موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بعد 60 عاماً: إسرائيل تواجه معضلة الشرعية والهوية

تحتفل إسرائيل الشهر القادم بالذكرى الستين للإعلان عنها، ومن ناحية نظرية يبدو للوهلة الأولى أن هناك أسباب وجيهة تدعوالصهاينة للإحتفاء بهذه الذكرى، فإسرائيل هي القوة الأبرز في المنطقة، وميزان القوة االعسكرية يميل لجانبها بشكل جارف، مقارنة مع الدول العربية. في نفس الوقت، فأنه بعد 60 عاماً على انشائها أصبحت إسرائيل قوة إقتصادية رائدة في مجال العديد من الصناعات، وعلى رأسها الصناعات المتقدمة، ووجد ذلك تعبيره في إرتفاع معدل الدخل السنوي للفرد فيها، إذ يزيد على 26 الف دولار؛ كما أن تل أبيب حققت انجازات سياسية كبيرة تتمثل في إتفاقيات التسوية مع دول عربية مهمة مثل مصر والأردن، وإتفاق مبادئ مع منظمة التحرير، الى جانب إقامة علاقات دبلوماسية في مستويات مختلفة مع العديد من الدول العربية والإسلامية. لكننا هنا نعدد الأسباب التي تدفعنا للحكم على أن هذه الإنجازات، رغم البريق الذي تعكسه الأرقام، هي في الحقيقة إنجازات وهمية، ومضللة:

أولاً: بعد 60 عاماً على وجودها، لم تزدد إسرائيل إلا بعداً عن تحقيق هدفها المتمثل بدفع المسلمين والعرب وتحديداً الفلسطينيين للتسليم بوجودها، والتعايش معها، والذي وجد تعبيره بشكل واضح في تعاظم المقاومة ضد وجودها. فإسرائيل التي تستعد للاحتفال بالذكرى الستين لإنشائها، لازالت في غمرة التخبط إزاء سبل مواجهة المقاومتين الفلسطينية والعربية، حتى بعد أن غادرت معظم الأنظمة العربية الرسمية ساحة المواجهة معها. ومن المفارقة أن إسرائيل بعد هذا العمر تجد نفسها مرغمة على زيادة موازنة الأمن، ومضاعفة العبء على قوات الإحتياط بفعل ما تعتبره تعاظم المخاطر على وجودها. فالعام 2008 بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب يعتبر من الأعوام الأكثر خطورة في تاريخها، بسبب خطورة التهديدات التي يمكن أن تواجه إسرائيل خلاله. المثير للدهشة أنه قد تولد إحساس عارم في اوساط الرأي العام والنخب الإسرائيلية بأن هناك شكوك حول إمكانية بقاء إسرائيل. ولقد وجد هذا تعبيره في العرائض التي يوقعها العديد من الجنرالات المتقاعدين ويوجهونها لقادة الدولة محذرين بأن إسرائيل لا تنتظر إلا الزوال في حال لم تصل الى اتفاقات تسوية تنهي الصراع مع العرب بشكل نهائي.

ثانياً:بعد 60 عاماً على إنشائها فشلت إسرائيل في تحقيق الهدف المركزي الذي إنطلقت الحركة الصهيونية من أجله وهو إقناع يهود العالم بالهجرة إليها على اعتبار أنها ملاذهم الآمن، والذي يعكس ذلك بشكل واضح هو القرار الذي اتخذته الوكالة اليهودية قبل شهرين بالتوقف عن محاولة اقناع يهود العالم بالهجرة لإسرائيل. في الوقت الذي تبين فيه بشكل لا يقبل الشك أن معدلات الهجرة العكسية من إسرائيل أكبر من معدلات الهجرة إليها. الأمر الذي يعني أن القوة العسكرية والمنعة الإقتصادية لم تقنع يهود العالم بالتوجه لإسرائيل ولم تفلح في منع بعض من وصلوا إليها بالإستقرار فيها، لدرجة أن هناك 700 ألف يهودي غادروا إسرائيل ويرفضون العودة إليها، ليس هذا فحسب، بل أن قسماً كبيراً منهم يقطع علاقته باليهودية.

ثالثاً: تراجع معدل الإيمان بالمشروع الصهيوني، ليس فقط في نفوس الإسرائيليين، بل إعلان العديد من النخب كفرها بهذا المشروع، كما فعل رئيس الكنيست السابق ابراهام بورغ الذي اعتبر ان إسرائيل تسير على هدى النازية، وأنها تنتظر نفس المصير. ولعل الذي يعكس هذه الحالة هو ظهور تيار فكري جديد يطلق عليه " ما بعد الصهيونية "، الذي يرى أن خلاص اليهود يكمن في تخلصهم من الفكرة الصهيونية ذاتها، ولهذا التيار مفكريه والمدافعين عنه.

رابعاً: سقوط العديد من الأساطير التي أسست للمشروع الصهيوني ومنحت إسرائيل هوية مصطنعة، وتحديداً إسطورة أن اليهود يشكلون شعباً متجانساً، حيث أثبتت التجربة الإسرائيلية عكس ذلك. فستون عاماً من عمر هذه الدولة دللت بشكل لا يقبل التأويل على أن حالة الإستقطاب الكبيرة التي يعيشها اليهود في إسرائيل تنبع من حقيقة أن هذه التجمعات السكانية لا تشكل في الأساس شعباً. فأن كان الدين هو القاسم المشترك الأبرز بين اليهود في إسرائيل، إلا أنه يلاحظ أن درجة العداء والخصومة تكون على أشدها تحديداً بين التيارات الدينية التي تتصارع فيما بينها. وأن كانت اللغة تعد من أبرز مقومات الهوية لأي أمة وشعب، فقد فشل أرباب المشروع الصهيوني في تمكين اللغة العبرية لتكون اللغة السائدة في هذا الكيان، فقطاعات سكانية يهودية بأكملها لا تتحدث العبرية، فمثلاً المهاجرين الروس الذين يعدون أكبر مجموعة إثنية لا يتكلمون إلا اللغة الروسية، ولهم شبكة تعليمهم التي تعلم باللغة الروسية وصحف ووسائل إعلام ناطقة بنفس اللغة.

في نفس الوقت فقد سقطت الأسطورة القائلة أن إسرائيل هي واحة من الديموقراطية في قلب صحراء من الديكتاتوريات. فقد بات واضحاً أن هذه ديموقراطية إثنية فقط، حيث يتعامل نظام الحكم في إسرائيل مع شرائح المجتمع بمعايير مختلفة بناءاَ على جذورها العرقية. وخير دليل على ذلك المعاناة التي يواجهها يهود الفلاشا الذين تم تهجيرهم من اثيوبيا، حيث ترتفع في أوساطهم معدلات الإنتحار لعدم تقبل المجتمع الإسرائيلي لإستيعابهم. كما أن أحداً لم يعد يقبل الأسطورة القائلة أن إسرائيل هي ضحية العدوان العربي عليها. فحسب استطلاع للرأي العام اجرته شبكة سي بي اس الأمريكية تبين أن معظم الناس في العالم يرون أن إسرائيل هي ثاني دولة لها تأثير سلبي على مجريات الأحداث في هذا الكون.

قصارى القول، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي توجه أزمة شرعية على هذا النحو لأنها قامت على اغتصاب أرض شعب آخر، وهي في ذات الوقت تكابد أزمة هوية لأنه من المستحيل على الحركة الصهيونية اصطناع مضامين هوية ثقافية لشعب غير موجود. ومما لا شك فيه أن معضلتي الشرعية والهوية ستؤديان الى تصفية المشروع الصهيوني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر