موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تصفية بثمن كبير

دون أن يعلن قادة إسرائيل عن مسؤوليتهم عن تصفية عماد مغنية القائد العسكري في حزب الله، إلا أن الشواهد تدلل على ذلك، سيما من خلال اعطائهم كل المؤشرات على أن اسرائيل هي بالفعل من يقف خلف العملية. الكثير من الكتاب الاسرائيلي اعتبر أن هذه العملية كانت خطأً استراتيجياً، وأن سلبياتها تفوق ايجابياتها بكثير. احد هؤلاء الكتاب هو يوئيل ماركوس الذي نشر مقالاً في صحيفة " هارتس "، عدد فيه مسوغاته لموقفه هذا، وهذا نص ترجمة المقال.

من ناحية يتباهى كل من إيهود أولمرت وايهود براك بتصفية كبير الإرهابيين عماد مغنية بدون أن يعلنوا أن إسرائيل هي التي تقف وراء هذه العملية، لكن من ناحية ثانية، قام الإثنان بإدخال الدولة بأسرها الى حالة من الفزع في اعقاب التصفية، من خلال تحذيراتهم للإسرائيليين الذين يستعدون للسفر للخارج حتى لا يكون عرضة لانتقام حزب الله، وتوصيتهم بأن عليهم ألا يعرفوا أنفسهم بأنهم اسرائيليون، وألا يتحدثوا العبرية بصوت مرتفع، وألا يقوموا بحمل حقائب عليها كتابة باللغة العبرية.

من ناحية تؤكد الحكومة أن الجيش قادر على اجتثاث بؤر الارهاب ومطلقي صواريخ القسام، ومن ناحية ثانية تقرر تخصيص مبلغ 350 مليون شيكل ( 100 مليون دولار امريكي ) لتحصين المنازل في مدينة " سديروت " التي تتعرض للقصف بصواريخ " القسام " الفلسطينية. ماذا تريد الحكومة أن يفهم سكان الدولة من هذا القرار؟ هل هذا يعني أن الحكومة تسلم بأن الوحدات النخبوية في " الجيش المعافى " بعد حرب لبنان الثانية، والحملة الكبيرة التي تهدد بشنها على قطاع غزة، لا تكفي لوضع حد لتهديد صواريخ القسام؟.

من المؤسف أنه عشية الاحتفال بالعيد الستين لولادة الدولة، رجعنا لأيام الدولة الأولى التي كانت تقوم نظريتها الأمنية على برج وسور،أي نرجع مرة أخرى لنعيش في الجيتو. 

دائماً تحذر الأوساط الحكومية الإسرائيليين من خطورة السفر الى سيناء، لكن الإسرائيليين يتجاهلون تحذيرات الحكومة ويتوجهون الى هناك بجموعهم. والأن بعد مقتل مغنية تريد إسرائيل أن يتحول سفر الإسرائيليين للخارج الى غيتو نفنسي، وحصار ذاتي، حيث أن الإسرائيلي مطالب بإخفاء ذاته وملامحه المميزة، أي بكلمات اخرى، أن يتصرف السائح الإسرائيلي ك " شمشون الخطير "، مثلما كان يقول رئيس وزراء اسرائيل الاسبق ليفي اشكول.

الحكومة مطالبة بتوفير الأمن لمواطنيها، لا أن تقوم بتخويفهم ودب الرعب في نفوسهم. كان على الذين أجازوا تصفية مغنية أن يضعوا في الحسبان أن تؤدي هذه العملية الى عمليات انتقامية خطيرة مثل تفجير المراكز اليهودية والسفارات الإسرائيلية في أرجاء العالم، أو قصف حيفا بالصواريخ، كان عليهم أن يجروا حسابات دقيقة أن كانت نتائج التصفية في دمشق تساوي الأضرار الناجمة عنها.


أحياناً يفضل أن تتم مراقبة الإرهابي ووضعه تحت المجهر، حتى يتم احباط العمليات التي ينفذها، وليس تصفيته، من دون أن نعرف ماذا ترك خلفه من عمليات في طور الإعداد. وزير الدفاع قال بشكل علني أن اغتيال مغنية يمثل ضربة قوية للارهاب العالمي، لأن الحديث يدور عن مخرب مسؤول عن قتل مئات الأشخاص.

كان علينا أن نتعلم من تجربة امتدت لعشرات السنين أن تصفية مخرب لا يمكن أن تحل مشكلة الإرهاب على المدى البعيد، العكس هو الصحيح. لقد صفينا موسوى زعيم حزب الله السابق، فحل محله حسن نصر الله الذي لا خلاف على أن قائد فذ وذو قدرات فائقة ووحشي، وهو الذي قام بجر إيران لتعلب دوراً في الصراع العربي الفلسطيني. لقد اغتلنا المهندس يحيى عياش، قائد الجناح العسكري لحركة حماس مطلع العام 1996 بواسطة تليفون خلوي، فكانت النتيجة عشرات العمليات الانتحارية في قلب مدن الدولة.



شارون تعود على القول أن ضبط النفس هو قوة عندما كان يقرر بأن يقوم فقط بالإعمال التي تخدم الأمن فقط. لقد ملئت المقابر بالرجال الذين لا يمكن لأحد أن يملأ الفراغ الذي تركوه. لقد صفينا الشيخ أحمد ياسين، ماذا حدث في أثر ذلك، لقد تعاظمت قوة حركة حماس حتى اصبحت حماس هي المسيطرة في قطاع غزة.

لقد كانت اسرائيل ترغب دوما في تصفية ياسر عرفات الذي كان ابو الارهاب المنظم ضد اسرائيل، وخلال احد يام حرب لبنان في العام 1982، تلقى رئيس الوزراء في ذلك الوقت مناحيم بيغن رسالة عاجلة من هيئة اركان الجيش تؤكد أن عرفات الأن في بؤرة الاستهداف الخاصة ببندقية احد القناصة الاسرائيليين، وطلبوا منه رداً: هل نقوم بتصفيته؟، لكن بيغن الذي كان يكره عرفات بشكل غير طبيعي والذي كان يوصفه ب " الرجل صاحب الشعر على الوجه "، رفض تصفيته بدون تردد. وقال لي بعد ذلك أنه فكر في الأمر أن عدة ساعات من الضيق الناجم عن عدم قتل عرفات افضل الف مرة من سقوط الالاف الضحايا جراء قتله

من الأهمية بمكان تحديد مكان قادة الارهاب، لكن يفضل دائما تتبعهم لا قتلهم. تصفية مغنية لا يغطي على فشلنا في حرب لبنان الثانية قيد أنملة، ولا يخفي وضع جيشنا المزري في اعقاب هذه الحرب.

سافروا للخارج، اشتروا ما شئتم بكل ما فيه من ضوضاء وتحدثوا العبرية، فنحن لا نعيش في جيتو لا في جنوب البلاد ولا في الخارج.

رابط المقال:

http://www.haaretz.co.il/hasite/spages/955712.html

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر