موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا تحارب مصر غزة ؟

مظاهر التوتر في العلاقة بين حركة حماس والنظام المصري أصبحت أوضح من كل المحاولات لإخفائها، وتجاهل أبعادها وتداعياتها. صحيح أن هذه العلاقة لم تكن يوماً على النحو الذي من المفترض أن تكون عليه العلاقة بين حركة مقاومة فلسطينية والنظام الحاكم في الدولة الأكبر والأكثر أهمية في العالم العربي، لكن التدهور الحاصل في هذه العلاقة بات ينذر بعواقب وخيمة قد يدفع ثمنها الجانبان. وتمثلت مظاهر التوتر في الإعتقالات التي شنتها الأجهزة الأمنية المصرية ضد نشطاء حركة حماس الذين تواجدوا في سيناء بعد انهيار الحدود بين غزة ومصر، فضلاً عن تواتر الشهادات التي تؤكد تعرض المعتقلين ليس فقط لعمليات تعذيب وحشية لم تقدم عليها حتى سلطات الإحتلال، بل أن طابع الأسئلة التي وجهها محققو الأجهزة الأمنية المصرية للمعتقلين تثير الكثير من علامات الإستفهام، فأي مصلحة لمصر في محاولة الحصول على معلومات من المعتقلين حول مكان تواجد الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليت، وتحركات رئيس الوزراء الفلسطيني المقال اسماعيل هنية في ساعات الطوارئ والتوتر الأمني. كما أن الحملات الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الممولة من الدولة المصرية على حماس، والتي وصلت الى حد التشكيك في مجرد وجود حصار على قطاع غزة وتحيز الحكم المصري بشكل واضح لحركة فتح، وتحول القاهرة الى نقطة انطلاق لعمل مجموعات في " فتح " تتبع تيار محمد دحلان المرتبط بإسرائيل وأمريكا ضد حكومة حركة حماس. فقد دلت التحقيقات أن أجرتها الأجهزة الأمنية في غزة مع مجموعات حركة " فتح " التي تم القاء القبض عليها بتهمة التخطيط لإغتيال هنية وقادة حركة حماس أنها تلقت التعليمات من بعض قيادات " فتح " الهاربة والمقيمة حالياً في القاهرة.وعلى الرغم من أن حماس قد وضعت الأجهزة الأمنية المصرية في صورة هذه المخططات، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء لمواجهة هذه المجموعات. كما أن تحيز الحكم في مصر سياسياً لحركة " فتح " أصبح أوضح من أي وقت مضى، ففي الوقت الذي تتعمد فيه مصر حصر العلاقة مع حماس في الجانب الأمني من خلال إقامة قناة الإتصال معها من خلال جهاز المخابرات العامة برئاسة عمر سليمان، فأن اللقاءات مع مسؤولي حركة " فتح " تأخذ الطابع السياسي، حيث يحظى قادة " فتح " بإستقبال كل المستويات السياسية في القاهرة.

وفي الحقيقة أن هناك سببان جوهريان يكمنان وراء السلوك المصري تجاه حركة حماس، وهما:

1-  يتعامل النظام المصري مع حركة حماس كإمتداد لجماعة الأخوان المسلمين في مصر، وبالتالي فأن النظام غير معني بنجاح تجربة حكم حماس في غزة، ظناً منه أن هذا النجاح ستسفيد منه جماعة " الأخوان " في مصر وتوظفه في تحسين ظروف عملها السياسي. وقد أبدى النظام أكبر درجات الحساسية إزاء لقاءات عرضية عقدها بعض وزراء حكومة هنية ونواب حماس في المجلس التشريعي مع بعض قادة " الإخوان " أثناء زياراتهم المتكررة للقاهرة، وهو ما ردت عليه القاهرة بفرض قيود مشددة ومهينة على تحركات قيادات حركة حماس عبر الحدود المصرية. التوتر الداخلي في مصر في اعقاب إضراب العمال وغيرها من مظاهر احتجاجية لم يدفع النظام في القاهرة، إلا لمزيد من الحساسية في التعامل مع حماس. وللأسف الشديد أن ما أدركه نظام الحكم في سوريا الذي يناصب جماعة الأخوان العداء الشديد لم يدركه النظام في مصر، حيث أن دمشق أقامت علاقات وثيقة مع حماس، لأنها وعت أن حماس تتعامل كحركة تحرر وطني وليس كمجرد إحدى امتدادات الإخوان، وبالتالي فهي تقيم تحالفاتها السياسية بناء على مدى خدمتها لهدف التحرر الوطني الفلسطيني وليس على أساس اعتبارات الجماعة الأم.

2-   إنطلاق النظام المصري من افتراض مفاده أن حركة حماس جزء من المحور الإيراني في المنطقة. وقد وجد هذا الفهم المصري تعبيره في التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس مبارك والتي قال فيها أن إيران تتمركز على الحدود الشمالية لمصر. قد يكون الرئيس مبارك في قرارة نفسه غير مقتنع بما قاله، على اعتبار أن إحدى محاولات الأنظمة العربية في إقناع الإدارة الأمريكية بدورها الوظيفي يتمثل في إبراز عدائها لإيران، لكن هذا المنحى غير موضوعي وغير منصف. وعلى كل الأحوال، فأن معاقبة حماس على علاقتها بإيران قمة الإجحاف. فليس من حق حماس، بل من واجبها محاولة تعزيز علاقتها مع أكبر عدد من القوى الاقليمية العربية والإسلامية والعالمية بما يساعدها على استكمال مشروع التحرير. وليس من المعقول أن تصمت مصر على الحصار الظالم الذي يفترس الحياة في غزة، وتوصد أبوابها أمام حماس، وفي نفس الوقت تلوم حماس على إقامة علاقات مع إيران. وأن كان هناك لا مجال للمقارنة، فأنه من حق حماس إقامة علاقات مع إيران كما ترى بعض الدول العربية أن من حقها إقامة علاقات مع واشنطن وتل ابيب، اللتان على خلاف على عدائهما للمصالح العربية.

قصارى القول أن أي نظام حكم عربي ينطلق من افتراض مفاده أن من مصلحته الدفع نحو إفشال تجربة حماس في غزة، وأنه قادر عل ذلك، مخطئ بكل تأكيد. فمن الواضح أن سنين طويلة ستمضي وحركة حماس تواصل الحكم في غزة، لأن الأطراف الفلسطينية التي تروق للأنظمة العربية فقدت ثقة الشعب الفلسطيني ولن يسمح الشعب الفلسطيني بعودتها للحكم.

بكل تأكيد أن بقاء العلاقة بين مصر وحماس على طابعها الحالي لن يتضرر منه الشعب الفلسطنيي وحماس، بل مصر أيضاً. هناك العديد من الدلائل على حرص حماس على الأمن القومي المصري،وابدائها حساسية بالغة من أجل عدم اغضاب النظام في القاهرة، لكن حشر حماس في الزاوية من خلال التواطؤ في فرض الحصار تارة، وتارة من خلال التعاون مع خصومها السياسين قد يؤدي الى نتائج سلبية ليس بالضرورة أن ينحصر تأثيرها على غزة وحدها.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر