موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا رسمت " أنابوليس " عودة أبو مازن الى غزة !!!!!!!!

قبل أسبوع عن انعقاد مؤتمر " أنابوليس "، كشف الصحافي الإسرائيلي ناحوم برنيع النقاب عن أن تفاهماً قد توصل اليه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت مع ابو مازن يقضي بأن تقوم إسرائيل بإجتياح قطاع غزة بغرض إسقاط حكومة حماس وتوجيه ضربة قاصمة لبنى الحركة التنظيمية والعسكرية، تمهيداً لتسليم القطاع مجدداً لأبو مازن. على الرغم من أن برنيع يوصف بأنه من الصحافيين القلائل في تل ابيب الذين يتميزون ب " الأمانة " في النقل والدقة في جلب المعلومات، إلا أن المحلل يضع احتمالية أن يكون هذا السبق غير صحيح، أو مبالغ فيه. لكن ما تم في " أنابوليس " يدلل على أن هذا هو ما ستسعى إسرائيل لفعله بالتنسيق مع أبو مازن. الإعلان المشترك الذي تلاه الرئيس بوش في خطابه امام المؤتمر شدد على أن خطة " خارطة الطريق "، هي المرجعية الوحيدة للعملية التفاوضية. وتنص المرحلة الأولى من الخطة على أن تقوم السلطة بتفكيك حركات المقاومة الفلسطينية وجمع سلاحها ووقف التحريض ضد إسرائيل في وسائل الاعلام والمؤسسات التعليمية والدينية الفلسطينية. في لقائهم الثلاثي أوضح كل من بوش وأولمرت لابو مازن أنه يتوجب عليه الوفاء بهذا التعهد ليس في الضفة الغربية، بل في غزة. ولما كانت غزة تحت سيطرة حماس، فأنه لا بد من تدخل اسرائيل للقضاء على حماس، بشكل يسمح لأبو مازن بالعودة الى القطاع. القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي اشارت الى أنه من أجل رفع الحرج عن أبو مازن وحتى لا يبدو كمتعاون مع المخطط الإسرائيلي بشكل مباشر، فأن الأمريكيين يقترحون أن تتولى قوات الناتو السيطرة على القطاع بعد انسحاب اسرائيل منها، حيث تمكث هذه القوات بعض الوقت، وبعد ذلك يتم توجيه الدعوة لأبو مازن والقيادات الهاربة بالعودة للقطاع لملء الفراغ الحاصل. الشاهد الأكبر على أن ثمة مخطط قد طبخ في انابوليس هو ما قاله نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي افيغدور ليبرمان تعليقاً على  خطاب اولمرت وابو مازن في أنابوليس، في مقابلة اجرتها معه القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، حيث قال " أن ابو مازن وفياض متلهفان لأن تقوم إسرائيل باعادة احتلال القطاع أكثر من سكان سديروت، وهي المستوطنة التي تتعرض للقصف من الفلسطينيين في القطاع". فهل تم في " أنابوليس " تم طبخ خطة لإعادة ابو مازن للحكم في غزة؟.

 

 

مفاوضات الى ما لا نهاية

 

المخطط لاستباحة غزة لا يرافقه مخطط لانهاء الصراع واحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. فكما بات واضحاً، فأن المفاوضات بين الجانبين ستمتد الى ما لا نهاية. فبوش شدد على ضرورة تنفيذ الطرفين لإلتزاماتهما كما وردت في خطة خارطة الطريق. واللافت أن الأمريكيين والإسرائيليين يرون أن تنفيذ الإلتزامات وتحديداً في المرحلة الأولى من الخطة، يجب أن يكون تتابعياً وليس تبادلياً، بمعنى أنه يتوجب على السلطة الفلسطينية أن تقوم أولاً بواجباتها في الخطة، وفي حال نجاحها في إنجاز ذلك يأتي دور إسرائيل للوفاء بإلتزاماتها. ووفاء السلطة بإلتزاماتها – حسب المعايير الاسرائيلية - أمر مستحيل، إذ أن اسرائيل بامكانها دوما ان تدعي ان ابو مازن لم ينفذ تعهداته بشكل كامل.

 

دفعة للمشروع الاستيطاني

لم يكن هناك ثمة بد أمام شاؤول جولدشتاين، زعيم المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، إلا أن يكيل المديح  لرئيس وزرائه ايهود اولمرت على ما وصفه ب " انجازه الكبير "، بعد أن استمع الى كلمات كل من الرئيس بوش ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وأولمرت نفسه أمام المؤتمرين في " أنابوليس ". وأثناء مشاركته في التعليق على ما جاء في كلمات القادة الثلاث في حوار استضافته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، إعتبر السياسي اليميني المتطرف أن محصلة " أنابوليس " إيجابية لأنها تسمح بتعاظم المشروع الإستيطاني في الضفة الغربية ". شهادة جولدشتاين تصلح لتكون معيار لتحديد الخاسرين والرابحين من " أنابوليس "، وأن كان إستقراء ما ما ورد على لسان الثلاثة يدلل بما لا يدع مجالاً للشك، على أن الطرف الفلسطيني هو الخاسر الأكبر من هذا المؤتمر، في الوقت الذي لبى هذا المؤتمر تطلعات حتى الجناح اليميني المتطرف الحلبة السياسية الإسرائيلية. فالإعلان المشترك الذي تلاه الرئيس بوش في مطلع كلمته يمثل استجابة مباشرة للطلب الإسرائيلي بألا يصدر عن هذا المؤتمر أي وثيقة مبادئ ملزمة، والإكتفاء ب " إعلان نوايا " فقط.

 

ابو مازن يبتلع الوعود

 وهذا البيان يدلل على أن أبو مازن ابتلع كل وعوده السابقة لأبناء شعبه، عندما تعهد بأنه لن يذهب لأنابوليس قبل التوصل لوثيقة مبادئ تحدد مسبقاً مصير القضايا الأساسية للصراع مثل القدس واللاجئين والحدود والدولة وغيرها من قضايا. في نفس الوقت تراجع أبو مازن واعضاء وفده المفاوض عن تعهدهم بأنهم لن يصلوا " أنابوليس "، قبل إعلان أولمرت تجميد الإستيطان ووقف البناء في جدار الفصل العنصري، ورفع الحواجز العسكرية في ارجاء الضفة. فضلاً عن ذلك فأن الإعلان المشترك كان فضفاضاً، ولم يحدد موعداً محدداً وملزماً لإنهاء المفاوضات بين الجانبين. فبوش وعد " ببذل اقصى جهده " لإنهاء المفاوضات حتى نهاية العام 2008، موعد إنتهاء ولايته، كما أنه لم يتم التطرق للآليات التي تنظم عمل المفاوضات. وأن كان أبو مازن قد اعتبر أن انعقاد " أنابوليس " بحضور ممثلين عن عشرات الدول، يمثل إنجازاً للفلسطينيين، على اعتبار أن الدول المشاركة في اعمال المؤتمرستضغط على إسرائيل وتقلص من تشددها في مواقفها، إلا أن الإعلان المشترك قد سحب منه هذا " الإنجاز "، حيث شدد على أن المفاوضات بين الجانبين ستكون " ثنائية " فقط، مع احتكار الإدارة الأمريكية دور الحكم بين الجانبين، مع العلم أنها تحتكر هذا الدور منذ 14 عاماً.

 

 

صفعة للعرب

وأن كان من الصعب على المرء حصر شواهد الخسارة الفلسطينية في المؤتمر، فأنه مما لا شك فيه أن اكثرها قسوة هو وصف بوش بأن إسرائيل " وطن قومي لليهود "، وخطورة هذه العبارة لا تكمن في أنها تفترض أن يتنازل الفلسطينيون عن حق العودة، بل أنها تمهد لقيام إسرائيل بطرد فلسطينيي العام 48، كما قال بني ايالون رئيس حزب " موليدت " الإسرائيلي. ووجه بوش صفعة مدوية للوفود العربية التي حضرت المؤتمر، عندما تجاهل الإشارة الى المبادرة العربية كجزء من مرجعيات العملية التفاوضية، وهذا ينسف المسوغات التي عرضها الوزراء العرب لتبرير مشاركتهم في " انابوليس ". أما حديث أولمرت عن أنه " سيتعامل " مع المبادرة، فهذا ليس اعترافاً به، وعلى كل فهو فقد نسف سلفاً أي فرصة لتطبيق المبادرة عندما اعتبر رسالة الضمانات التي بعث بها بوش الى سلفه شارون أهم مرجعيات العملية التفاوضية، والتي اضفت شرعية على رفض حق العودة للاجئين، و ضم التجمعات الإستيطانية، وعدم انسحاب اسرائيل الى حدود العام 67.

سوريا: مولد بلا حمص

ولا شك أن سوريا التي اضطرت لحضور المؤتمر تعرضت للاهانة، حيث لم يتم التطرق للسلام معها ولا لقضية هضبة الجولان في خطابي بوش وأولمرت. والأدهى من كذلك هو التفسير الأمريكي لحضور سوريا. فقد نقلت صحيفة " يديعوت احرنوت " عن الرئيس بوش  قوله لاولمرت أن الضربة التي وجهتها اسرائيل لسوريا مؤخراً هي التي اجبرت بشار الاسد على المشاركة في انابوليس، حيث اشعرت هذه الضربة سوريا بضعفها.

حديث بوش عن " المتطرفين و" قوى الظلام " ودعوة اولمرت للعرب لمشاركة اسرائيل في الحرب ضد الأصولية، جعل دان شيفطان رئيس مركز أبحاث الامن القومي الإسرائيلي يجزم أن " أنابوليس " لم يعقد لحل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، بل للاعداد للضربة الامريكية لإيران، بالتعاون مع العرب وإسرائيل.

أكثر ما أثار سخرية المعلقين الإسرائيليين هو حديث أبو مازن عن " صدق نوايا اولمرت للتوصل لتسوية ". رينا متصليح المعلقة السياسية في القناة الثانية الاسرائيلية قالت أنها استطلعت أراء 150 باحث ومعلق اسرائيلي خلال اسبوع حول دوافع أولمرت، وجميعهم أكد أن أولمرت غير جاد بالمطلق في التوصل لتسوية مع الفلسطينيين، وهو مطمئن أنه دائما بإمكانه التدليل على أنهم لم يفوا بتعهداتهم.

مقال نشر لصالح النعامي في عدد هذا الاسبوع من اسبوعية  " AHRAM WEEKLY

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر