موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ضرب إيران يبدأ في فلسطين والعراق

المناورة العسكرية الأكبر التي تجريها إسرائيل حالياً في جبهتها الداخلية منذ تأسيسها قبل 60 عاماً، لا يمكن تفسيرها على أنها تأتي لردع حزب الله عن شن عملية إنتقامية على إغتيال قائده العسكري عماد مغنية. لا يمكن للأجهزة الأمنية استثمار هذا الجهد الهائل وغير المسبوق والذي يغطي جميع إنحاء الكيان الصهيوني لمجرد أخذ الإحتياطات لتفادي تأثير عملية يقوم بها حزب الل على اغتيال مغنية، فحتى أكثر السيناريوهات الإسرائيلية تشاؤمية لا تتوقع أن تكون عملية حزب الله الإنتقامية على نحو يستدعي هذه الإحتياطات. هناك الكثير من الدلائل التي تؤكد أن المناورة الكبرى تأتي في إطار سياق تحرك إسرائيلي أمريكي عسكري ضد إيران، وهذه العديد من الدلائل على ذلك:

1- قرار الحكومة الإسرائيلية بتوزيع الكمامات الواقية من تأثير الأسلحة غير التقليدية على جميع المستوطنين في الدولة لا يمكن تفسيره على أنه يأتي فقط كتحوط على عمل عسكري يقوم به حزب الله، فكل تقييمات الأجهزة الإستخبارية لم تشر الى إمتلاك الحزب مثل هذا السلاح. والمنطق السليم يقول أن هذه الخطوة تأتي تحسباً على إمكانية استخدام إيران أسلحة غير تقليدية ضد إسرائيل كرد على استهداف إسرائيلي أمريكي.

2- إجراء سلاح الطيران لكل من إسرائيل والولايات المتحدة مؤخراً تدريبات مشتركة على استهداف نماذج مشابهة للمنشآت النووية الإيرانية، أقيمت في منطقة " تسئيليم "، في صحراء النقب جنوب فلسطين. بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية نشرت نبأ التدريبات المشتركة في سياق التنويه للإستعدادات لإستهداف إيران، منوهة الى أن التدريبات صممت وفق معلومات استخبارية متوفرة للأجهزة الإستخبارية الأمريكية والإسرائيلية.

3-تكثيف الإتصالات السرية والعلنية بين كبار المسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مواجهة المشروع النووي الإيراني، وتعبير كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت وزعيم المعارضة اليمينية بنيامين نتنياهو في اعقاب لقائهما بكل من الرئيس بوش ونائبه ديشك تشيني الذين زارا إسرائيل مؤخراً بأنهما باتا " مرتاحان تماماً إزاء إلتزام الرئيس بوش الصارم بعدم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي ".

4- قرار وزير الحرب الصهيوني ايهود براك بإلغاء كل زياراته للخارج في الوقت الحالي للإشراف على الإستعدادات التي تتخذ لمواجهة تبعات العمل العسكري ضد إيران، وإن كان لم يصرح بذلك.

5- التصريحات التي أدلى بها رئيس جورجيا تشيك تشفيلي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي والتي لم يستبعد فيها ان تسمح بلاده للطائرات الإسرائيلية والأمريكية بالإنطلاق من بلاده في قصف إيران، مع العلم أن جورجيا تحد إيران من الشمال.

6- تعبير المسؤولين الإسرائيليين عن يأسهم من إمكانية نجاح العقوبات الإقتصادية في إقناع إيران بوقف برنامجها النووي، الى جانب تبلور قناعة لدى واشنطن ووتل أبيب أن الظروف الدولية والاقليمية تسمح بضرب إيران.

إسرائيل في الوقت ذاته شبه متيقنة أن حزب الله سيكون جزءاً من منظومة الرد على أي هجوم أمريكي إسرائيل على المنشآت الذرية الإيرانية، وتنطلق تل أبيب من الإفتراض أن حزب الله سيستخدم كل مخزونه من الصواريخ بعيد المدى فقط في إطار الرد على هجوم على إيران وليس ضمن رد على إغتيال مغنية. وتعي إسرائيل أن لديها الكثير من الأسباب للقلق، حيث أن الصواريخ التي بحوزة حزب الله بإمكانها اصابة كل التجمعات السكانية الكبيرة في الكيان الصهيوني، بحيث أنها يمكن أن تصيب مدينة بئر السبع في اقصى الجنوب. والدرس الذي تعلمته تل أبيب من حزب لبنان الثانية أن الصواريخ هي أكبر تهديد يواجهها في أي حرب قادمة.

الإفتراض السائد في إسرائيل هو أن أي عمل حربي كرد على هجوم يقوم به حزب الله سيطال سوريا ايضاً على اعتبار أن لسوريا قدرة على كبح جماح حزب الله ومنعه من التورط في عمليات ضدها. إسرائيل أرسلت العديد من رسائل التهديد غير المباشرة الى دمشق، تحذرها فيها من أنها ستدفع ثمن هجمات حزب الله. ومن الأهمية بمكان الإشارة الى أن إسرائيل جادة في استهداف سوريا كرد على عمليات حزب الله،على اعتبار أن إمكانية قيام إسرائيل بالرد على حزب الله على الأراضي اللبنانية محدودة جداً، حيث لا تستطيع إسرائيل شن عمل كبير فوق الارض اللبنانية خشية التاثير سلباً على حكومة فؤاد السنيورة المتحالفة مع واشنطن. فالولايات المتحدة أبلغت اسرائيل أن تتجنب شن عمليات واسعة في لبنان كرد على عمليات حزب الله، حتى لا تؤدي مثل هذه العمليات الى إضعاف حلفائها في بيروت. ولا تستبعد دائرة صنع القرار في تل أبيب أن يقوم الجيش الإسرائيلي بعملية غزو برية محدودة لسوريا في ردها على حزب الله، مع كل ما يعنيه من اضطرار سوريا للرد واستخدام مخزونها من الصواريخ في الحرب. وبكل تأكيد أن إسرائيل ستوظف العمل العسكري ضد إيران وسوريا من أجل إضعاف الأطراف العربية المناوئة للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وتحديداً حركات المقاومة الفلسطينية وخصوصاً حركة حماس، ومراكمة الردع في مواجهتها. وترى تل ابيب أن انجاز هذا الهدف يمهد الطريق أمامها للتوصل الى تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تضمن تحقيق مصالحها الإستراتيجية، بعد اضعاف قوى الممانعة العربية والفلسطينية.

وأن كانت إسرائيل تقوم بدورها في الإستعدادات لضرب إيران، فأن أمريكا تقوم على طريقتها الخاصة بهذه الإستعدادات. الحملة العسكرية التي يشنها الجيش الأمريكي والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة المالكي ضد التيار الصدري في جميع أرجاء العراق تأتي ضمن هذه الإستعدادات. هناك إفتراض أمريكي يقول أن إيران ستوظف علاقتها مع التيار الصدري في تنفيذ عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق كرد على استهداف المنشآت النووية الإيرانية، وبالتالي يتوجب قصم ظهر البنية العسكرية لهذا التيار بأسرع وقت ممكن.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر