موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كيف يذبح نواب فلسطين أوقاتهم ؟

من قال أن غزة تعاني أوضاعاً صعبة وأن الناس هنا يعيشون ظروفاً استثنائية في قسوتها، تغمرهم المشاكل من كل جانب سواءاً بسبب الحصار أو بسبب الممارسات الخاطئة........من يقول ذلك، فهو لا يدري عما يتحدث..........فلو كانت كل هذه المشاكل موجودة لما كان كل هم بعض نواب التشريعي إحتلال شاشات الفضائيات، ولما تفرغوا لوسع المشاهدين ضرباً بمواعظهم المتلفزة ليضطرب الهواء والأثير بما يجبر على حمله قصراً وغصباً. ومع أن المشهد هاذي في هزليته وسخريته،فأننا نعود للجدية إحتراماً للقراء لنسأل: فهل من ناحية مبدأية وقانونية يجوز لنواب التشريعي والساسة تقديم برامج حوارية وغير حوارية على شاشات الفضائيات. بكل تأكيد لا، لأن هذا ببساطة ينسف أهم أصل من أصول العمل الديموقراطي وهو الفصل بين السلطات، فمهمة الصحافة كسلطة رابعة مراقبة السلطات الثلاث الأخرى وضمنها، السلطة التشريعية التي يمثلها النواب، فعندما يتحول النائب الى إعلامي يقدم برامج إعلامية، فهذا شكل من أشكال التداخل الفظ الذي لا يوجد له مثيل حتى في أكثر أنظمة الحكم بؤساً وظلاماً وتخلفاً........هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية ولو كان هناك قانون لما سمح لهؤلاء النواب بلعب هذا الدور لأن هذا النائب من خلال برامجه ( بغض النظر عن مضامينها ) يحاول تسويق نفسه بالمجان أمام المشاهدين الذين هم في الوقت ذاته جمهور الناخبين في المستقبل، وهذا يمس بمبدأ تساوي الفرص أمام كل من يخطط لترشيح نفسه في المستقبل للإنتخابات.   لكن بلا شك أن أكثر ما يؤخذ على تفرغ هؤلاء النواب والساسة لتقديم البرامج التلفزيونية هو أنه ليس لديهم ما يقدمونه، سوى الأفكار السطحية التي تنضح بالركاكة والضحالة والخواء. هؤلاء النواب الغارقين في ذواتهم غاب عنهم أن تقديم البرامج التلفزيونية هو في الأساس عمل مهني وليس مجرد متطلب من متطلبات الوجاهة الكاذبة والفارغة، يحتاج الى تجربة وإعداد مهني كبيرين فضلاً عن وجوب تمتع مقدمي البرامج بلغة جسد مقنعة........ ولما خلا هؤلاء النواب من تلك المزايا، فأن برامجهم أضحت ليست أكثر من كوكتيل من المواعظ، والنثر الممجوج غير المستند إلى فكر ورؤى واضحة وجلية، ففاقد الشئ لا يعطيه.....لو ظلت الأمور عند هذا الحد ( على فظاعتها )، لقلنا بها ونعمت......ولكن بعض هؤلاء النواب حول برامجه المتشنجة الى مادة لتعميق الإنقسام الداخلي من خلال السباب والشتائم والطعن والتشكيك، مع أنه كواعظ كان يتوجب عليه أن يقول كلمة سواء تقرب ولا تبعد. وبعض النواب الذين لا يقدمون برامج يحرصون على أن يتم عرض مواعظهم وخطبهم على الشاشة، مع أن هناك من الوعاظ من هو أفضل منهم ألف مرة. بدلاً من التمسمر على شاشات الفضائيات، وفرض أنفسهم على الناس، كان يتوجب على هؤلاء النواب التفرغ لحل مشاكل الناس ومعالجتها، فلو كان هؤلاء جادين في حمل الأمانة التي حملها إياهم الناخب لما ذبحوا وقتهم في تقديم هذه البرامج، في الوقت الذي ضاقت بها الدنيا على الناس بما رحبت. أن هؤلاء النواب يمسون بأنفسهم من خلال مثل هذه المشاغل، ولا يزدادون من الناس إلا بعداً. أذكر أنني كنت أحرص على حضور درس ديني أسبوعي لأحد الوعاظ، وكنت ألغي كل إلتزاماتي بسبب ذلك، وأحياناً كنت أتعقب هذا الواعظ في كل مسجد يتجه إليه مع أنه لم يعلم بذلك حتى الآن....لكن مع كل أسف عندما أصبح هذا الواعظ نائباً ومقدم برامج سقطت الهالة ولم أعد أرى فيه إلا واحد من أولئك الذين يتنافسون على الظهور بأي ثمن.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر