موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
غزة التي أضحكت بن غوريون في قبره !!!

يروي الكاتب المسرحي الإسرائيلي حاييم هنغبي أنه دخل في أحد ليالي الشتاء القارس عام 1994، على الجنرال شاؤول شلومو الذي تناوب مع أرئيل شارون على قيادة الكثير من العمليات الخاصة خلف خطوط الجيوش العربية على مدى أربعة عقود، وذلك قبل خمسة أشهر على وفاته، فوجده منكباً على قراءة بعض كتب التاريخ وقد اصفر وجهه، ومظاهر الفزع بادية عليه. ويضيف هنغبي أنه عندما استفسر من شلومو عن سبب ما ألم به من هلع، قال له أن ذلك يرجع الى ما شرع في قراءته  من كتب حول الظروف التي قادت الى انتصار الملسمين في معركة حطين وتحريرهم القدس في زمن قياسي. شلومو الذي خبر المعارك منذ نعومة أظفاره يؤكد لهنغبي أنه اعاد قراءة المواد التاريخية مرات ومرات، لكنه ظل عاجزاً عن إدراك كنه التحولات الدرامتيكية التي قادت الى انتصار صلاح الدين على الصليبيين، رغم أن موازين القوى كانت تميل بشكل جارف لصالحهم. ونوه شلومو أن ما قرأه دفعه للاعتقاد أن ما حدث للصليبيين يمكن أن يحدث للصهاينة على أرض فلسطين في أي وقت، وحتى بدون مقدمات كبيرة.

لكن حتى يحدث ما يخشاه شلومو، فدعونا نشير الى ما  ذكره الشاعر الإسرائيلي حاييم غوري، حيث كتب غوري في أحد مقالاته أن أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب " مباي " الصهيوني فوجئوا عندما أصر زعيم الحزب دفيد بن غورويون، والذي أصبح فيما بعد أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال على طرح قضية استشهاد الشيخ عز الدين القسام على ايدي أفراد قوات الأنتداب البريطاني، على جدول أعمال مؤتمر الحزب الذي انعقد في الثاني من ديسمبر من العام 1935. وبينما كان العرق يتفصد من وجنتيه، قال بن غوريون " أنه لأمر خطير جداً، أنها المرة الأولى منذ أن تفجر الصراع بيننا وبين العرب أن يبرز زعيم عربي يحمل فكرة ومبدأ ويضحي بنفسه في سبيلهما، أن هذا التطور ستكون له أبعاد عميقة، وذلك لأن كل الزعماء الذين واجهناهم حتى الآن لا يحظون باحترام جماهيرهم، لمعرفة هذه الجماهير، أن هؤلاء الزعماء يبيعون شعوبهم من أجل مصالحهم الخاصة". ويضيف " أن مقتل القسام يوفر بعداً أخلاقياً لنضال العرب ضد المشروع الصهيوني، وهذا ما كانوا يفتقدونه حتى مقتل القسام، أن الشباب العربي سينظرون الى القسام كقدوة يرون أنه من الضرورة الاقتداء بها، وهذا ما سيجعل وجودنا في هذه الأرض مرتبطاً باستمرار اراقة الدماء "..

ولازالت كانت كلمات رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ايهود براك بعدما تسرح من قيادة هيئة أركان جيش الاحتلال في العام 1998، تتردد في الفضاء، عندما قال " لو ولدت فلسطينياً لاخترت أن أعمل ضمن حركات المقاومة الفلسطينية ".

تكتسب الإشارة الى مخاوف كل من شلومو وبن غوريون وإقرار براك أهمية خاصة في هذه الأيام تحديداً التي تتعرض فيها الذاكرة الوطنية الفلسطينية للتفكيك واعادة التركيب لتنضح زيفاً وغشاً، فبدلاً من اعمال الفكر وإستثمار الطاقات والجهد في جعل مخاوف اعدائنا حقيقة، بتوفير كل الظروف لتعاظم المقاومة........أصبحنا– ويا للمهزلة –لا نتحدث إلا عن الحرب بين فتح وحماس، وكأننا لا ننتمي الى ذات الوطن السليب والأرض المغتصبه، وأصبحنا مشغولين في استعراض عضلاتنا في المكان والزمان الخطأ...... في فتنة يكتوي بنارها الجميع ظلاماً ومظلومين، مع العلم أن خطيئة ما يحدث تلف الجميع بلا استثناء.........فمن يدعي أن الحق معه في هذه الفتنة، فليربط انتصاره لنفسه – أن كان لا بد فاعلاً – بما يضفي مصداقية على مخاوف شلومو وبن غوريون..........لكن حتى يحدث هذا فسيواصل بن غورويون من قبره!!!!!!!!

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر