخذوا على حين غرة، فلا ينامون الليل الا وقد اعدوا العدة للهرب، بجمع ما خف وزنه وغلا ثمنه.

بعض سكان الحي، كما هو الحال في بقية احياء المدينة المنكوبة، ينقلون اثاثهم وبعض مقتنياتهم الاخرى الى منازل اقارب واصدقاء لهم في مناطق اقل تهديدا من جرافات الـ«دي سي» الاحتلالية الضخمة، في ظل تهديد قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال بأن عمليات تدمير المنازل ستتواصل على قدم وساق. ويقوم بعض هذه العائلات بنقل الطاعنين في السن من بين افرادها الى اقارب واصدقاء ايضا، لعجز هؤلاء عن الهرب عندما تدق ساعة الجحيم.

وفي عمليات تدمير المنازل التي قام بها جيش الاحتلال في الايام القليلة الماضية، اصيب بعض السكان بجراح جراء سقوط بعض اجزاء الركام من المنازل اثناء عملية الهدم التي بدأت قبل مغادرتهم منازلهم.

واتقن سكان المنطقة مرغمين عملية القاء الاطفال من الادوار العليا وتلقفهم من قبل الاقارب لتجنب الخروج من البوابات الرئيسية التي عادة ما يكون الخارجون منها اهدافا يصطادهم قناصو جنود الاحتلال.

وقال سعيد زعرب رئيس بلدية رفح، لـ«الشرق الأوسط»: «ان قوات الاحتلال دمرت خلال اليومين الماضيين ستين منزلا في المنطقة. واوجدت حزاما أمنيا يمتد من قلب المدينة حتى مائتين وخمسين مترا». وتابع القول ان «شعورا قاسيا يسيطر على رئيس البلدية عندما لا يستطيع تقديم المساعدة لمواطنيه». واشار الى انه يتم استيعاب العائلات التي يدمر الاحتلال منازلها في النوادي الرياضية والمباني التابعة للبلدية. ويتوقع زعرب ان الاكثر سوءا ما زال ينتظر سكان مدينته.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر