موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
" مركاز هراب ".........معقل الإرهاب ومصنع القادة

أبدت المؤسستان السياسية والعسكرية في إسرائيل فضلاً عن وسائل الإعلام العبرية اهتماماً غير مسبوق بالعملية الفدائية التي استهدفت مدرسة " مركاز هراب " الدينية في القدس الغربية، والتي اسفرت عن مقتل 8 من الطلاب في المدرسة وجرح 15 اخرين. فعلى مدى ساعات طويلة أوقفت القنوات الفضائية ومحطات الإذاعة العامة والخاصة برامجها اليومية، وتحولت الى بث مباشر من ساحة المدرسة، في الوقت الذي " جندت " وسائل الاعلام جميع معلقيها للتعليق على الحادث. ولا يرجع الإهتمام بهذه العملية فقط لكونها أول عملية فدائية تحدث في قلب القدس المحتلة منذ أكثر من اربعة أعوام، بل بسبب استهدافها المدرسة التي تعتبر أهم و" اقدس " رمز للتيار الديني الصهيوني في إسرائيل، وهو التيار الذي على الرغم من أن اتباعه لا يتجاوزون نسبة 7-10% من عدد اليهود، إلا أنه يعتبر أكثر التيارات السياسية والفكرية تأثيراً على دائرة صنع القرار في الدولة.

 

مدرسة الإستيطان

 

تم تدشين مدرسة " مركاز هراب " قبل الاعلان عن اسرائيل باربع وعشرين عام، في العام 1924، على يد الحاخام الاشكنازي ابراهام كوك، الذي كان يعتبر قائد التيار الديني الصهيوني، وهو التيار الذي تقوم عقيدته الدينية والفكرية على أنه يتوجب على اليهود ان يقيموا دولة لهم على اعتبار أن ذلك شرط لعودة " المسيح المخلص "، لذلك فأن اتباع هذا التيار وبخلاف التيار الديني الأرثوذكسي، يلتزمون بالخدمة العسكرية في صفوف الجيش. ولعل انجاز الحاخام كوك الكبير كان عثوره على فتوى الحاخام رمبام الذي عاش في القرن الثاني عشر ميلادي، والذي يعتبر أهم مرجعية إفتاء يهودية يعتد بها على مر قرون، حيث  تنص هذه الفتوى على أن استيطان أرض اسرائيل " فريضة تعدل كل فرائض التوارة الثلاثمائة وستين فريضة ". وبعد وفاة الحاخام كوك ظل جميع كبار الحاخامات الذين خلفوه في ادارة المدرسة التي كان يؤمها الآلاف من اتباع الديني الصهيوني يؤمنون بضرورة توجيه كل الطاقات في الاستيطان. ووجد اتباع هذا التيار فرصتهم بعد حرب العام 1967، وسيطرة اسرائيل على سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، فأنطلق اتباع التيار الصهيوني المتأثرين بفتاوى الحاخامات الذين تعاقبوا على ادارة المدرسة والتي اكدت على أن الاستيطان الأرض التي استولت عليها اسرائيل فريضة لا تعلوها فريضة.  واقام اتباع هذا التيار المستوطنات في سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان. ويكفي أن نشير هنا الى أن الأغلبية الساحقة من قادة المستوطنين اليهود هم من الذين ترعرعوا في هذه المدرسة.

 

 

 

مصنع القادة

 

ومن المسلمات في كل ما يتعلق بهذه المدرسة أن جميع القادة السياسيين والدينيين في التيار الديني الصهيوني هم من خريجي هذه المدرسة. فأبرز المرجعيات الدينية في التيار الديني الصهيوني هم من خريجي المدرسة من امثال الحاخام ابراهام شابير الذي كان الحاخام الأكبر لإسرائيل والذي تولى ادارة هذه المدرسة لعقدين من الزمن، كما أن من بين خريجيها الحاخام حاييم دروكمان وهو أبرز المرجعيات الدينية للمستوطنين في الضفة الغربية ويعيش في مستوطنة " كريات أربع "، والحاخام موشيه ليفنجر والذي يعتبر احد مؤسسي المستوطنات في في جنوب الضفة الغربية وساهم شخصياً في قتل العديد من الفلسطينيين في المنطقة. ومن بين القادة الذين تخرجوا من هذه المدرسة زبولون هامر، رئيس حزب المفدال الديني ووزير التعليم والثقافة الاسبق، والحاخام اسحاق ليفي الذي تولى منصب وزير التعليم والاديان والحاخام بني ايالون الذي يرأس حزب الاتحاد الوطني وكان وزيراً في حكومات اسرائيل. ومن بين خرجيها الجنرال ايفي ايتام الذي كان أحد قادة سلاح المشاة في الجيش وشغل منصب وزير الاسكان في حكومة ارئيل شارون الاولى.

 

يتبوأون المناصب القيادية في الجيش

 

تعتبر هذه المدرسة بحد ذاتها مرجعية دينية لجميع مدارس " يشيفوت ههسدير "، وهي مدارس دينية عسكرية تعمل على اعداد اتباع التيار الديني الصهيوني للخدمة العسكرية، فجميع مدراء مدارس " يشيفوت ههسدير "، هم بالضرورة من خريجي مدرسة " مركاز هراب ". وعملاً بالتعليمات والفتاوى التي يصدرها حاخامات مدرسة " مركاز هراب "، فأن اتباعهم الذين يديرون مدارس " يشيفوت ههسدير "، يوجهون طلابهم الجنود لبذل كل جهد من أجل تبوؤ المناصب القيادية في الجيش. وحسب معطيات قسم القوى البشرية في الجيش الاسرائيلي، فأن معظم القادة والمنتسبين للوحدات المختارة مثل " سرية وحدة الاركان "، و " ايجوز "، " دوفيديفان " و " يسام "، هم من خريجي هذه المدارس. ليس هذا فحسب أن المتدينين  يحتكرون الخدمة في ما يعرف ب " سرايا النخبة " التابعة لألوية المشاة، فمثلاً 60% من القادة والمنتسبين لسرية النخبة في لواء المشاة " جفعاتي " هم من المتدينين. وحسب هذه المعطيات فأن 50% من الضباط في الجيش هم من اتباع التيار الديني الصهيوني، مع العلم ان نسبة هذا التيار لا تتجاوز ال 7%.تغلغل المتدينين الصهاينة في المواقع القيادية للجيش دفع الجنرال يهودا دونيدينان الذي كان مسؤولاً عن قسم "الشبيبة " في وزارة الدفاع للقول أن أتباع التيار الديني الصهيوني أصبحوا يشكلون " العمود الفقاري " للجيش.

لا يقتصر اندفاع المتدينين خريجي " يشيفوت ههسدير "،نحو المواقع القيادية في الجيش، بل أيضاً في الأجهزة الاستخبارية. فعلى الرغم من أنه لا يعلن عادة عن هوية الذين يخدمون في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، إلا أن التسريبات الصحافية تؤكد أن المتدينين أصبحوا يمثلون ثقلاً متصاعداً داخل جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك "، وهو أكثر الأجهزة الاستخبارية تأثيراً على دوائر صنع القرار في الدولة.

وما ينطبق على الجيش والمخابرات ينطبق على الشرطة وحرس الحدود.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر