موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الإستقطاب..........كدليل على فشل المشروع الصهيوني!!!

لا خلاف بين الكثير من المفكرين الإسرائيليين بعد ستين عاماً على إعلان كيانهم، على تهاوي عدد من الأساطير الي استندت إليها الحركة الصهيونية في تبرير تأسيس مشروعها المتمثل بإقامة إسرائيل، وعلى رأس هذه الأساطير فكرة القومية والأمة اليهودية. فإنبعات الأمة يتطلب أن يحمل المنتسبون لها مضامين هوية ثقافية وعرقية وتاريخية ولغوية واحدة، وهذا ما فشلت فيه الحركة الصهيونية رغم الحرص الكبير الذي أبداه مؤسسو الدولة الأوائل.

رئيس وزراء إسرائيل الأول دفيد بن غوريون أدرك منذ اللحظة الاولى وهو يعد العدة للإعلان عن الدولة أن نجاح المشروع الصهيوني يتوقف على مدى القدرة على صهر الأعراق و الثقافات التي حملها المهاجرون اليهود للدولة الجديدة لإنتاج هوية ثقافية وقومية واحدة، وقد أطلق بن غوريون على مشروعه هذا مشروع " بوتقة الصهر " . المؤرخ الإسرائيلي مولي بيلغ يشير الى أن الحركة الصهيونية أدركت منذ البداية أن مهمتها صعبة، فعمدت الى " إبتكار " وسائل وأدوات عدة من أجل ايجاد اللحمة بين الطوائف الاثنية المتباينة في المجتمع الاسرائيلي، عن طريق اختراع الأساطير والطقوس لاحتفالية والأعياد مروراً بإحياء اللغة العبرية، وانتهاءاً بشن الحروب على الاعداء في محاولة لطمس وتبهيت الفرقة والاختلاف داخل الفئات الاثنية، بهدف توحيدها في كيان واحد ذي هوية متميزة وشعور بالانتماء لدى جميع اعضائه للمعايير والقيم التي تشكل أسس هذا الكيان

 لكن بعد تجربة من ستة عقود، تبين أن هذا مشروع " بوتقة الصهر " قد فشل فشلاً ذريعاً، بسبب وقوع المجتمع الإسرائيلي فريسة للإستقطاب الإثني والصراع الثقافي، والشرخ الذي يؤججه الخلاف حول العلاقة بين الدين والدولة. فلم يعد المجتمع الإسرائيلي يعكس وجود هوية قومية واحدة، بل مجموعة من الهويات العرقية والثقافية المتصارعة، والتي لا تفتقد فقط التجانس، بل تأبى أن تقطع مسافة صوب بعضها البعض من أجل التوافق.

 

الإستقطاب بين الشرقيين والغربيين

 

من المفارقة أنه بعد مرور كل هذا الوقت على وجود هذا الكيان، إلا أن المكونين العرقيين البارزين في المجتمع الإسرائيلي وهما الشرقيون والغربيون يأبيان الإندماج. فحتى الآن لازالت هناك تجمعات إستيطانية لا يقطنها في الأغلب إلا الشرقيون، مثل الأحياء الشعبية في المدن الكبرى، ومدن التطوير، وهي المدن التي أقيمت في أطراف الكيان للقيام بدور أمني واستيطاني.  ويرى البرفسور يهودا شنهاف الباحث في معهد " فان لير " للدراسات الاجتماعية، والناشط في منظمة " القوس الشرقي "، وهي منظمة تنشط في مجال الدفاع عن حقوق الشرقيين، أن الذي كرس الإستقطاب بين الشرقيين والغربيين هو الشعور بالمرارة التي تعتمل في نفوس الشرقيين لأن تجمعاتهم السكانية تعاني من الإهمال الحكومي الذي نجم عنه ارتفاع معدلات البطالة، وتقوقع نسبة عالية من الشرقيين تحت خط الفقر، إلى جانب انتشار الجريمة المنظمة. ويؤكد شنهاف أن التمييز ضد الشرقيين جاء لأن الحركة الصهيونية لم ترى منذ البداية في الشرقيين إلا مجرد أدوات لتحقيق أهدافها التوسعية. وأوضح أن قيادة الحركة الصهيونية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وضعت معياريين أساسيين للحكم على اندماج الشرقيين، وهما الانخراط في الخدمة العسكرية والمساهمة في الجهد الحربي ضد الدول العربية والشعب الفلسطيني، واستيطان الأراضي المحتلة. ويشير شنهاف الى أنه من أجل دمج الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي، أرسلوا للخدمة في الجيش وللاستيطان في الأراضي التي احتلت من الفلسطينيين لإقامة المستوطنات، ذلك لأن الجندي والمستوطن هما أهم عنصرين في " الامة " الجديدة التي حلمت الصهيونية أن تجسدها إسرائيل.الدكتور نزيه بريك استاذ العلوم الإجتماعية في جامعة حيفا يرى أن الذي جعل الإستقطاب بين الشرقيين والغربيين أكثر حدة مع مرور الوقت هو تفاقم الشعور بالاضطهاد والمهانة والاحباط والغربة لدى الشرقيين لأن انضمامهم واستيعابهم داخل المجتمع الإسرائيلي ترافق مع إنكار و واحتقار قيمهم الثقافية ولاجتماعية، مشيراً الى أن مكانة اليهود الشرقيين المتدنية في السلم الاجتماعي تعكس استمرار التباين والتفرقة. ويؤكد أن فشل استراتيجية " بوتقة الصهر " جاء بسبب طابع الثقافة العبرية التي حرصت على تكريس المكانة المهيمنة لليهود الغربيين، وهو ما نتج عنه فشل الإندماج الإثني، وتحلل المضامين المصطنعة للهوية الإسرائيلية.

 

الباحثة ايتسير مئير تؤكد أن الصراعات الإثنية التي تعتمل داخل المجتمع الإسرائيلي بين الشرقيين والغربيين تؤكد أن إسرائيل انتقلت من قطب النزعة الجماعية الى قطب النزعة الفردية، أي مجتمع القبيلة الذي يعني التخلي عن الاطار العام الموحد واحالة الولاء والالتزام الى مجموعات الانتماء الطائفية والدينية. وتؤكد مئير أن النخب اليهودية الغربية لازالت تنظر للشرقيين على أنهم " مادة ليست اروروبية، أنها نوع من عرب الشرق الاوسط، وأنهم يمثلون ثقافة في الحضيض.

 

 

 

معازل الروس

 

يشكل المهاجرون اليهود الروس حوالي 20% من مجمل السكان في إسرائيل، وهم بالتالي يشكلون التجمع الإثني الأكبر في الدولة. لكن رغم ثقلهم الديموغرافي، إلا أن الروس وبخلاف اليهود الشرقيين، لم يحاولوا منذ البداية الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، وأختاروا العيش في " غيتو " طوعي خاص بهم، لضمان تمتعهم بخصوصياتهم الثقافية.

 

ويحرص الروس على السكن في أحياء مستقلة منعزلة تماماً عن الأحياء التي تقطنها الإثنيات الأخرى. وتتمثل خصوصيتهم الثقافية في حقيقة أن لهم منظومة ثقافية خاصة تتمثل في شبكة مدارس ومسارح ودور سينما، ووسائل اعلام وصحف مستقلة تنطق باللغة الروسية. معظم المهاجرين الروس يتحدثون اللغة الروسية، ومعظمهم وعلى الرغم من مرور عقود على وجوده في إسرائيل يرفض تعلم اللغة العبرية والتحدث بها. وعندما يرفض اليهود الذين ينتمون الى التجمع الإثني الأكبر  التحدث باللغة العبرية، فأن هذا يمثل ضربة أخرى للمزاعم بوجود أمة وقومية يهودية. ويقول البرفسور سامي ساموحا الباحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة حيفا أن المهاجرين الروس أن فالمهاجرين الروس لم يسارعوا الى " التأسرل " بالصبغة الجاهزة، وفضلوا البقاء في حالة من الحكم الذاتي بكل ما يتعلق بالتمسك بلغتهم واقامة معالمهم الاجتماعية والساسية والثقافية. ويقول الباحث هشام نفاع أنه عملياً أدت هجرة اليهود الروس الى نشوء مجتمع داخل مجتمع؛ فهناك حالة ثقافية روسية كاملة تتجلى بعملية داخلية ذات حدود ومعالم قوامها: حزب روسي، مسارح روسية، صحف روسية، وعناد روسي على استعامل الروسية باصرار . ويؤكد دان أوريان أن جنوح المهاجرين الروس نحو التمايز عن جميع الفئات الإثنية ورفضهم الاندماج هو نتاج حالة الاستقطاب الإثني، التي هي في الأساس نتاج رؤى مختلفة ومصالح متناقضة للمجموعات التي تخوض فيما بينها صراعاً مكشوفاً، أو مستتراً نتيجة لعلاقاتها الاجتماعية والطبقية.

 

تفاقم الشرخ بين المتدينيين والعلمانيين

 

 

الصدع في المجتمع الإسرائيلي بسبب الخلاف العميق حول طابع العلاقة بين الدين والدولة لا يقل خطورة من الإستقطاب الإثني، حيث تحول الدين الى عنصر آخر من العناصر التي تحبط استراتيجية الصهر، بدلاً من أن يلعب دور المادة اللاصقة التي تقرب التجمعات الإثنية المختلفة. ويلفت المفكر والكاتب عوزي بنزيمان الأنظار إلى أنه بعد ستين عاماً على اعلان الدولة، فأن الهوة بين المتدينين والعلمانيين لم تزدد إلا اتساعاً. ويعقد بنزيمان مقارنة ذات دلالة بين مظاهر الإختلاط بين المتدينين والعلمانيين في السنين الأولى من عمر إسرائيل والآن.  وحسب بنزيمان، فأنه في سنوات الخمسين والستين كانت المتدينون يعيشون على نحو مختلط مع العلمانيين في المدن الكبرى – في القدس، تل أبيب وحيفا، في حين أنهم الآن غير قادرين على السكن في حي واحد. ويضيف أن الاقتراب بين الجانبين يولد بشكل عام صراعات عنيفة، حيث أن النتيجة هي أن كلاً من المجموعتين تعيش في غيتو خاص بها وفي حالة اغتراب عن المجموعة الأخرى.

من يلاحظ مظاهر الصراع بين المجموعتين يعي سريعاً أن الحديث يدور عن صراع مرير غير قابل للحسم حول طابع الدولة.فالمتدينون يستغلون ثقلهم السياسي من أجل إملاء تصورهم لطابع العلاقة بين الدين والدولة عبر دفع الحكومة وجميع مؤسسات الدولة والمرافق الاقتصادية والهيئات الإجتماعية للاحتكام الى حكم الشريعة اليهودية. حقيقة نجاح المتدينين في تحقيق انجازات في هذا الصراع أجج روح العداء ضدهم في نفوس العلمانيين، حيث يتهمونهم بأنهم يمارسون " الإكراه الديني " على الأغلبية العلمانية. وزير البنى التحتية الاسبق يوسي بيريتسكي  قال أن ترك جماعات الضغط الدينية تفعل ما يحلو لها يدلل على أن " الإكراه الديني في اسرائيل يعربد ". واستهجن بيريتسكي ان ينجح المتدينون الذين يشكلون أقل من ثلث السكان في دولة تدعي انها علمانية وليبرالية في فرض " التفسير الأكثر السوداوية لتعاليم الدين واجبار العلمانيين وغير المؤمنين على التعايش معها ". ويطالب بيريتسكي بعدم بالاستكانة والخنوع أمام المتدينيين وجماعات الضغط التابعة لهم.

 

وكانت النتيجة أن الجانبين باتوا يرفضون التصالح والوفاق. فصحيفة " ياتيد نئمان " الناطقة بإسم حزب " ديغل هتوارة "،الديني الارثوذكسي قدمت اعتذاراً لجمهور قرائها لأنها نشرت إعلاناً يدعو للمصالحة بين المتدينين والعلمانيين. وجاء في بيان الاعتذار " نحن نعتذر من القراء بسبب الخلل الذي افلت من ايدينا. اتخذت اجراءات وخطوات حتى لا تتكرر هذه المسألة مرة اخرى".في الصحف التي يصدرها المتدينون يوصف العلمانيون ب" البهائم والحشرات ".

المفكر الإسرائيلي العلماني بمبي شيلغ يرى أن الشرخ بين المتدينين والعلمانيين هو من " الكوارث الباهظة التي تصيب اسرائيل، محذراً من أن اليهوديات المتدينات يقمن بزيادة الولادات بشكل كبير من أجل أن يحل المتدينون بدل العلمانيين. ويرى البرفسور شلومو افنيري مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية الاسبق أن الصراع بين المتدينين والعلمانيين يمثل خطر على الأسطورة الصهيونية التي حاولت تقديم إسرائيل كدولة يهودية.  

لكن التمييز والفرز الإثني يعمل حتى داخل التكتلات الدينية اليهودية. فهناك حالة عداء مستشرية بين الأحزاب والتجمعات الدينية الشرقية والغربية. واحياناً، وفي إطار المناكفة تقوم المرجعيات الدينية لكل من الجانبين بإصدار فتاوى متناقضة.

 

أن كانت كل الشواهد تدلل على اتساع رقة الشرخ وحدة الإستقطاب في المجتمع الإسرائيلي بما يدلل على انهيار استراتيجية " بوتقة الصهر "، فأن الأمر الوحيد الذي يحفظ تماسك هذا المجتمع هو عنصر الخوف الذي لازالت القيادات الصهيونية تنجح في زرعه في نفوس اليهود، واستخدام هذه القيادات المقيت بما حدث وبما لم يحدث لليهود على أيدي النازية كدعوة لليهود لتناسي خلافاتهم وتبايناتهم.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر