موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا يتطرف الإسرائيليون ؟

مظاهر التطرف التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي أصبحت بادية للعيان، والميل نحو أفكار اليمين العلماني واليمين الديني، أصبح العامل الأكثر تأثيراً على توجهات الأحزاب والنخب السياسية في الدولة التي تحاول توظيف ذلك من أجل تعزيز قوتها السياسية عبر التماهي مع هذه الميل بإضفاء مزيد من التشدد على مواقفها تجاه قضايا الصراع المختلفة. وقبل التعرض لأسباب الإنزياح نحو اليمين، فأننا نود الوقوف على مظاهر التطرف التي تكتسح المجتمع الإسرائيلي. فقبل احتفال إسرائيل بالذكرى الستين للإعلان عنها، نشرت صحيفة " هآرتس " نتائج عدة استطلاعات للرأي العام تظهر بوضوح الإنزياح نحو اليمين المتطرف في وسط المجتمع الإسرائيلي. فحسب هذه الاستطلاعات فأن 95% من الإسرائيليين يؤيدون الإحتفاظ بالتجمعات الإستيطانية في الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية في أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، في حين أن 53% يرفضون أي انسحاب من الضفة الغربية، 69% يرون أنه لا يمكن التوصل لتسوية سياسية للصراع، ويؤكد 84% أن أبو مازن أضعف من أن يكون قادراً على قيادة الفلسطينيين لإتفاق تسوية سياسية مع إسرائيل. و71% يؤمنون أن كل ما يعني الفلسطينيين هو العمل على تصفية اسرائيل وطرد اليهود.و59% منهم يرفضون الإفراج عن أسرى فلسطينيين حتى لو كان ذلك من تقوية مكانة أجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يوصف بأنه " رمز الإعتدال "، في حين أن 71% يعارضون فكرة اطلاق سراح مروان البرغوثي القيادي في حركة " فتح "، حتى لو كانت هذه الخطوة من أجل التصدي لحركة حماس.ويرى 69% من الإسرائيليين أنه يتوجب شن حملة برية عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة من أجل وقف اطلاق الصواريخ، مع العلم أن الذين يتحمسون لمثل هذه الحملة ينتمون الى كافة الأحزاب الإسرائيليين، حيث أن 67% من ناخبي حركة " ميريتس "، التي تمثل اقصى اليسار الصهيوني، و64% من ناخبي حزب العمل يؤيدون شن هذه الحملة.

 

نزع الشرعية عن فلسطيني 48

 

ومن مظاهر التطرف التي تميز المجتمع الإسرائيلي هو الجهود الهائلة التي تبذل لنزع الشرعية عن فلسطينيي 48، والذين هم وبخلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة تعتبرهم اسرائيل – من ناحية نظرية - مواطنين متساوو الحقوق فيها. لكن المفارقة أنه حسب استطلاعات الرأي التي أجريت يتبين أن 73% من اليهود يؤيدون حرمان فلسطينيي 48 من حقوقهم السياسية ومنعهم من المشاركة في الانتخابات التشريعية والمحلية، في حين أن أكثر من 40% يؤيدون طردهم. 83% من اليهود قالوا أنهم لا يثقون بفلسطينيي 48، في حين أن 75% من اليهود يرفضون السماح لفلسطينيي 48 بالسكن في التجمعات السكانية اليهودية، رؤساء المجالس المحلية اليهودية ومن أجل استمالة الناخبين في مدنهم وبلداتهم أصدروا قرارات واضحة بمنع بيع الشقق السكنية لعرب، وعدم السماح لهم بالبناء في مناطقهم.

محاولات نزع الشرعية عن فلسطينيي 48 تتواصل مع الوقت، فالنخب السياسية تلعب دوراً كبيراً في دفع الجمهور اليهودي لتبني هذه المواقف. فنواب اليمين، يقودون الخط المتطرف ضد فلسطينيي 48، فالنائب يحئيل حزان من حزب الليكود وصفهم بأنهم مجرد " ديدان ". في حين تجندت المرجعيات الروحية اليهودية في المعركة ضدهم، فقد اعتبر الحاخام مرخاي الياهو، زعيم التيار الديني الصهيوني، والحاخام الأكبر لإسرائيل سابقاً أن يهودياً واحداً يساوي ألف عربي. نواب اليمين يطالبون بشكل واضح وجلي بطرد النواب العرب من الكنيست وحظر مشاركة الأحزاب العربية في الكنيست، ونجحوا في سن عدد من القوانين التي تسعى الى عزل فلسطينيي 48 عن محيطهم العربي، حيث تم سن قانون يحظر على النواب العرب زيارة دول في حالة عداء مع إسرائيل، وذلك لمنع هؤلاء النواب من زيارة لبنان وسوريا على وجه الخصوص، وقانون يعاقب كل من يبدي التعاطف مع منظمات " الارهاب "، يقصدون حركات المقاومة. ومن مظاهر نزع الشرعية عن فلسطينيي 48 هو اضفاء صبغة عنصرية على القوانين المتعلقة بهم، بحيث أن القانون اصبح يميز بشكل واضح بين اليهودي وبين الفلسطيني الذي يعتبر حسب الدولة من مواطنيها. فقد اصدر الصندوق القومي الاسرائيلي الذي يسيطر على معظم أراضي الدولة قراراً يحظر فيه بيع  فلسطينيي 48 اراضي ليقيموا عليها منازلهم. المفكر الإسرائيلي بي ميخائيل اعتبر أن القوانين في اسرائيل يتم تفصيلها حسب مقاسات خاصة باليهود والعرب. ومن المظاهر التي تعكس التطرف تجاه فلسطيني 48 هو تحمس كل الأحزاب الإسرائيلية بغض النظر عن توجهاتها  للتسويات التي تدعو للتخلص من فلسطينيي 48 وتحويلهم للعيش تحت ظل الدولة الفلسطينية، وتحديداً التحمس لفكرة تبادل الأراضي التي تهدف الى مقايضة التجمعات الإستيطانية في الضفة الغربية بالمدن والقرى والبلدات الفلسطينية داخل اسرائيل، بحيث يتم ضم التجمعات الاستيطانية لاسرائيل، مقابل ضم المدن العربية للدولة الفلسطينية العتيدة.

 

عقيدة " أبدية الصراع "

 

علماء الاجتماع السياسي في اسرائيل، أشاروا للعديد من الأسباب التي تفسر انزياح المجتمع الإسرائيلي نحول التطرف على هذا النحو الكبير، وتبنيه مواقف متشددة. أحد أهم هذه الأسباب هو ما أشار اليه المفكر والكاتب عوزي بنزيمان، الذي قال أن أحد أهم أسباب انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف هو تقبل المجتمع الإسرائيلي لعقيدة " أبدية الصراع " وتشرب الإسرائيليين للفكرة القائلة أن الصراع مع العرب ابدي ومحتوم. ويضيف بنزيمان وفقاً لهذه العقيدة، فأنه ليس هناك احتمالية للتوصل الى تسوية مع الفلسطينيين لأن كراهيتهم لاسرائيل بلا حدود. ووفق هذه العقيدة، فأنه في حال انسحبت اسرائيل من الضفة الغربية سيهاجمها الفلسطينيون من قلقيلية ونابلس. وإن ساهمت في اقامة الدولة الفلسطينية فسيثور ضدها  فلسطينيو 48، حيث سيطالبوا بالتخلي عن الطابع اليهودي للدولة. وأشار بنزيمان الى أن استمرار عمليات اطلاق الصواريخ بعد تنفيذ خطة " فك الارتباط " في القطاع ساهم فقط في تعزيز الخوف الاساسي من ان "العرب" لا يُسلمون تماماً بوجود الدولة، وانه لو سنحت امامهم فرصة للتخلص منها او إبادتها – لانتهزوها بكل سرور، معتبراً أن هذا شعور أساسي، وعلى أساسه تتبلور نظرة اغلبية الجمهور اليهودي بما فيه المحسوب على اليسار، للصراع.

 

رواج نظرية " انعدام الشريك "

 

والذي عزز عقيدة " أبدية الصراع "، هو تشرب المجتمع الإسرائيلي لنظرية " انعدام الشريك " في الجانب الفلسطيني، كما يقول الدكتور دانيل دور، المحاضر في جامعة " بن غوريون " في النقب. ويشير دور الى أن نقطة التحول التي قادت الى سيادة هذه النظرية هو فشل مؤتمر " كامب ديفيد " في أواخر العام 1999، والذي جمع كلاً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق ايهود براك، واندلاع انتفاضة الأقصى في أعقاب ذلك. براك توجه للإسرائيليين قائلاُ أنه قد اقترح على عرفات أكبر ما يمكن أن يعرضه زعيم إسرائيلي لحل الصراع، لكن عرفات رد على عروضه السخية بشن العمليات الإرهابية التي عبر عنها اندلاع الإنتفاضة المدروس والممنهج. براك خلص الى القول أن هذا يدلل على أنه لم يعد لإسرائيل شريك للتسوية في الجانب الفلسطيني، وأن القيادة الفلسطينية ترفض عروض التسوية لأن لها رغبة في تدمير إسرائيل، والقضاء عليها. تفسير براك تلقفته وتبنته النخب المثقفة ذات التوجهات اليسارية والتي تسيطر على وسائل الإعلام، والتي تضم بشكل خاص معظم الصحافيين والمعلقين وكبار كتاب الأعمدة والمستشرقين والباحثين الذين يشاهدهم الإسرائيليون على شاشات التلفزة ويقرأون ما يكتبون في الصحف. بعض كبار الكتاب من الذين كانوا يعتبرون منظرين لفكرة التسوية ومن قادة حركة " السلام الآن "، انقلبوا على اعقابهم واصبحوا ينادون باعتماد الحلول القمعية كوسيلة لحل الصراع. أحد الأمثلة الصارخة على ذلك، يولي تامير، التي كانت مدير عام حركة " السلام الآن "، والتي تتبوأ حالياً منصب وزير التعليم في حكومة براك، وهناك العديد من قادة الفكر، مثل المفكر يارون لندن الذي كان أحد منظري اليسار الصهيوني، وهو الآن لا يفوت فرصة دون أن يستغلها للدعوة لإرتكاب " فظائع " في غزة لمنع إطلاق القذائف الصاروخية محلية الصنع على المستوطنات. المجتمع سار في أثر النخب الفكرية وتبنى هذه الأفكار.

تطرف الروس

على الرغم من أن المهاجرين الروس الذين يشكلون حوالي خمس تعداد السكان في الدولة اتجهوا نحو الإنعزال عن بقية المركبات الإثنية في المجتمع الإسرائيلي، إلا أنهم في الوقت ذاته تبنوا مواقف بالغة التطرف من الصراع على الرغم من أن أغلبيتهم الساحقة من غير المتدينين. البرفسور سامي ساموحا، رئيس قسم علم الاجتماع السياسي في جامعة حيفا يفسر ذلك قائلاً أن الروس والمهاجرين في صراعهم ضد المركبات الإثنية الأخرى أخذا يتشبون بكل ما يميزهم، سواء على صعيد تبني المواقف المتطرفة من الصراع، والتوجه للخدمة في الوحدات العسكرية المختارة. من هنا نجد أن وسائل الإعلام الناطقة باللغة الروسية تنضح تحريضاً على العرب.

 

تداعيات

مما لا شك فيه أن انزياح المجتمع الاسرائيلي نحو التطرف على هذا النحو يؤذن بتطورات يؤثر بعضها في بعض، وهي على النحو الآتي:

1-  سيساهم هذا الإنزياح في سيطرة اليمين واليمين المتطرف بشقيه الديني والعلماني على مقاليد الأمور في الدولة. فحسب استطلاعات الرأي العام، فأنه في حال أجريت الإنتخابات في الوقت الحالي، فأن اليمين واليمين المتطرف سيسيطر على الأغلبية الساحقة من مقاعد الكنيست، بما يؤهل اليمين لتشكيل حكومة حتى بدون التحالف من قوى الوسط.

2-  سيطرة اليمين واليمين المتطرف يعني توفير ظروف أفضل لتعاظم المشروع الإستيطاني وعمليات التهويد في الضفة الغربية والقدس.

3-  وفق وجهات نظر اليمين المعروفة، فأنه لن يكون هناك مجال للحديث عن تسويات سياسية، الى جانب تصعيد العمل العسكري القمعي ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

4-  سيؤدي صعود اليمين والسياسات التي ينتهجها الى احراج القيادة الفلسطينية، وهناك أساس للاعتقاد ان ذلك سيؤدي الى غياب القيادات المرتبطة بمشاريع التسوية، وتحديداً الرئيس محمود عباس، وقد يؤدي ذلك الى التمهيد الى انهاء حالة الإنقسام الداخلي.

5-  إسرائيل تحت حكم اليمين ستكون أكثر استعداداً لتجريب الحلول العسكرية في مواجهة دول الأقليم سيما ايران وسوريا وحزب الله.

6-     وجود اليمين سيقلص الى حد كبير من توجه الدول العربية للتطبيع والتواصل مع القيادة الإسرائيلية الجديدة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر