موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
أعاجيب الحياة....... في سجن غزة الكبير !!

طوال سبعة أشهر ظل زهير أبو شعبان ( 24 عاماً )، يعيش على أحر من الجمر خوفاً من أن يتبدد حلم عمره بإستكمال دراسته العليا في مجال هندسة الحاسوب في الولايات المتحدة، بعد أن ظن أن هذا الحلم أصبح قاب قوسين أو أدنى أثر حصوله على منحة " فولبرايت "، التي تمنحها وزارة الخارجية الأمريكية سنوياً لعدد من الطلاب الجامعيين الفلسطينيين. أبو شعبان الذي حاز هو وستة من الطلاب الفلسطينيين على المنحة بعد أن تنافسوا عليها مع المئات من الطلاب، اعتقد أنه لم يعد أمامه إلا إستكمال إجراءات السفر وأنه رغم الحصار المفروض على قطاع غزة، فأن الخارجية الأمريكية ستتدخل لدى إسرائيل للسماح له ولزملائه بالسفر. لكن خيبة أمل أبو شعبان كانت كبيرة جداً ليس لأن إسرائيل رفضت السماح له بالسفر، بل لأن المخابرات الإسرائيلية الداخلية " الشاباك "ساومته واشترطت عليه مقابل السماح له بالسفر أن يصبح مخبراً يقوم بتقديم معلومات حول تحركات المقاومة. أبو شعبان قال ل " ويكلي " أنه خلال مراجعته مكتب " الشاباك " في معبر " إيرز الحدودي "، الثلاثاء من الأسبوع الماضي للسماح له بالتوجه للقدس للحصول للحصول على تأشيرة الدخول للولايات المتحدة من القنصلية الأمريكية فوجئ عندما حاول ضابط " الشاباك " إبتزازه، وطلب منه أن يخبره عن كل الموظفين في الجامعة الإسلامية الذين ينتمون الى حركة حماس، على اعتبار أنه كان يعمل معيداً في الجامعة. يقول زهير أنه حاول بكل الطرق اقناع الضابط أنه شخص مستقل ولا ينتمي الى أي تنظيم، لكن المحقق كان صارماً وحاسماً: فإما أن يوافق زهير على  التعاون مع المخابرات الإسرائيلية وإما أن " ينسى " فكرة استكمال دراسته في امريكا. بعد أن رفض زهير بحزم أساليب الترهيب والترغيب التي اتبعت من قبل المحقق الذي حاول معه لمدة ساعين، تم طرده من الغرفة ليمكث ساعتين في الانتظار، وبعد ذلك اعاد له الجنود بطاقة الهوية الخاصة به وابلغاه أن عليه العودة الى غزة. هناك أربعة آلاف طالب فلسطيني يدرسون في الخارج لازالوا عالقين في قطاع غزة بسبب الحصار وبسبب رفض السلطات الإسرائيلية السماح لهم العودة لجامعاتهم. هذا الواقع يرسم صورة مشهد السجن الكبير الذي يعيش فيه الفلسطينيون في قطاع غزة، منذ أن فرضت إسرائيل الحصار على القطاع منذ عام تقريباً، حيث يحظر عليهم الإنتقال للخارج. جون كينغ مفوض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأنروا " هو أول من ربط بين العيش في قطاع غزة في ظل الحصار وبين الواقع في السجون، عندما قال أن أوضاع المعتقلين في السجون أفضل بكثير من أحوال الفلسطينيين في قطاع غزة، من حيث الخدمات. ولعل من يتمعن في أوضاع غزة تحت الحصار يجد أن هناك المزيد من أوجه الشبه بين الحياة في القطاع والحياة في السجن. فعلى سبيل المثال وبسبب الحياة في هذا " السجن " توفي 178 فلسطينياً حتى الآن بسبب منعهم من مغادرة القطاع للعلاج في الخارج. رامي عبده، الناطق باسم اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار قال ل " ويكلي " أن 31 % من المرضى الذين تمنعهم إسرائيل من السفر لتلقي العلاج في الخارج هم من الأطفال الذين تقل اعمارهم عن الخمسة عشر عاماً. وأضاف عبده أن هذه النسبة لا تشمل مئات المرضى والجرحى الذين لم يقدموا طلبات للحصول على طلبات تحويلة  للعلاج بالخارج لقناعتهم بأن الإحتلال سيرفض طلباتهم. الطفلة فرح سائد الصواف (عامان) تعاني جراء ورم في الكلية اليمنى، وقدمت طلب للحصول على تحويلة للعلاج بالخارج، لكن الاحتلال لم يوافق على طلبها حتى الآن. وقالت والدة الطفلة فرح في مؤتمر صحافي عقده ذوو الأطفال المرضى الممنوعين من السفر الأسبوع الماضي، وهي تنتحب باكية " أتمنى أن تبقي طفلتي على قيد الحياة.. ما ذنب ابنتي حتى تعاني كل هذا.. أي جسد يحتمل الوجع والألم.. ماذا أفعل وطفلي تموت في حضني.. ساعات فقط تفصلنا عن مصيرها". كما أن وضع الطفل محمد بلبل (عامان) والذي يعاني من ورم في المعدة أيضاً لا يقل مأساوية. وقال والد الطفل ان ابنه يحتاج إلى مواصلة العلاج الإشعاعي خلال عشرة أيام، وإلا سيفارق الحياة.  وأن كان نزلاء السجون لا يحرمون من الإضاءة في الليل، فأن الفلسطينيين في القطاع تحت الحصار تعودوا على العيش في الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، حيث أن إسرائيل قلصت كميات الوقود التي تسمح بدخولها للقطاع لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة.جميع العائلات الفلسطينية تقضي أوقاتاً من الليل على ضوء الشمع. وفي هذا " السجن " تعود الناس على قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدم لتقلص عدد سيارات الأجرة التي تعمل بسبب النقص الحاد في الوقود. كل من يقف بالقرب من شارع صلاح الدين الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه يشاهد المئات من الأشخاص يمشون على أقدامهم وكأنهم في مارثون رياضي. الذي زار مدينة غزة قبل عام وجاء لزيارتها الآن، فأن أول ما يستوقفه هو أن هذه المدينة التي يقطنها حوالي نصف مليون مواطن تغرق في سبات عميق بحلول ساعات المساء الأولى. فبسبب قلة البضائع المسموح بإستيرادها فأن الكثير من المحال التجارية قد أغلقت أبوابها، في حين أن المحال التجارية التي فيها بعض ما يحتاجه الإنسان تضطر لإغلاق أبوابها مبكراً لقلة المتسوقين الناجمة عن تدهور الأوضاع الإقتصادية ولعدم قدرة معظم السيارات على التحرك بسبب نقص الوقود.

 في هذا السجن تدهورت أوضاع البيئة بشكل خطير جداً بسبب التلوث الناجم عن استخدام السائقين لزيت الطعام كوقود لتشغيل سياراتهم لعدم وجود وقود كاف. يقول سليمان العواودة وهو فني ميكانيكي ل " ويكلي " أن التلوث يعود الى عدم مقدرة مولدات السيارات على حرق زيت الطعام بشكل كامل، الأمر الذي يؤدي الى تلوث الجو بوقود مؤكسد. وتؤكد الدوائر الطبية في قطاع غزة تؤكد أن هذا الوقود يؤدي الى التسبب في انتشار أمراض السرطان، من هنا فأن الذي يتحرك في شوارع قطاع غزة يلفته حرص الكثير من الناس على وضع كمامات على وجوههم لتقليص كمية الغاز المؤكسد الذين يمكن أن يستنشقوه. وبسبب العيش في هذا " السجن " فقد تقلصت آمال الناس وطموحاتهم لدرجة أن الناس باتوا يعتبرون الكثير من متطلبات الحياة مجرد كماليات بالإمكان التنازل عنها. أسامة أبو شرف ( 44 عاماً )، الذي يقطن مدينة دير البلح حاول نهاية الاسبوع الماضي تحت إلحاح أولاده الأربعة العثور على نوع من الشمام يتميز بمذاقه الحلو بشكل خاص. وقال ل " ويكلي " أنه تفقد كل بسطات الفواكه المنتشرة على مقطع شارع صلاح الدين الذي يصل مدينة " دير البلح "، بمخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، لكنه اسامة لم يجد مبتغاه على الرغم من أن هذه البسطات كانت تزخر بهذا النوع من الشمام في مثل هذا الموسم من كل عام. أصحاب البسطات أبلغوا أسامه بأن عليه أن يوفر جهده، فلن يعثر على مثل هذا الشمام الذي يتم زراعته في دفيئات بلاستيكية في المناطق الزراعية التي تقع في التخوم الشرقية من القطاع، والقريبة من الحدود مع إسرائيل. جرافات الإحتلال التي تتوغل في اوقات متقاربة في هذه المناطق تحرص على تدمير هذه الدفيئات الزراعية وتسويتها بالأرض، وضمنها الدفيئات التي يتم انتاج الشمام فيها، الأمر الذي أدى إلى تقلص انتاجه بشكل كبير. ومن أخطر تداعيات الحصار كان تدهور الأوضاع الإقتصادية الناجمة عن الخسائر التي لحقت بالقطاعات الإقتصادية المختلفة. الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية الفلسطينية يقول أن قيمة الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الفلسطيني بسبب الحصار تبلغ أكثر من مليار دولار.وأشار الطباع في تقرير أعده بمناسبة مرور عام على الحصار إلى أن الخسائر المباشرة الناجمة فقط عن إغلاق المعابر التجارية تقدر بحوالي 360 مليون دولار ذلك. ونوه الطباع الى أن الحصار أدى الى تدهور أوضاع جميع قطاعات الانتاج والاستثمار والتجارة الخارجية والزراعة والصناعة والعمالة، مؤكداً أن هذا الواقع أثر سلبا على أداء الاقتصاد و خفض معدلات نموه, وضاعف المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية والتعليمية. وأكد الطباع أن قرار اسرائيل إلغاء الكود الجمركي الخاص بقطاع غزة أدى الى إنهاء الاستيراد المباشر لقطاع غزة، واسفر عن إلغاء الوكالات والعلامات التجارية الخاصة بمستوردي قطاع غزة، الأمر الذي أجبر مستوردي القطاع على الاستيراد عبر وسطاء اسرائيليين مما يتسبب في ضياع إيرادات السلطة من الجمارك المحصلة من الاستيراد المباشر. وأضاف أن قرار اسرائيل باعادة فتح معبر " صوفا " التجاري الذي يقع جنوب القطاع لدخول المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية والفواكه والمستلزمات الطبية لا يكفي لسد الاحتياجات المطلوبة حيث أن المعبر غير معد لاستقبال البضائع وكان يستخدم في السابق لدخول مواد البناء فقط , في حين تم تخصيص معبر كرم أبو سالم، الذي يقع للشرق من معبر " رفح " لدخول المواد الأساسية والمساعدات فقط. واكد الطباع أن معبر صوفا ومعبر كرم أبو سالم يستوعب  70-100 شاحنة في اليوم, في حين أن حاجة قطاع غزة اليومية تقدر ب 150 – 200 شاحنة من البضائع وذلك لتلبية الاحتياجات الأساسية والإنسانية فقط. واشار الى ان قرار المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر لشؤون الامن اعتبار قطاع غزة كيان معادي كان له تداعيات سلبية جداً على الاقتصاد الفلسطيني في القطاع. وأشار الطباع الى أن الحصار أدى الى فقدان مقومات الحياة اليومية بسبب تناقص واختفاء البضائع المختلفة من الأسواق. وأوضح ان الحصار أثر سلباً على جميع المؤسسات التعليمية نتيجة النقص الشديد في الكتب المدرسية والجامعية والنقص في المطبوعات و القرطاسية، فضلاً عن عجز الكثير من العائلات الفلسطينية عن توفير الرسوم الجامعية لأبنائها أو حتى الحقائب المدرسية والزى المدرسي. وتوقع الطباع ان يؤدي هذا الواقع الى  " جر هؤلاء الأبناء والشباب إلى مصير قاتم من العجز واليأس وكسر الإرادة إذا ما حرموا من إكمال تعليمهم الجامعي وسوف يكون من الصعب حصولهم على فرص عمل في المستقبل مما يزيد من مشكله البطالة ". ونوه الطباع الى المعطيات التي كشفت عنها إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حيث تبين أن حوالي 20% من الشباب الفلسطيني يرغبون الآن في الهجرة إلى خارج فلسطين في الوقت الذي هاجر فيه الآلاف فعلاً خلال العام 2006 نتيجة عدم استقرار الوضع السياسي والاقتصادي  وهو ما يشكل ضغطًا نفسيًا يحول دون استقرار الشباب.

 

قصارى القول أن قطاع غزة الذي يعتبر المنطقة ذات الكثافة السكانية الأعلى في العالم، إذ أن مليون ونصف المليون شخص يعيشون على مساحة لا تتجاوز 365 كلم مربع يعتبر سجن حتى بدون فرض الحصار، لكن الحصار يجعل ظروف العيش في هذا " السجن " أصعب من أن يتحملها الناس.

 

*** ترجمة تحقيق نشره صالح النعامي في صحيفة " AHRAM WEEKLY "، وهذا رابط التحقيق:

http://weekly.ahram.org.eg/2008/901/re8.htm

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر