موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بلا مأوى !!!

رغم أن دولة إسرائيل تعتبر نفسها دولة رفاه اجتماعي، وتحاول اغراء اليهود من مختلف أرجاء العالم، سيما في المناطق التي تواجه مشاكل إقتصادية، للقدوم إليها و " الإستمتاع " بمخصصات الرفاه الاجتماعي من جهة والمساعدات التي تمنحها للمهاجرين لكي يحصلوا على شقق سكنية بشروط ميسرة من جهة اخرى، إلا أن الواقع الاجتماعي في اسرائيل ينسف هذه المزاعم رأساً على عقب. البرفسورة ساندي كادر استاذة القانون في جامعة حيفا، والناشطة الاجتماعية ترى – في مقال نشرته في صحيفة هارتس - أن موت اكثر من عشرة اشخاص في إسرائيل جراء موجهة البرد التي ضربت المنطقة مؤخراً  يمثل دليلاً آخر على زيف هذا الأدعاء، مشيرة الى أن مؤسسة الحكم في إسرائيل باتت تتنكر للفقراء والمعوزين فيها، و تخلت منذ فترة عن توفير السكن المناسب للطبقات الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي، وهذه ترجمة المقال:

قبل عشرين سنة، عندما كنت أمكث في الولايات المتحدة، و لاحظت لأول مرة الظاهرة الإجتماعية الخطيرة المتمثلة في وجود أناس بدون مأوى. وبموازاة الإنتقاد الذي كنت أوجهه للولايات المتحدة سواءاً كدولة وكمجتمع يسمحان بوجود هذه الظاهرة، كنت أشعر بالفخر لأن هذه الظاهرة الخطيرة لا يمكن أن تحدث في إسرائيل. لكني كنت ساذجة.

موجة البرد الأخيرة كشفت النقاب وبصورة كارثية عن العلاقة بين الناس الذين فقدوا حياتهم بسبب هذا البرد، فهم إما مهاجرين جدد، أو طاعنين في السن أو أطفال، أو بدو عرب، وكانوا جميعاً ينقصهم وجود بيت، أو أن بيوتهم غير مؤهلة لمواجهة هذه الظروف. جميعهم دفعوا ثمن الظلم الذين انطوت عليه سياسة الإسكان التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية، وهي السياسة التي تقوم على التحلل من المسؤولية الاجتماعية، والتي لا تؤمن بأن توفير السكن للمواطن هو حق من حقوق المواطنة الأساسية، التي يتوجب على الدولة الوفاء بها.

منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي لم تقم اسرائل ببناء مشاريع إسكانية يستطيع ان يستفيد منها أصحاب الدخل المحدود والطبقات الضعيفة، مع أنه حتى  صناع القرار في الولايات المتحدة الرأسمالية يدركون أنهم مضطرون لتوفير سكن لطبقات معينة غير قادرة على الحصول على سكن خاص، حيث أن سوق  السكن لا يوفر حلول لكل الطبقات، لكن عندنا الوضع على شفا الهاوية، كما أوضح وزير البناء والإسكان السابق مئير شطريت قبل عام ونصف، حيث قال أنه فوجئ من عدم قدرة وزارته على تنفيذ مشاريع الإسكان الجماهيرية التي توفر آلاف الشقق السكنية بشروط ميسرة للطبقات الضعيفة في المجتمع، مع العلم أن هذه الوزارة كانت تنفذ العديد من هذه المشاريع في الماضي. 

حقيقة أن أكثر من عشرة أشخاص قد توفوا بسبب البرد الشديد قد قوبل بلامبالاة تامة من المجتمع، بحيث أن عدم تحرك الحكومة لعمل شئ اصبح مقبول من قبل المجتمع الذي اصبح يتعاطى مع القضية كما لو كانت أمراً طبيعياً ناجم إما عن الأحوال الجوية، أو حتى تحميل الأشخاص الذين لا يمكلون منازل المسؤولية عن مصيرهم البائس.

سقوط هذا العددد من الموتى بسبب البرد يكشف الوجه الإجرامي لسياسة الإسكان الجديدة، لكن هؤلاء الموتى يمثلون الجانب الأكثر تطرفاً من الظاهرة الإجتماعية الخطيرة.

فمئات الآلاف من الإسرائيليين يواجهون مشكلة سكن بهذا الشكل أو ذاك. صحيح أن معاناتهم لا تصل الى حد الموت بسبب البرد، لذا لا يتم الاهتمام بمشاكلهم عبر صور في الصحف وقنوات التلفزة.

 هؤلاء الأشخاص لا يدخلون تصنيف " سكان الشوارع "، الذين ينامون على أرصفة الشوارع، هؤلاء لا يوجد لديهم سكن مناسب، وليس لديهم القدرة على شراء شقق مناسبة، حيث أن الدولة تساهم بقدر ضئيل من المال في توفير الشقق السكنية، ولذلك لا يوجد لهؤلاء تدفئة خلال الشتاء، هناك بعض الأسر التي تتكدس في شقة صغيرة واحدة في ظروف بالغة الصعوبة، وهؤلاء يقطنون في قرى لا تعترف بها الدولة ( جميهم من فلسطينيي 48 )، وبالتالي لم يتم ربط هذه القرى بشبكات البنى التحتية من كهرباء وماء ومجاري، ومنهم من اكتفى بحلول سكن قاسية مثل السكن في مخازن أو ملاجئ.

كل هؤلاء يأتون من طبقات ضعيفة: طاعنين في السن، مهاجرين جدد، اطفال، بدو عرب، لاجئين، فضلاً عن أن الأسباب التي دفعتهم الى هذا الوضع مختلفة، بعضهم من المجموعة التي باتت تتعاظم من ضحايا سياسة قروض الإسكان، وبعضهم أسر فقيرة وليس لها الحق في سكن جماهيري، أو أسر تنتظر في طابور طويل فرصة الحصول على شقق ضمن مشاريع الإسكان الجماهيري، مع العلم أن هناك 50 الف اسرى في هذا الطابور.

في كل ما يتعلق بسياسات الإسكان هناك لإسرائيل ما يمكن أن تتعلمه من دول أوروبا ودول اخرى التي تقوم بإستثمارات كبيرة في مجال الإسكان الجماهيري، حتى تحافظ على حقوق الإنسان وتضمن البقاء للطبقات الفقيرة، وتمنح فرصة لأولئك من غير القادرين على اقامة بيت في ظروف مناسبة.

رابط المقال:

http://www.haaretz.co.il/hasite/spages/951323.html

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر