موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا يتوقع المفكرون الصهاينة نهاية دولتهم !!!

عشية احتفال إسرائيل بالذكرى الستين لإقامتها، زخر النتاج الفكري الإسرائيلي بالكثير من التنبؤات التشاؤمية إزاء مستقبل هذا الكيان، وأصبح المزيد من الساسة والمفكرين الصهاينة يعبرون بصراحة عن قناعتهم بأن هذه الكيان الى زوال. ولأن هذا النتاج وتلك التنبؤات أصبحت ظاهرة، فقد أطلقت عليها الصحافة الإسرائيلية " رؤى آخر الزمان "، والتي تكتسب أهمية ليس فقط بسبب ما تشكله من نسف لمظاهر الثقة التي يحرص قادة إسرائيل على التعبير عنها في مناسبة وبدون مناسبة، بل لأن أصحاب هذه الرؤى هم إما من أولئك الذين كان لهم دور بارز في عملية  صنع القرار، أو أنهم من المفكرين الذين ارتبطوا طويلاً بالمؤسسة الحاكمة، وليسوا مجرد نخب تعبر عن الهوامش الفكرية في المجتمع. وعلى الرغم من أن هؤلاء الساسة والمفكرين يصلون الى ذات الإستنتاج، إلا أنهم يستندون الى مسوغات شتى لدعم رؤاهم.

 

تهديدات خارجية وداخلية

 

البرفسور أمنون روبنشطاين، الذي شغل في الماضي منصبي وزير العدل والتعليم في حكومتي رابين وبراك، والذي تفرغ للكتابة حول مستقبل الدولة، بالإضافة الى عمله كمحاضر للقانون في جامعة تل أبيب، يرى أن إسرائيل لا يمكنها البقاء مطلقاً بسبب نوعين من التهديد،خارجي يمثله فشل إسرائيل في ردع العرب عن مواصلة تهديدها والتربص بها، والتهديد الداخلي المتمثل في الفساد وتآكل ما يسميه " منظومة القيم الصهيونية " التي استند إليها الصهاينة في إقامة كيانهم. وفي مقابلة أجرته معه صحيفة " هآرتس "، يقول روبنشطاين أنه على الرغم من أن انتصارات إسرائيل في حروبها الكبيرة مع الدول العربية، إلا أن هذه الإنتصارات فشلت في اجتثاث الرغبة العربية في محاربة إسرائيل. ويرى أن أكثر ما يجعل الأمور أكثر تعقيداً في وجه إسرائيل هو " أسلمة " الصراع، واتخاذه بعداً دينياً، الأمر الذي لا يزيد فقط رقعة العداء لإسرائيل، بل يجعله أكثر تصميماً. ويعتبر روبنشطاين أنه من الحمق الإنطلاق من إفتراض مفاده أن الأنظمة العربية الحالية ستبقى للأبد، مؤكداً أن إسرائيل قد تستيقظ في يومٍ ما وقد احيطت بأنظمة حكم ذات توجه إسلامي، لا ترفض وجود إسرائيل فحسب، بل تتجند من أجل ازالتها. ويسخر روبنشطاين من أولئك الذين يراهنون على التفوق الإسرائيلي في مجال التكنلوجيا الحربية، محذراً من أنه بإمكان العالم العربي تطوير مثل هذه التقنيات عندما تتوفر فيه الإرادة السياسية لذلك. في نفس الوقت، فأن روبنشطاين يرصد مظاهر تحلل منظومة " القيم الصهيونية "، مثل ميل الشباب الإسرائيلي لعدم التضحية من أجل الدولة والذي يعكسه تهاوي الدافعية في صفوفهم للتجند في صفوف الوحدات المقاتلة في الجيش، الأمر الذي جعل عبء العمل العسكري يقع في الواقع على كاهل نسبة قليلة من المجتمع.  ويتفق ايرز ايشل مدير مدرسة " اعداد القادة " في تل أبيب مع روبنشطاين في هذه النقطة، ويضيف أن أحد مصادر هدم منظومة القيم هذه تتمثل في حقيقة أن قادة الدولة لم يعودوا مثالاً يقتدى به الشباب الإسرائيلي. ويؤكد أنه في الوقت الذي يصرخ قادة الدولة مهددين بشن مزيد من الحروب، إلا أنهم يستثون أبنائهم من تحمل عبء هذه الحروب، مشيراً الى حقيقة أن ابني رئيس الوزراء الحالي ايهود اولمرت تهربا من الخدمة العسكرية بالسفر للخارج.

أيضا الجنرال شلومو غازيت الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية " أمان "  يرى أن رفض إسرائيل للتجاوب مع الرغبة العربية لحل الصراع يحمل في طياته دمار إسرائيل. ويشن غازيت انتقاداً حاداً على المستشرق الأمريكي  برنار لويس الذي دعا إسرائيل لعدم التفاوض مع العرب، معتبراً  أن تخليد الوضع القائم هو الذي سيؤدي الى تصفية اسرائيل. ولا يتردد غازيت بمطالبة قيادة الدولة بالموافقة حتى على هدنة طويلة المدى تتنازل مقابلها عن حدود العام 1967.

 

وجود بلا شرعية

 

ناحوم برنيع كبير المعلقين في صحيفة " يديعوت أحرنوت "، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشاراً، وهو الذي توقع فشل إسرائيل في حرب لبنان الثانية من أول يوم فيها، يقول أنه على رغم ان اسرائيل اليوم قوية من ناحية عسكرية وذات منعة إقتصادية، الا أن الناس فيها يفقدون الثقة بمستقبلها وبقدرتها على البقاء. ويروى برنيع حادثة طريفة حدثت مع الكاتب اليهودي الأمريكي غوردس، والتي تعكس انعدام الأمل ببقاء إسرائيل. ويقول أن غوردس ذهب الى طبيب قبل ساعات من اقلاعه الى لوس انجلوس، للحصول على وصفة دواء طلب أخذها قبل السفر بالجو، فسأله الطبيب:  "بماذا تعملُ؟". فرد غوردس: أنا كاتب.  فسأل الطبيب: ماذا تكتب ؟. قال:  حول مستقبل اسرائيل. فضحك الطبيب، وقال: آه "أفهم الان،  انت تكتب قصصاً قصيرة !!!. ويضيف برنيع "  إجابة الطبيب العفوية تعكس المزاج العام في اسرائيل، وهو مزاج الشعور بنهاية الزمان، مع أنه لا يتحدث عنه أحد لكن الجميع يشعرون به. انه نوع من اليأس، لا ينبع من الحرب التي كانت او من الحرب التي قد تأتي، بل من مصادر أعمق"، على حد تعبيره. ويعتبر برنيع أن مظاهر المنعة العسكرية والإقتصادية التي تتمتع بها اسرائيل مضللة. ويشير الى أنه على الرغم من أن إسرائيل ذات اقتصاد مستقر، وأسعار العقارات فيها تبلغ عنان السماء، وجيشها قوي، وجامعاتها ذات نوعية عالية، ومع ذلك فهي تعجز عن توفير الأمن لليهود الذين يعيشون فيها،وهي لا تعطيهم الحياة الطبيعية. ويؤكد برنيع أن اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي مجرد وجودها مثار جدل. ويفسر برنيع لماذا يشعر الإسرائيليون بالغيرة من الفلسطينيين، حيث يقول " الحركة الوطنية الفلسطينية أصغر سناً من الصهيونية بكثير. وعلى رغم ذلك لا يشك أحد في العالم في حق الفلسطينيين في دولة، في حين أن حق اليهود في دولة مثار ريبة وشك، مع أن التشكيك في هذه الحق لا ينحصر في العرب والمسلمين ".

 

الصهيونية تقتل إسرائيل

 

وعشية الاحتفالات، عاد رئيس الكنيست الاسبق ابراهام بورغ، نجل يوسيف بورغ، أحد مؤسسي الدولة، والذي أسس حزب " المفدال " الديني، الى ما جاء في كتابه الأخير " أن تنتصر على هتلر "، مؤكداً أن استلاب إسرائيل لخيار القوة كفيل بتدميرها. وشبه بورغ إسرائيل بقلعة تختنق بدروعها وتحصيناتها. ويؤكد بورغ أن المجتمع الإسرائيلي يفترسه الذعر. ويضيف "أرى مجتمعي يذوي أمام ناظري. أردت أن يدرك التيار المركزي أنه عندما ندع الجيش ينتصر، فإنه غير قادر على أن يعي ان القوة ليست هي الحل. ان الحديث عن محو غزة يدل على أننا لم نستوعب الدرس".  ويعتبر بورغ أن المجتمع الاسرائيلي هو مجتمع  " مذعور "، ويضيف " إننا معوقون نفسياً. إسرائيل تعاني صدمة نفسية مستديمة... صدمة النازية أفقدتنا توازننا. إننا نعيش بشعور ان كل العالم ينفر منا. التشدد يسيطر على هويتنا... إننا مجتمع يعيش على سيفه، وهذا الشعور ورثناه من المانيا، وكأن ما سلبوه منا خلال 12 عاماً يحتم أن يكون سيفنا كبيراً جداً... أليس جدار الفصل الذي نقيمه في الأراضي الفلسطينية خير دليل على انفصام الشخصية الذي نعانيه؟ ".وأضاف بورغ أن مظاهر الفاشية التي تميز إسرائيل خطر آخر يهدد مستقبل إسرائيل. ويضيف " اسرائيل دولة فاشية، بلطجية ومستقوية وقاسية وامبريالية وسطحية فاقدة لأصالة الروح ومنطوية على نفسها... الدعوات المتتالية إلى قتل الفلسطينيين وهدم منازلهم وترحيلهم والقتل وشرعنة سياسة الترحيل من خلال مشاركة أصحاب هذه السياسة في الائتلاف الحكومي، دليل على انتشار الفاشية". ويشدد بورغ على أن أحد مصادر الخطر على الدولة هو حقيقة أنها غير ديموقراطية، ساخراً من ادعاء الحركة الصهيونية بأن اسرائيل هي دولة يهودية وديموقراطية، معتبراً أنه لا يمكن الجمع بين اليهودية والديموقراطية.

 

 

مظاهر إنعدام الثقة

 

لا يكتفي المفكرون والكتاب الصهاينة في الحديث عن تنبؤاتهم الآخروية، بل يعددون المظاهر التي تدعم هذه التنبؤات. ابراهام تيروش سكرتير ثاني حكومة شكلها مناحيم بيغن يرى أن أوضح مظهر من مظاهر إنهيار الفكرة الصهيونية هو قرار الوكالة اليهودية بالتوقف عن محاولة اقناع اليهود في إرجاء العالم بالهجرة إلى إسرائيل، معتبراً أن هذا يدلل على فشل الحركة الصهيونية في المحافظة على قوة الدفع الخاصة بأفكارها التي تعتبر الهجرة اليهودية على رأسها. ويؤكد أنه بالنسبة لليهود في أرجاء العالم، فأنهم باتوا يرون مخاطر العيش في إسرائيل أكبر من مخاطر القوى اللاسامية في الشتات. ويشير تيروش الى مظاهر انفضاض اليهود عن إسرائيل، مستنداً الى نتائج دراسة اجريت في أوساط اليهود الأمريكيين دللت على أن 70% منهم لم يزوروا اسرائيل ولا يعتزمون زيارتها؛ 50 في المائة من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطا؛ 50 في المائة من الشباب اليهودي هناك لا يهمهم اذا كفت اسرائيل عن الوجود. وينوه تيروش الى حقيقة تفوق الهجرة العكسية من الكيان على الهجرة عليه، الأمر الذي رفع عدد الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج الى 750 الف.

ويقدم رئيس الكنيست السابق روفي ريفلين القيادي البارز في حزب الليكود مثالاً آخر على تغلغل اليأس في نفوس الإسرائيليين من مستقبل كيانهم، والذي يعبر عنه سعي أعداد متزايدة من الإسرائيليين للحصول على جوازات سفر أوروبية لإستخدامها في الفرار من الدولة عند الحاجة. ويؤكد ريفلين أن هذا السلوك لم يكن يصدر عن هؤلاء الإسرائيليية لولا الشعور المتأصل في نفوسهم بأن الدولة في طريقها للتفكك والزوال. ويحذر ريفلين من أن هذه الظاهرة تؤثر على مدى استعداد الإسرائيليين للتطوع للخدمة العسكرية والقتال والتضحية والمخاطرة من بالنفس من أجل سلامة الدولة، فضلاً عن أنها تؤثر سلباً على التضامن بين الإسرائيليين وبعضهم البعض. ويحزم ريفلين أن هذه الظاهرة ستؤدي إلى ظهور تباينات فكرية وإجتماعية وسياسية بين الإسرائيليين بعد أن بلغت الدولة الستين من عمرها بين الإسرائيليين الذين لا يمكنهم الحصول على جوازات سفر أجنبية ولا يعرفون أن لهم ملاذاً آخر، وبين أولئك الذين يعتقدون أن لديهم خيارات أخرى، مؤكداً أن هذه الظاهرة ستكون القوة التي ستنتج مظهراً آخر من مظاهر الشرخ الإجتماعي والطائفي والسياسي.

وهناك من يرى أن عزوف اليهود عن الهجرة لإسرائيل يرجع لكفرهم بالأساطير التي تأسست عليها اسرائيل. وفي مقال نشره في صحيفة " هارتس " الاسرائيلية "، قال يولي جولدشتاين من قادة الجالية اليهودية في كندا أن " الأساطير " التي كانت اسرائيل تحاول اقناع يهود العالم بها لم تعد تنطلي على احد سيما تصوير اسرائيل وكأنها " الحصن الأخير في مواجهة كل الذين يكنزون العداء لليهود "، على حد تعبيره. وأشار الى حقيقة كون 85% من اليهود في مدينة " مونتريال " التي تضم أكبر تجمع يهودي في كندا قد هاجروا أصلاً من إسرائيل. واضاف أن اسرائيل بذلت جهوداً كبيرة من أجل تهجير هؤلاء اليهود من الاتحاد السوفياتي سابقاً، لكنهم بعد أن عاشوا في اسرائيل قرروا تركها والتوجه لكندا، متسائلاً " هل هناك ثمة سبب للاعتقاد بأنهم سيفكرون الآن بالعودة إليها ".

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر