موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل يتحول إقتحام غزة الى وبال على إسرائيل؟

تعاظمت مؤخرًا الدعوات التي يطلقها الصحافيون والمعلقون الإسرائيليون لشنّ حملة عسكرية كبيرة على قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية في محيط القطاع. عدد كبير من كبار المعلقين في الصحف وقنوات التلفزة، إلى جانب قادة المعارضة اليمينية باتوا يحرجون الحكومة والجيش، ويتهمونها بأنها تتردّد في شنّ الحملة على القطاع لضعف رئيسها إيهود أولمرت."يورام كانيوك"، الكاتب والأديب الإسرائيلي كتب مقالاً في صحيفة يديعوت أحرونوت هاجم هؤلاء المعلقين، معتبرًا أن هذه الدعوات تمثل تضليلاً للجمهور وتحديدًا للمستوطنين الذين يتعرضون لعمليات إطلاق الصواريخ، مؤكدًا أن أي حملة عسكرية على القطاع لن تؤدي إلا لزيادة الأمور تعقيدًا وصعوبة، وهذه ترجمة المقال:

مخاطرة بلا مسوغ

المعلقون الصحافيون المتحمسون لشنّ حملة عسكرية واسعة على قطاع غزة يشكلون خطرًا على حياة عدد كبير من جنودنا، وحياة المدنيين في غزة، الذين سيُقتلون هكذا وبدون مسوغ، بالإضافة إلى أن مثل هذه العمليات لن تقطع دابر الإرهاب. المعلقون الذين يدعون لدقّ طبول الحرب فقط من أجل الإثارة، يدفعون الحكومة دفعًا لاتخاذ هذا القرار، كما أن قسمًا كبيرًا من الجمهور مَعْنِيّ بشنّ هذه العملية بدافع الانتقام، لكن الانتقام لن يجلب الهدوء. رئيس الوزراء المسئول عن حياة الجنود الشبان الذين سيقتلون قال مؤخرًا: إن الغضب ليس سببًا كافيًا لشنّ الحرب.
الآلاف من الأشخاص يُقتلون سنويًا في إسرائيل في حوادث الطرق، هل كانت أي عملية منها نوعية يمكن أن تحول دون مثل هذه الحوادث التي يتسبب بها سائقون أنذال. غزّة تمثل تحديًا لإسرائيل؛ فهي أسيرة في أيدي من وصفهم الكاتب بالـ"أصوليين الإسلاميين" الذين يقاتلون إسرائيل.

ولقد خرجنا منها وأنقذنا حياة الكثير من المواطنين الإسرائيليين، لكن الغزيين يواصلون مطاردتنا، ومع ذلك فإن الأمر يتطلب التعامل بحكمة وصبر من أجل محاربة "الإرهاب" في غزة.
يمكن للمرء أن يتفهم حجم المعاناة التي يتعرض لها المستوطنون في "سديروت"، (المستوطنة التي تتعرض أكثر من غيرها لعمليات القصف بالصواريخ من قبل حركات المقاومة)، لكن عليهم أن يدركوا أن أي عملية عسكرية واسعة لن تحلّ المشكلة ولن تغير وضعهم قيد أنملة، فأي عملية عسكرية نقوم بها في غزة ستزيد أوضاع المستوطنين في محيط القطاع صعوبة.

 

أرمينيا وغزة!

الأديب الأمريكي الأرمني الأصل "وليام سرويان" كتب ذات مرة موجهًا حديثه لعدوٍّ مفترض للأرمن: "كنتَ ترغب دومًا أن تحاول قوةٌ ما في العالم تصفية هذه القبيلة الصغيرة (يقصد الأرمن)، هذه القبيلة التي انتهت حروبها دومًا بالهزيمة، ودعواتها لم تستجب، هيا دمروا أرمينيا، أرسلوا الأرمن للصحراء بدون طعام أو ماء، دمروا كنائسهم... لكنك ستفاجأ عندما تراهم يضحكون، يغنّون، ويصلون مرة ثانية؛ لأنه في كل مرة يلتقي فيها أرمينيان في أي مكان في العالم، فإنهم يشكلون أرمينيا جديدة".

ما ينطبق على الأرمن كما وصفتهم هذه القصيدة، ينطبق على أهل غزة، فلو بقي اثنان من الغزيين، فإنهما سيواصلان مقاتلتنا وإطلاق النار علينا.أحد وزرائنا يقترح تدمير حي كامل في غزة ردًّا على إطلاق أي صاروخ على "سديروت"، هذا الوزير قال ذلك لتحقيق مكاسب دعائية لنفسه ومحاولة كسب الشعبية عندما أطلق هذه الدعوة الخطيرة، يتوجب على الجميع مطالبة كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع تعقيبهم على هذه الدعوة، ويتوجب مطالبتهم بالعمل بحكمة وتروّي، وإلا فإن التحدي والمعاناة لمستوطنينا ستكون أكبر وأشد.

 

حرب لبنان ثانية!

المعلقون في قنوات التلفزة المتحمسون للحرب على غزة والذين يستغلون معاناة مستوطني سديروت، يريدون أن نخوض حرب لبنان الثالثة في غزة، وإذا ظلّت الصحف تدعو للحرب، وإذا واصل نتنياهو (بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة اليمينية) استغلال معاناة هؤلاء المستوطنين، مع أنه يدرك مخاطر شنّ الحرب، لكن تعطشه للسلطة يدفعه لمواصلة الدعوة لشنّ الحرب، فإن أولمرت وباراك سيستسلمان وسيأمران بشنّ الحرب بسبب الضائقة التي يحياها مستوطنو سديروت، لكننا سنندم على هذا الفعل لسنوات طويلة.
على المعلقين الصحافيين أن يبدوا قدرًا من الحكمة، فهم أيضًا يدركون أنه في أعقاب أي حملة واسعة على قطاع سيتم تشكيل لجنة تحقيق على غرار لجنة " فينوجراد "، التي حققت في أسباب فشل إسرائيل في حرب لبنان الأخيرة، وعندها ستوفر لهم هذه اللجنة منصة لمهاجمة رئيس الحكومة ووزير الدفاع الذين تمّ استدراجهما لهذه الحملة بفعل الضائقة التي يحياها أهالي سديروت.ببساطة لا يوجد لإسرائيل القدرة على توجيه ضربة قاضية للمقاومة في غزة وإنهاء الأمر بسرعة، لا يوجد أمر كهذا.


أيها الصحافيون عليكم ألا تضللوا مستوطني سديروت بالقول: إن لدى الجيش الإسرائيلي ردًّا مناسبًا على عمليات إطلاق الصواريخ. امنحوا هؤلاء، الذين لا يقعون أسرى الإثارة والانفعال، الفرصة للتوصل لحلّ مناسب لهذه المعضلة الخطيرة دون الحاجة إلى عملية إثارة للعواطف.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر