موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل يتحول اجتياح اسرائيل لغزة الى سهم مرتد لنحرها"

حرصت الحركة الصهيونية قبل الإعلان عن إسرائيل وبعد ذلك على توظيف الخلافات السياسية ومواطن التوتر الطائفي والاجتماعي في العالم العربي لصالحها عبر نسج تحالفات مع طرف عربي على حساب طرف آخر، وهذا السلوك جزء أساسي من العقيدة الأمنية والإستراتيجية الصهيونية. وإنطلاقاً من هذه العقيدة تحاول إسرائيل حالياً استثمار الإنقسام الفلسطيني الداخلي في أعقاب الحسم العسكري في قطاع غزة وسيطرة حركة حماس على القطاع، من أجل تكريسه، وتحويله الى مصدر قوة لها. وضمن الأفكار الإسرائيلية التي تعكس هذا التوظيف، الدعوات التي تنطلق من رأس الهرم السياسي في إسرائيل لإعادة أبو مازن الى قطاع غزة على ظهر دبابة إسرائيلية بعد أن تقوم بالقضاء عسكرياً على حكم حماس. عكيفا الدار كبير المعلقين في صحيفة " هارتس " كتب مقالاً بين فيه هذا أن المخطط الإسرائيلي سيكون مثابة سهم مرتد الى نحر كل من إسرائيل وأبو مازن معاً،  وعدد الأسباب التي تدعم وجهة نظره، وهذه ترجمة المقال:

بمجرد أن غادرنا الرئيس بوش حتى أصبحت الحملة العسكرية التي خططت إسرائيل لتنفيذها في قطاع غزة وشيكة. ويتضح من الجدل الداخلي لدينا وكأن قيادتنا السياسية تتعامل مع الشعب الفلسطيني كما لو كان شعبين، شعب في الضفة وآخر في غزة.فمع الضفة نريد أن ننجز السلام، في حين نقرع طبول الحرب لغزة. أشخاص في القيادة الإسرائيلية يؤكدون أن ابو مازن هو الذي يناشد أولمرت لشن حملة عسكرية على قطاع غزة لضرب حكومة اسماعيل هنية بل رحمة لإسقاطها. وهؤلاء ، وهم من كبار المستشارين، يقترحون أن تعيد إسرائيل  عباس على ظهر دبابة إسرائيلية، يعزوهم الأمل ان يقوم اتباع حركة " فتح " بالدفاع عن أطفال سديروت ( مستوطنة تتعرض بشكل دائم لعمليات قصف بالقذائف الصاروخية من قبل حركات المقاومة الفلسطينية في القطاع ).

يصعب على المرء أن يعرف الخيار الأكثر سوءاً، فهل يصدق هؤلاء المستشارين ما يقولونه حقاً، أم أنهم ببساطة قرروا القضاء على عباس الذي هو الشريك الفلسطيني الأخير لإسرائيل؟.

لا يدري هؤلاء أن شن حملة عسكرية واسعة على قطاع غزة لن تؤدي مطلقاً الى تعزيز مكانة عباس في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ستكون بمثابة ضربة قاصمة له، بل أنها قد تؤدي الى سيطرة حركة حماس في الضفة الغربية أيضاً.

فصور القتلى والجرحى الفلسطينيين الذين يملأون شوارع غزة أثناء الحملة العسكرية تعني إسدال الستار على أي امكانية لوفاء حركة " فتح " بإلتزاماتها الأمنية ليس في قطاع غزة، بل وفي الضفة الغربية أيضاً.

الجمهور الفلسطيني سينظر الى ابو مازن بالضبط كما كان ينظر اللبنانيون الى إنطوان لحد، والاجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح ستعتبر توأم لجيش لبنان الجنوبي، ولذا فأن انصار حركة فتح في قطاع غزة سيجدون أنفسهم مرغمين على الإلتحاق بصفوف حركة حماس حتى يحموا أنفسهم من العار.

تعزيز قوة حماس أثر هذا السيناريو سيؤدي الى تعزيز تأثير إيران وحزب الله في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في اعقاب مثل هذه الحملة، ستنهار العملية التفاوضية التي انطلقت بعد مؤتمر " أنابوليس "، ومعها سينهار حكم أبو مازن، وستسقط فكرة حل الصراع القائمة على إقامة دولتين. والأخطر من كل ذلك، أن الجيش الإسرائيلي سيتورط عميقاً في المستنقع الغزاوي، وسيجد نفسه مرغماً على تحمل المسؤولية عن الكارثة الإنسانية التي ستحدث هناك.

حالياً تبدي حماس اهتماماً متزايداً برفع الحصار عن القطاع، ولذا تقوم بتكرار اقتراحها بالاعلان عن وقف لاطلاق النار، بسبب الضغط  الذي يمارسه المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة الممتعضين من سياسة حكومة حماس.

على إسرائيل ألا تقع في مصيدة الإغراءات الكامنة في الاتفاقيات العابرة مع حماس، لأنها ستكرس سيطرتها على جزء هام من الأراضي الفلسطينية. ان كان اولمرت يعتبر ابو مازن شريكاً حقيقياً للتسوية السياسية ومعنياً بتعزيز مكانته فعليه ان يعتبره ايضاً عنواناً لإنهاء المجابهة العسكية العنيفة وتخفيف وطأة الضائقة الإقتصادية عبر اعادة فتح المعابر الحدودية في غزة. من المحظور على اسرائيل ان تمنح حماس الانجاز  المتمثل بتحرير واسع للأسرى مقابل جلعاد شاليط( الجندي الإسرائيلي الذي تأسره حماس ). يتوجب تسليم مروان البرغوثي ومئات اسرى من فتح وحماس سواء قتلوا إسرائيليين أم لم يقتلوا الى ابو مازن.

        هذه متطلبات اساسية وضرورية ولكنها ليست كافية. وقف اطلاق النار في غزة من دون تقدم في المفاوضات حول  "قضايا اللباب" الجوهرية سيتحول الى استراحة في الانتفاضة ضد الاحتلال ويزيد من تأييد الناس لحماس. فشل وحتى تجميد المباحثات سيكون في نظر الفلسطينيين  تجسيداً لعجز المعسكر البراغماتي الذي يراهن بكل ثقله  على النهج السياسي، مقابل نجاح منظمات مثل حماس وحزب الله بضرب الاسرائيليين من خلال الوسائل العنيفة. التقدم السياسي الملموس في المفاوضات مصحوباً بتسهيلات على حياة الفلسطينيين على الارض سيسمح بتقليص الاضرار في المسارات الاقليمية والدولية. الاجواء الايجابية حول طاولة المفاوضات ستكون خلفية مريحة للتداول في مبادرة استبدال الجيش الاسرائيلي في غزة بقوة متعددة الجنسيات.

        امام اسرائيل فرصة للبرهنة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على ان انتخابهم حماس كان مراهنة خاطئة، وذلك من خلال التصريح بأنها مستعدة لتوقيع اتفاق شامل مع ابو مازن لوقف اطلاق النار وفتح المعابر في القطاع. هذا الامر سيستوجب بطبيعة الحال ضبط الجيش الاسرائيلي لنفسه ورقابة مشددة من المستوى السياسي على الانشطة العسكرية ضد الفلسطينيين. في حال رفضت حماس وقف اطلاق النار فستتحمل حينئذ مسؤولية مواصلة الحصار و تبعات العملية العسكرية في غزة.  حماس لن تنتهي نتيجة لذلك إلا انها في المقابل ستضعف من الناحية الساسية في الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني.

        اولمرت قال ان "اسرائيل منتهية" من دون تقسيم البلاد وعليه فإن تعزيز شريك فلسطيني لحل الدولتين هو مصلحة وجودية بالنسبة لاسرائيل. من هنا وقبل ان يقرر أولمرت شن عملية على غزة او اطلاق سراح سجناء حماس أو الخضوع لليبرمان ( نائب رئيس الوزراء ورئيس حزب اسرائيل بيتنا والذي يهدد بالإستقالة في حال لم يقم جيش الاحتلال باعادة احتلال القطاع ) او التنازل للمستوطنين، ان يسأل نفسه ان كان شن مثل هذه العملية أمر جيدً للجهود الرامية للتوصل لتسوية سياسية للصراع، أو أنه سيمس تحديداً بالشريك الضروري لقيام دولتهم. ابو مازن هو حبة الخشخاش "المميزة" التي يجب عليه ان يحرص عليها حتى لا يمسها اي سوء.

رابط المقال:

http://www.haaretz.co.il/hasite/spages/944475.html

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر