موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تقرير " أمان " حول المخاطر الإستراتيجية الإسرائيلية

يعتبر جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروف ب " أمان "، أكبر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على الإطلاق. ويحتكر هذا الجهاز المسؤولية عن تقديم التقييمات الإستراتيجية للحكومات الإسرائيلية، والتي على أساسها يتم اتخاذ صنع القرار في إسرائيل. تقييمات هذا الجهاز أصبحت ذات أهمية فائقة، بعد الفشل الإسرائيلي خلال حرب رمضان عام 1973، إذ أن هذا الجهاز تحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الفشل في هذه الحرب، وبالتالي شددت لجنة " اجرانات " التي حققت في أوجه القصور في الحرب، على وجوب أن يكون جهاز " أمان " مسؤول حصرياً عن تقديم تقييمات استراتيجية للحكومة بشأن التهديدات التي تواجه إسرائيل. ومنذ ذلك الوقت، حرص " أمان " على اصدار تقييم استراتيجي لمكانة إسرائيل الاستراتيجية في العام المنصرم، وتوقعاته ازاء مكانتها على ضوء التهديدات المتوقعة. بالأمس انفرد موقع النسخة العبرية لصحيفة " يديعوت أحرنوت " على شبكة الانترنت بنشر التقييم الإستراتيجي السنوي الذي انجزه " أمان " والذي يستعد رئيسه الجنرال عاموس يادلين لتقديمه قريباً للحكومة الإسرائيلية. وقبل الخوض في تفاصيل ما جاء التقرير يتوجب الاشارة الى أن معدي التقرير حرصوا على التحوط لإي مساءلة في المستقبل، ويظهر هذا في بعض الاحيان من خلال ابراز استنتاج ما ثم التحفظ عليه. لكن على كل الاحوال يعكس هذا التقييم التوقعات ازاء مكانة الاسرائيلية وطبيعة التهديدات الاستراتيجية التي تواجهها هذه الدولة من وجهة نظر الاستخبارات الاسرائيلية، مع العلم أن هذا التقييم يكون في العادة مستند الى مادة استخبارية، يزعم معدو التقييم أنها " موثوقة ".

على كل الاحوال التقييم يؤكد أن إسرائيل تقف أمام ثلاث تحديات استراتيجية كبيرة، وهي المشروع النووي الإيراني، وإمكانية اندلاع حرب في الجبهة الشرقية والشمالية مع سوريا وحزب الله، بالاضافة الى التهديد الذي يمثله قطاع غزة تحت حكم حماس.

 

الخطر الإيراني

 

زاعماً أنه يرتكز على معلومات استخبارية، يؤكد  التقريرأن ايران تواجه مشاكل فنية في تطوير برنامجها النووي وتحديداً في تخصيب اليورانيوم، الذي يمكن استخدامه في بناء القنبلة النووية. لكنه في نفس الوقت يحذر من أن ساعة الحقيقة ستحين عندما تتخطى ايران الحاجز التكنلوجي الذي يمكنها من تخصيب اليورانيوم بكميات مناسبة، ويتوقع التقرير أن هذا من الممكن أن يحدث في وقت قريب. ويحدد التقرير عام 2009 كالعام الذي من المتوقع أن تنجح ايران في انتاج خمسة كلغم من المادة المشعة اللازمة لصناعة القنبلة النووية. وهذا التقييم يتناقض مع التقييم الذي قدمه رئيس جهاز الموساد مئير دجان للحكومة قبل خمسة اشهر وأكد فيه أن ايران تحتاج الى تسع سنوات لإنتاج السلاح النووي، هذا في حال حافظ برنامجها النووي على نفس الوتيرة من التطور.

وينوه التقييم الاستراتيجي الى أن التقرير الذي اصدرته المخابرات الوطنية الامريكية مؤخراً واكدت فيه أن إيران اوقفت مشروعها النووي للأغراض العسكرية في العام 2003 ترك اسرائيل لوحدها في الساحة في مواجهة ايران. وحول إمكانية أن تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، قال معدو التقرير " بات في حكم المؤكد لدينا أنه لم يعد هناك أحد مستعد للقيام بهذا العمل من أجلنا ". وجزم التقرير أنه سيكون على إسرائيل الاعتماد على قواها الذاتية في حال واصل المشروع النووي الإيراني تطوره. وزعم التقرير أن الاختلاف بين الاجهزة الاستخبارية الاسرائيلية والاجهزة الاستخبارية الأمريكية يرجع الى " نظريات مختلفة في تفسير المواد الاستخبارية "، مقراً في الوقت ذاته أن إسرائيل لا تملك معلومات استخبارية تختلف عن المواد التي تملكها الولايات المتحدة بشأن المشروع النووي الايراني.

سوريا وحزب الله

وحسب التقييم فأن الجبهة الشمالية هي مصدر الخطر الثاني، والذي ينصح التقرير على الاستعداد له بكل قوة. ويصف التقييم هذه الجبهة كالساحة الوحيدة التي من الممكن أن تنشب فيها حرب شاملة. ويؤكد التقرير أن سوريا حصلت في الآونة الاخيرة على الاف الصواريخ ذات مدى بعيدة القادرة على إصابة أي نقطة داخل إسرائيل. ويؤكد التقرير أن سوريا بإمكانها اطلاق الصواريخ التي بإمكانها أن تزرع الدمار في كل مكان من إسرائيل.

في نفس الوقت فأن التقرير يشدد على أن حزب الله استأنف في الآونة الاخيرة استيعاب المزيد من الصواريخ، حيث أن الحزب حصل على عدد كبير من الصواريخ ذات قدرة فائقة على اصابة الاهداف، وهي أكثر تطوراً من الصواريخ التي كانت لدى الحزب أثناء حرب لبنان الثانية. من هنا يصل التقييم الى  استنتاج مفاده أن التهديد على العمق الداخلي الاسرائيلي تضاعف على الجبهة الشمالية والجبهة الشمالية الشرقية.

 

استبعاد نشوب حرب قريباً

 

لكن التقييم يتوقع أن سوريا وحزب الله لن يبادرا الى شن حرب على إسرائيل قريباً، على اعتبار أن قوة الردع الإسرائيلية تعاظمت الى حد كبير خلال العام الماضي لسببين أساسيين:

1-     العمليات التي قامت بها اسرائيل خلال العام المنصرم ( تحديداً العملية العسكرية في قلب سوريا ) لم تدلل فقط على قدرات اسرائيل الاستخبارية وتفوق سلاحها الجوي، بل أن هذه الاحداث دللت على قوة التصميم التي ابدتها اسرائيل على احباط كل تهديد وقدرتها على الإقدام على خطوات خطرة ولإتخاذ قرارت صعبة ومصيرية عندما يتعلق الأمر بأمنها، حسب وصف معدو التقييم.

2-     يرى  التقييم أن كلاً من سوريا وايران وحزب الله قاموا بتحليل نتائج حرب لبنان الثانية بشكل عميق والاستنتاجات الناجمة عنها، وتوصلت دوائر صنع القرار في هذه الاطراف الى أن شن حرب صواريخ على إسرائيل في هذه الظروف ستلحق الضرر بهذه الاطراف أكثر من مسها باسرائيل. ويدعي التقرير أن إيران ذهلت من قدرة اسرائيل على تدمير منظومة الصواريخ بعيدة المدى من طراز " زلزال "، التي كان حزب الله قد نصبها قبيل الحرب الثانية في جنوب لبنان، في اقل من ساعة من الزمن، و قبل أن يتم اطلاق صاروخ واحد. ويدعي التقييم أنه يكشف هنا لأول مرة أن سلاح الجو الاسرائيلي بالتعاون مع وحدات مشاة استطاع تدمير كل منظومة الصواريخ متوسطة المدى، التي يتراوح مداها من 220 الى 360 بعد اطلاق أول دفعة من هذه الصواريخ، أو الدفعة الثانية منها. ويزعم التقرير أن قيام إسرائيل بتدمير منظومتي الصواريخ طويلة ومتوسطة المدى عقب عملية حزب الله التي قادت للحرب، اغضبت الإيرانيين. ويشير التقرير أن كلاً من سوريا وإيران تعاونتا في مد حزب الله بالصوارخ لكن طهران اشترطت على قيادة الحزب أن يحصل على اذن مسبق من طهران قبل استخدامها، زاعماً أن ممثلي " حراس الثورة " الايرانيين في في لبنان يشرفوا على تنفيذ هذه التعليمات. ويؤكد التقرير أن ايران لن تصدر تعليمات لحزب الله لتنفيذ هجوم، إلا في حال خدم ذلك مصالحها الإستراتيجية وفي حال تعرضها لتهديد مباشر، وينوه التقرير الى أن هذا لن يحدث في العامين القادمين. لكن هذا التقييم يتناقض بشكل كامل مع تقديرات اخرى لجهاز الموساد والتي أكد فيها أن تقرير الاستخبارات الأمريكي الاخير قد قلص الى حد كبير فرصة قيام الولايات المتحدة بشن حرب على ايران، وبالتالي، فأن الحفاظ على منظومات الصواريخ التي تنصبها ايران بالتعاون مع حزب الله في لبنان يصبح أقل الحاحاً، الأمر الذي يجعل من الممكن لإيران أن تسمح لحزب الله باستخدامها حتى في الرد على حدث محل ليس له علاقة بالمصالح الإيرانية.

 

ويدعي التقييم أن الردع في مواجهة السوريين ليس مرده العملية التي نفذها سلاح الجو الاسرائيلي في عمق الاراضي السورية، منوهاً الى أن السوريين أيضاً وقفوا ملياً أمام الدمار الشامل الذي لحق بالبنى التحتية اللبنانية خلال الحرب الاخيرة سيما تدمير حي " الضاحية " في بيروت والمس بشبكة الطرق في العاصمة اللبناني والجنوب، وهم يتوقعون أن دماراً أكبر سيلحق ببناهم التحتية من الصعب أن يكون بوسع النظام في سوريا اعادة اصلاحه وترميمه، في حال سارعوا الى شن حرب على إسرائيل. ويزعم التقرير أنه لهذه الأسباب تقلص حماس الرئيس السوري بشار الأسد لشراء منظومات دفاع جوية وطائرات حديثة.

لكن هذا التقييم يتناقض مع تقييمات اخرى لاوساط في " الموساد " التي تؤكد  أن " للسوريين ذاكرة قوية وقدرة كبيرة على الصبر، بحيث أنهم لا يمرورن مرور الكرام على أي خطوة تدلل على المس بكرامتهم الوطنية ". ولا يستبعد هذا المصدر أن تقدم سوريا على خطوة عسكرية خاطفة ومحدودة من اجل اغلاق الحساب مع إسرائيل بسبب قيامها بقصف المنشأة البحثية في منطقة " دير الزور "، شمال سوريا. وحول صور الرد السوري على العملية في " دير الزور "، فأن المصدر يتوقع أن تحاول سوريا المس باهداف اسرائيلية ويهودية عن طريق منظمات فلسطينية على علاقة بسوريا، ولا يستبعد المصدر ان تحاول سوريا المس بالمفاعل الذري الإسرائيلي في ديمونا.

 

 

معضلة غزة

 

أما التهديد الثالث في خطورته الذي يواجه إسرائيل فهو الكيان الذي تسيطر عليه حركة حماس في قطاع غزة. ويستدرك التقييم أن هذا التهديد ليس وجودياً، لكن ومع ذلك فأنه التهديد الذي يتوجب معالجته على جناح السرعة وقبل أي تهديد آخر. ويضيف التقييم أن التهديد الذي ينطوي عليه وجود ما اسماه " الكيان الحمساوي " في غزة يتطور يوماً بعد يوم ويتحول الى تهديد مباشر ينذر بالمس بالمستوطنين في منطقة النقب بشكل كبير. ويجزم التقييم أن هذا التهديد سيزداد خطورة خلال العام القادم، لأن حركة حماس تواصل تطوير منظومة قذائفها الصاروخية، سواء عبر زيادة مدى هذه الصواريخ أو عن طريق زيادة وزن المادة المتفجرة التي يتم حشو رأس الصاروخ بها.  ويؤكد التقرير أن حركة حماس تستعد لمواجهة إسرائيل وتخطط لإلحاق أكبر الأذى بالجيش الإسرائيلي. وتزيد الأمور تعقيداً – وفق التقييم – بسبب مواصلة حماس عمليات تهريب السلاح والمتفجرات من مصر الى قطاع غزة، حيث يتهم التقييم مصر بأنها لا تقوم بما تستطيع القيام به من اجل وقف عمليات التهريب. ومع ذلك، فان التقييم الاستخباري يشير الى نقاط ايجابية تتمثل في  تأثير عمليات التوغل المحدودة التي يقوم بها جيش الاحتلال الى جانب عمليات التصفية التي تتم من الجو الى جانب قدرة اسرائيل على جمع المعلومات الاستخبارية، الى جانب الضغط الاقتصادي، كل هذه العوامل تؤدي الى نتائج ايجابية تتمثل في شواهد على الأرض، مثل امتناع حركة حماس عن اطلاق الصواريخ، وبدلاً من ذلك تقوم بمنح الصواريخ لحركات اخرى، في حين تكتفي بإطلاق قذائف الهاون. وفي نفس الوقت، فأن التقرير يزعم أن قيادة حماس تحاول اقناع الأطراف الدولية والعربية بضرورة التوصل لهدنة مع إسرائيل، وتسوية سياسية مع أبو مازن. ويرى التقييم الاستخباري أن زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على حماس في القطاع سيعزز هذه التوجهات. ويتوقع التقييم أن يؤدي هذا التقييم الى أن تقوم حماس بالإعلان عن وقف اطلاق النار من جانب واحد.

لكن هذا التقييم يتناقض مع الكثير من التقييمات التي يفصح عنها العديد من رجال الاستخبارات المتقاعدين الذين يرون أن العمل المسلح قد يؤدي الى نتائج عكسية ويؤدي الى توريط اسرائيل في القطاع وتخليص حركة حماس من عبء المسؤولية عن توفير الخدمات للفلسطينيين في القطاع.

 

تطورات ايجابية في العام 2007

 يعتبر التقييم أن اهم تطورين خدما اسرائيل خلال العام 2007، هما مؤتمر انابلويس، وأزمة الرئاسة في لبنان. وحسب التقرير، فأن مؤتمر " أنابوليس "، ساهم في تعزيز مكانة كل من اسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة. والاستنتاج الهام الذي يخلص اليه التقييم من انعقاد المؤتمر هو أن حضور الدول العربية يدلل على استعدادها للتعاون مع واشنطن وتل ابيب من اجل القضاء على خطر الاسلام المتطرف. . ويعتبر التقييم الاستراتيجي الاسرائيلي، أن الأزمة التي تعصف بلبنان على خلفية تنصيب رئيس جديد تمثل تطور ايجابي بالنسبة للامن الاستراتيجي لأنها تشغل كلاً من حزب الله وسوريا، الأمر الذي يبعد خطر اندلاع حرب أقليمية في المنطقة. وحذر التقييم الاستراتيجي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر