موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما المطلوب حتى تنجح دعوة عباس للحوار؟

فاجأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس الفلسطينيين بالدعوة التي أطلقها للحوار مع حركة حماس برعاية عربية، على إعتبار أن هذه الدعوة جاءت بدون مقدمات، وفي ظل التوتر بين الجانبين، على خلفية حملات الإعتقالات التي تواصلها أجهزة عباس الأمنية ضد نشطاء حركة حماس في الضفة الغربية. وعلى الرغم من ترحيب قيادة حماس بدعوة عباس، إلا أن هناك العديد من علامات الإستفهام التي تدور حول طبيعة الدعوة، وعما إذا كانت تحمل جديداً وتدل على تراجع أبو مازن عن الشروط التي وضعها للموافقة على الحوار مع حركة حماس. فعندما دعا أبو مازن للحوار لتطبيق المبادرة اليمنية، فهل كان يقصد أن الحوار سينطلق للتوصل لإتفاق حول تطبيق المبادرة التي رفضتها حركة حماس على اعتبار أنها تطالبها بالتراجع عن سيطرتها على قطاع غزة دون أن تلزم أبو مازن بالتراجع عن الخطوات الكبيرة التي قام بها ضد الحركة. أم أن أبو مازن قصد الإنطلاق من إتفاق صنعاء الذي وقع عليه ممثلو حماس وفتح برعاية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وهذا يعني أن حركة حماس لن يكون لديها أي اعتراض على ذلك. من الجلي أن كان أبو مازن سيصر على حصر الحوار في التباحث حول تطبيق بنود المبادرة اليمنية، فأنه سيحكم على الحوار بالفشل منذ البداية. وإن كانت الأمور على هذا النحو، فأن دعوة عباس وترحيب حماس بها لن تعدو كونها مجرد مناورات متبادلة للتملص من استحقاقات الحوار الوطني الحقيقية. ولما كان من الصعوبة بمكان التعرف على نوايا أبو مازن الحقيقية، فأنه يمكن الإشارة الى عدد من الظروف التي قد تكون دفعته لهذه الخطوة.

بسبب فشل المفاوضات أم نجاحها

قد يكون أبو مازن أقدم على هذه الخطوة بسبب  وصول المفاوضات بينه وبين اسرائيل الى طريق مسدود، في ظل رفض إسرائيل المطلق التجاوب ولو مع الحد الأدنى مع المطالب التي يطرحها أبو مازن لحفظ ماء وجهه أمام الشعب الفلسطيني. في ذات الوقت، فأن ابو مازن يدرك أن اسرائيل توشك على الدخول في حقبة جديدة، حقبة سيسيطر فيها اليمين واليمين المتطرف على مقاليد الأمور كنتاج للفضائح التي هزت رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، ناهيك عن خيبة أمل ابو مازن من الدور الأمريكي في التسوية، وتراجع الدور الأمريكي بشكل كبير، فضلاً عن الدعوات التي صدرت عن الكثير من قيادات بارزة في حركة فتح لوقف التفاوض مع إسرائيل و العودة للحوار مع حماس. يعي عباس أن فشل المفاوضات له تبعات سلبية، على إعتبار أنه يدلل على فشل برنامجه السياسي ، مما سيؤدي الى إضافة المزيد من عوامل الضعف لحركة " فتح ". وقد يكون أبو مازن معني بالتفاوض تحديداً قبل أن يتم الإعلان عن فشل المفاوضات، على اعتبار أن ذلك أجدى له، حيث سيدخل الحوار مع حماس ولديه بعض الأوراق القوية، أما في حال شرع في الحوار بعد الإعلان عن فشل المفاوضات مع إسرائيل فأنه سيكون أضعف من أن يملي مواقفه على حماس كما يرغب بذلك.

لكن من ناحية ثانية قد تكون دعوة أبو مازن للحوار قد جاءت بسبب نجاح المفاوضات مع إسرائيل، حيث أنه بعد يومين من هذه الدعوة أعلن رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع أن إسرائيل والسلطة ستشرعان في صياغة ما تم الإتفاق عليه بينهما، في ظل إقرار أبو مازن بأن هناك محادثات سرية تجري بين الطرفين في الخفاء. وإن كان هذا ما حدث، فأن أبو مازن سيكون معني بتقليص حدة الاعتراضات المنطلقة في الساحة الفلسطينية على الإتفاق المتبلور عبر إجراء حوار مع حماس. ومن غير المستبعد ان تكون دعوة ابو مازن للحوار قد جاءت استباقاً لمخطط اسرائيلي عسكري تجاه غزة أدرك ابو مازن أنه بات وشيكاً، وبالتالي فتأتي هذه الدعوة تأتي من باب الظهور بمظهر القائد الحريص على الوحدة وأنه قام بكل الجهود الرامية لإنجاح الحوار. وقد يكون اطلق هذه الدعوة من باب تسجيل موقف قبل أن تقوم إسرائيل بما تنوي القيام به. أبو مازن يدرك أن وضعه سيكون محرجاً في حال قامت إسرائيل بضرب حركة حماس، وبالتالي فهو يريد تسجيل موقف مسبق.

 

المطلوب رزمة أتفاق كاملة

 

بغض النظر عما الدوافع التي تحرك أبو مازن عندما طرح هذه المبادرة، فأنه بات من الواضح أن عوامل نجاح أي حوار بين فتح وحماس يتوقف على مدى اقتناع كل منهما أنهما فشلا فيما حاولا تكريسه من خلال خطواتهما أحادية الجانب ضد بعضهما البعض. على أبو مازن أن يقر بفشل المفاوضات مع إسرائيل وببؤس الرهان على الإسرائيلي والأمريكي في سعيه للضغط على حماس، وعليه أن يعي أن إمعانه بالتواطؤ في فرض الحصار على القطاع، ناهيك عن عمليات القمع التي يرتكبها ضد نشطاء حماس في الضفة الغربية لن تزيده إلا ضعفاً. في نفس الوقت عليه أن يقر بفشل استراتيجيته ضد حماس القائمة على عزل الحركة. أما حركة حماس فهي مطالبة بالإعتراف باستحالة الجمع بين المقاومة وبين الحكم، وأن عليها أن تنظر للحوار مع أبو مازن كوسيلة للتخلص من ورطتها في الحكم.  وفي حال تكرست مثل هذه القناعات لدى الطرفين، فأنه بالإمكان التوصل لاتفاق رزمة كاملة يتعلق بحل كل جوانب الخلاف بينهما مع إبداء كل منهما أقصى درجات المرونة من أجل انجاح الحوار.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر