موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عباس زكور: مشروع أسرلة فلسطينيي 48 فشل

في الوقت الذي تحتفل فيه إسرائيل بمرور ستين عاماً على إقامتها، فأن النخب الحاكمة فيها تضع العلاقة مع فلسطينيي 48 على رأس التحديات التي تواجه هذا الكيان، بوصفهم " تهديد وجودي "، كما قرر ذلك التقرير الإستراتيجي السنوي الذي قدمته الاستخبارات الإسرائيلية في نهاية العام 2007. في المقابل، فأن كل الدلائل تؤكد أن رهانات الحركة الصهيونية على " أسرلة " وعي فلسطينيي 48، قد تهاوت، حيث أنهم يزدادون تمسكاً بهويتهم الوطنية والقومية والدينية. صالح النعامي إلتقى عباس زكور النائب في الكنيست الإسرائيلي عن الحركة الإسلامية، وطرحت عليه عدد من الأسئلة حول مستقبل فلسطينيي 48، وعلاقتهم بالكيان، وتأثير الصراع على هذه العلاقة. وهذه نص المقابلة:

س1 ما مصدرالتوجهات العنصرية المتأججة في أوساط الجمهور اليهودي تجاه فلسطينيي 48، كما تعكسها استطلاعات الرأي العام ؟ وما تأثيرها على مستقبل العلاقة بين إسرائيل و فلسطينيي 48؟

مصدر هذه التوجهات العنصرية لدى عامة الجمهور اليهودي هو القيادة اليهودية التي تدرك أن شعبيتها تزداد على الجمهور اليهودي كلما تطرفت أكثر وكلما هاجمت أكثر المواطنين العرب في الدولة بشكل خاص، وقياداتهم الوطنية، وقد بتنا نصبح على تصريح عنصري لأحد أعضاء الكنيست أو الوزراء اليهود، ونمسي على تصريح آخر أكثر عنصرية ينافس التصريح الأول. كما بتنا نرى داخل أروقة الكنيست ازدياد عدد مشاريع القوانين والقوانين التي تسن على خلفية عنصرية لمحاربة الانتماء والهوية العربية والفلسطينية للأقلية داخل الدولة، ولدعوات عديدة لإخراجنا عن القانون وسحب مواطنتنا وطردنا من أرضنا، وهناك أحزاب صهيونية مبنية بالأصل على هذه الأفكار. وبالإجمال، فإن الغالبية العظمى من المواطنين اليهود يطمعون بدولة يهودية "طاهرة" من العرب، ووجودنا نحن المواطنين العرب في الدولة يحد من هذه الحلم الصهيوني، بل إننا ورغم مرور 60 عاما على أقامة دولة إسرائيل لا زلنا متشبثين بانتمائنا العربي الفلسطيني والإسلامي، ولعل هذا أكثر ما يزعج المؤسسة الإسرائيلية، خاصة عندما نتحدث عن المدن المختلطة مثل عكا التي أسكن فيها، وحيفا، ويافا، واللد والرملة، حيث لا يزال المواطنون العرب متمسكين بكل حضارتهم الفلسطينية وبمظاهرهم الدينية، حيث ترى الاخوات في وسط مدينة عكا يمشين وهن يرتدين الحجاب الذي هو أحد أبرز صور الانتماء والصمود.

س 2 بعض النخب والجمعيات التي تمثل فلسطينيي 48 اقترحت حكم ذاتي ثقافي لفلسطينيي 48، هل هذه الدعوات منطقية ؟، ولماذا ؟

 

الحديث عن الحكم الذاتي من قبل بعض الأحزاب أو النخب أو الجمعيات في الداخل هو حديث منطقي لو توفرت الإمكانيات والوسائل لذلك. فاعتمادنا كأقلية عربية في الداخل بشكل شبه كامل، وارتباط اقتصادنا وارتكازنا على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى المؤسسات والميزانيات الإسرائيلية في معظم نواحي الحياة الأساسية، يقلل من فرص هذا التوجه. ويمكننا أن ندلل على ذلك بما يجري في الأراضي الفلسطينية ضمن حدود ما يعرف بـ 67 ، سواء في الضفة أم في قطاع غزة، حيث يظهر للجميع عدم تطور هذه المناطق الفلسطينية وصعوبة التعاطي مع واقع أليم تم فيه تكريس ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي حتى في المرافق الحاتية الأساسية مثل الكهرباء والوقود والماء والمعابر. فهل سنستطيع نحن الأقلية العربية الذين نعيش في قلب إسرائيل وفي تجمعات ليست على امتداد جغرافي متواصل بل في قرى وبلدات متفرقة ومتباعدة، أن نقوم بأعباء الحكم الذاتي في ظل عدم وجود أي عامل من عوامل النجاح لهكذا حكم!!. يجب أن نتعامل مع الواقع بواقعية جدية وأن نتواضع أحيانا للظروف التي نحياها والتي تحيط بنا. أما الحديث عن استقلال في برامج التعليم والدعوات لمحاولة بناء مؤسسات اقتصادية عربية لمحاولة الوصول إلى اكتفاء اقتصادي عربي، ولو بدرجات متفاوتة، فهي دعوات شرعية نحن نؤيدها بل نحن أبرز من يدعو إليها، لأن قوتنا الاقتصادية هي قوة لثباتنا وصمودنا في هذه الأرض.

 

س3 الكثير من الأوساط اليهودية لا ترى فيكم إلا مجرد ثقل ديموغرافي يهدد الأغلبية اليهودية، وهناك من يدعو لطردكم من ارض فلسطين كما فعل ايفي ايتام، كيف ترى ذلك؟

 

إذا اعتبرتنا إسرائيل عبئا وثقلا ديمغرافيا، فهي التي جعلت منا كذلك باحتلالها لأراضينا ومصادرتها لخيراتنا، وبسبب تكريسها لسياسة التمييز العنصري ضدنا. نحن لم نضرب أحدا من القادة الإسرائيليين على يديه عام 1948 من أجل أن يحتل أراضينا. نحن السكان الأصليون لهذه الأرض، وهم الطارئون الأغيار. نعم، إسرائيل ترى فينا خطراً على جميع المستويات، ديمغرافيا وسياسيا واقتصاديا، بل على مستوى وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية "خالصة" للشعب اليهودي. ومن هذا المنطلق، كل يوم نسمع دعوات يهودية جديدة لطردنا من أرضنا وتهجرينا من بلداتنا، خاصة من المدن المختلطة عكا ويافا وحيفا واللد والرملة، وآخر هذه الدعوات كان قبل نحو أسبوع في أحد المؤتمرات التي عقدت في مدينة الرملة لبحث "خطر الزحف العربي على المدن المختلطة والمدن اليهودية"!! والتي صرح فيها العديد من القيادات اليهودية من أعضاء كنيست ورجال دين ورؤساء وأعضاء بلديات بالدعوات الصريحة لتشجيع العرب على الهجرة من المدن المختلطة بشكل خاص ومن الدولة بشكل عام، والدعوة لفرض المقاطعة الاقتصادية عليهم كأحدى الوسائل لتحقيق هذا الحلم العنصري.

 

س4  تم سن بعض القوانين ذات الطابع العنصري في التعاطي مع فلسطينيي 48، مثل قانون حظر بيع العرب أي مساحة من اراضي الدولة، وما هي تداعيات ذلك ؟ وكيف يمكن مواجهة هذا الامر؟

 

كثيرا من القوانين التي سنت قديما في إسرائيل، ولا تزال تسن، هدفها هو محاولة الحد من "خطر المواطنين العرب على الدولة". فمنع بيع أراضي الدولة للمواطنين العرب، هو واحد من هذه القوانين التي تسعى للحد من توسع البلدات العربية بعد أن صودرت هذه الأراضي التي كانت بالأصل للمواطنين العرب. كما أن قانون منع لم الشمل الذي سن حديثا هو أيضا محاولة لوضع حد لازدياد عدد المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل بزواجهم من اخوانهم في مناطق الـ 67 وفي الدول العربية. وهذا الأسبوع أيضا تم تجديد العمل بقانون أنظمة الطوارئ الذي يسري في إسرائيل منذ قيامها قبل 60 عاما رغم عنصرية هذا القانون وتناقضه مع حقوق المواطن الأساسية.

 

س5 الكثير من الأوساط الحكومية والأمنية والسياسية في اسرائيل تتهم القيادات العربية في اسرائيل بأنها هي التي تقود الخط المتطرف للجمهور الفلسطيني، وهناك من الساسة في اسرائيل من يدعو لحرمان الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم السياسية، ما هي الأهداف من وراء هذه الاتهامات، وتسويغ هذه الأفكار؟

 

الهدف هو تعميق أزمة الثقة بين  القيادة العربية وبين الجماهير العربية في إسرائيل، لكي يسهل على المؤسسة الإسرائيلية تمرير برامجها وخططها ضد الوسط العربي في ظل انسلاخ وتشرذم الأقلية العربية. وهكذا بتنا نسمع كثيرا أعضاء كنيست يهود ووزراء يهود وبعض العرب المأجورين للأحزاب الصهيونية يعزفون على هذا اللحن ويتوجهون للمواطنين العرب بسؤال خبيث هو: ماذا يقدم لكم أعضاء الكنيست العرب؟ ونسي هؤلاء الوزراء أن الذي يجب أن يجيب عن هذا السؤال هو الوزراء والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي كرست وتكرس التمييز ضد الوسط العربي ومنعت عنه الميزانيات، وهي التي لا تستجيب لجميع التوجهات والطلبات التي لا تحصى ولا تعد للقيادات العربية بضرورة إنهاء كل مظاهر التمييز.

س6 هناك من يعتبر تبنيكم لقضايا الفلسطينيين في الضفة الغربية الانسانية دليل على أنكم " شركاء للإرهاب "، ما الغرض من ذلك، وكيف ترون مستقبل العلاقة مع ابناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والشتات؟

 

إن مرور 60 عاما على النكبة وعلى الاحتلال لم يستطع ولن يستطيع أن يخرج من عقولنا أننا جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية. وعندما نقوم بواجبنا عبر حملات الإغاثة وكفالات الأيتام في الضفة والقطاع من خلال جمعيات ولجان الإغاثة فإن ذلك لا يروق لإسرائيل ولا لقياداتها، رغم أن هذه الأعمال هي أعمال إنسانية من الدرجة الأولى. ونحن نؤكد أنه مهما حدث في المنطقة فإن أحدا لن يستطيع أن ينزع منا انتماءنا للشعب الفلسطيني ولا لعالمنا العربي والإسلامي، ولأنه انتماء يعيش داخل وجداننا وقلوبنا، وليس لأحد من العالمين سلطان على قلوبنا.

 

س7 هل بالإمكان تطبيق فكرة تبادل الأراضي، ومقايضة التجمعات الاستيطانية بالمناطق التي يقطن فيها فلسطينيو 48، ما هي مسوغات مثل هذا الطرح الذي عبرت عنه الكثير من المستويات الرسمية الاسرائيلية ومنها، وزيرة الخارجية تسيفي ليفني ؟

 

الحديث هنا عن محاولة خبيثة من الجانب الإسرائيلي للإبقاء على المستوطنات الإسرائيلي المقامة في الضفة الغربية ضمن حدود دولة إسرائيل ضمن أية اتفاقية قد تبرم مع الجانب الفلسطيني، ومقايضة ذلك بتبادل سكاني بين هذه المستوطنات وبين مدن عربية داخل حدود 48 وقريبة من الضفة، وخاصة في منطقة وادي عارة وعلى رأسها مدينة أم الفحم. وبهذه الطريقة تكون إسرائيل قد كسبت أراض داخل الضفة ووجود يهودي لها في هذه المناطق، وبالمقابل تتخلص من كتلة بشرية عربية تشكل خطرا ديمغرافيا عليها في الداخل. هذه الدعوات مرفوضة جملة وتفصيلا على الأقلية العربية في الداخل، خاصة حين يتم مقارنتا بالمستوطنين، فنحن سكان الوطن الأصلين، أصحاب هذه الأرض، بينما المستوطنين هم الذين استعمروا واحتلوا هذه البلدات دون أي وجه حق، ولذلك فنحن نرفض رفضا قاطعا هذه المقارنة، وندعو الجانب الفلسطيني في أية مفاوضات في مثل هذه القضايا إلى رفض كل مقترح في هذا الاتجاه ونحذر من ان تنطلي عليهم هذه الأساليب المعوجة.

 

 

س8 إسرائيل سعت منذ البداية الى " أسرلة " الوعي الجمعي لفلسطينيي 48، هل نجحت في ذلك؟

 

أنا أفتخر أن أتحدث عن مدينة عكا التي أعيش فيها لأدلل على فشل هذه المحاولات الإسرائيلية لـ "أسرلة" المجتمع العربي الفلسطيني، فرغم مرور 60 عاما على قيام دولة إسرائيل وجلب اليهود إلى عكا بحيث أصبحوا أكثرية ونحن أقلية، إلا أننا وبحمد الله لا نزال نتمسك بعروبتنا وفلسطينيتنا وإسلامنا، نصلي في مساجد عكا القديمة حيث يرتفع الأذان خمس مرات في اليوم، ونساؤنا ترتدين الحجاب وسط مدينة عكا، بل نفتخر أنه من أصل حوالي 3500 صاحب حق اقتراع في عكا القديمة العربية في انتخابات الكنيست الأخيرة فقط 15 صوتا ذهبت للأحزاب الصهيونية رغم كل الوسائل والإغراءات التي تبذلها هذه الأحزاب في ظل ظروف اقتصادية صعبة للمواطنين في عكا. وهذا يدل على عمق الانتماء الوطني للمواطنين العرب



س9 كيف ترى مستقبل فلسطيني 48، في ظل احتمالي التسوية، أو الحرب ؟

 

للأسف، وحتى اليوم، لا يوجد خطة أو رؤية استراتيجية متفق عليها لدى الأقلية العربية حول التصور المستقبلي لنا في دولة إسرائيل. وفي نفس الوقت نحن نعيش بين المطرقة والسندان، بين مطرقة الحكومات الإسرائيلية التي لا تريد أن تعطينا حقوقنا المدنية مساواة مع المواطنين اليهود، وبين سندان العالم العربي والإسلامي الذي أخرجنا من حساباته ونسينا. ولذلك فنحن نعيش ظروفا صعبة جدا، خاصة في حالة الحرب، حيث ندفع غاليا ضريبة انتمائنا لأمتنا العربية والإسلامية حيث تنهال علينا اتهامات العمالة والخيانة والطابور الخامس من قبل المؤسسة الإسرائيلية. وبالمقابل فإننا قلقون من مصيرنا بعد حصول تسوية سلمية في المنطقة- إذا ما حصلت- حيث الاعتقاد الجازم لدى غالبية المواطنين العرب في الداخل أن إسرائيل بكل مؤسساتها ستتفرغ بعد التسوية لنا نحن المواطنين العرب في داخلها، وستكرس كل سياساتها وأساليبها وقوانينها العنصرية للنيل منا، وستزداد الدعوات لطردنا وتهجيرنا من أرضنا. لذلك نحن مؤمنون أننا مرابطون على هذه الأرض إلى يوم القيامة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر