موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس...... إنجازات التهدئة وتحدياتها

بالإمكان تفهم الحرج الذي أصاب عدد من قربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أعقاب توصل حركة حماس وإسرائيل الى إتفاق التهدئة، ومحاولة هؤلاء التشكيك في قيمة هذا الإتفاق ودلالاته المختلفة. مقربو أبو مازن الذين يدركون في قرارة أنفسهم أن حماس حققت إنجازاً كبيراً بإجبار إسرائيل على قبول هذا الإتفاق، شعروا بالحرج لأنهم يخشون من قيام المواطن الفلسطيني البسيط بعقد مقارنات بين الإنجازات التي يتضمنها هذا الإتفاق، وبين وما عاد على الفلسطينيين من تجربة أكثر من عقدين من المفاوضات العقيمة. فقد كانت هذه المرة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي توافق فيه إسرائيل على اجراء ترتيبات لوقف اطلاق النار مع المقاومة مباشرة، عبر طرف ثالث. فلا شك أن اتفاق اسرائيل مع فصائل المقاومة يدلل على إقرار حكومة أولمرت بالعجز عن الوفاء بما تطالب به أبو مازن ورئيس وزرائه سلام فياض، وهو تجريد هذه المقاومة من سلاحها. ففي الوقت الذي يخرج سلام فياض وقادة أجهزته الأمنية عن طورهم وهم يسترسلون في التأكيد على التزامهم بتنفيذ المرحلة الأولى من خطة " خارطة الطريق "، التي تتضمن قيامهم بتفكيك حركات المقاومة وجمع سلاحها ووقف التحريض ضد الاحتلال في مناهج التعليم والمؤسسات الدينية والتعليمية والاعلامية، فأن إسرائيل تعترف بحركات المقاومة وتتوافق معها بعد أن أدركت أنه ليس بوسعها حسم المعركة في مواجهتها. لا شك أن المواطن الفلسطيني وتحديداً في الضفة الغربية يلاحظ يومياً التعاون بين اجهزة الأمن التابعة لحكومة فياض وجيش الاحتلال في ضرب المقاومة، والذي يتزامن مع الإعتداءات الوحشية التي تقوم بها قطعان المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين العزل، وبالتالي فأن هذا المواطن لا شك أنه سيكبر في حركة حماس إصرارها على مطالبها، وعدم انثنائها رغم تهديدات إسرائيل باجتياح القطاع. أن إتفاق التهدئة يحمل في طياته دلالة واضحة وجلية وهي تسليم إسرائيل بأن مقدرتها على تحقيق الأمن لمستوطنيها يتوقف على إرادة المقاومة الفلسطينية، وليس فقط على جاهزية جيشها. في نفس الوقت فأن إسرائيل تراجعت في اتفاق التهدئة عن اثنين من من شروطها المركزية  وهما: ضمانات بوقف عمليات تهريب السلاح عبر الحدود مع مصر، وربط التهدئة بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي الذي تختطفه حماس جلعاد شليت. رئيس حكومة تصريف الأعمال في غزة اسماعيل هنية كان واضحاً عندما أكد أن الإتفاق لا يلزم المقاومة بوقف تهريب السلاح والوسائل القتالية، ولقد اختار المسؤولون الصهاينة الذين سمعوا هذا التصريح عدم التعقيب عليه، رغم أنهم شددوا في أكثر من مرة أن التهدئة مقترنة بوقف تهريب السلاح. وحتى قبول حماس بحصر التهدئة في قطاع غزة لا يمثل تراجع للمقاومة على اعتبار أن يد حركات المقاومة ستكون طليقة أيضاً في تنفيذ عمليات ضد أهداف للجيش الإسرائيلي وللمستوطنين. ولعلها من المفارقات ذات الدلالة أنه في اليوم الذي بدأ فيه العمل بإتفاق التهدئة، اختار المقاومون الفلسطينيون تنفيذ عملية في شمال الضفة الغربية أسفرت عن جرح ثلاثة من المستوطنين، دون أن تجرؤ إسرائيل على اعتبار ذلك خرقاً للتهدئة. بالطبع هناك من يسأل: إذا كانت حركة حماس توصلت لإتفاق التهدئة ووافقت على وقف اطلاق النار مقابل رفع الحصار، فهل هذا يعني أن الحركة ستربط للأبد بين الحصار والعمل المقاوم، بحيث أنه كلما زال الحصار كلما اختفت المقاومة،بغض النظر عن بقاء الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة ؟. واضح تماماً أن هذه قراءة دقيقة للواقع، فحركة حماس تنطلق من افتراض أن اسرائيل لا يمكن أن تقبل ببقاء الحال على ما هو عليه الآن لفترة طويلة، وأن المواجهة بين الاحتلال والمقاومة قادمة لا محالة، بالتالي فأن حركة حماس وذراعها العسكري " كتائب عز الدين القسام "، أعلنا بشكل واضح أنهما يواصلان الإستعداد لمواجهة أي احتمال. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أدركت حركة حماس أنه من حق الشعب عليها منحه فترة استراحة في ظل تواصل الحصار الذي أتى على الأخضر واليابس.

لكن ومع كل ما تقدم فأن إتفاق التهدئة يحمل في طياته عدة تحديات يفترض أن تكون حماس قد أعدت إجابات عليها. فقيادة الحركة مطالبة بالعمل على توظيف اتفاق التهدئة من أجل الدفع نحو الحوار الوطني الفلسطيني وإنجاحه واختبار توجهات ابو مازن عبر ابداء اقصى درجات المرونة الممكنة في سبيل ذلك. إذ أن بعض الاصوات باتت تدعي أن حماس ستتبنى مواقفاً متطرفة في الحوار بعد التهدئة على إعتبار أن رفع الحصار سيتحقق بدون نتائج الحوار مع " فتح " و " ابو مازن ". على قيادة حركة حماس التصدي لهذه المزاعم عبر برنامج ومبادرة للحوار الوطني تدلل فيها على أن ما يحكم توجهاتها هو المصلحة الوطنية العليا وليس الحسابات التنظيمية الصغيرة. على حماس أن تدرك أنه من غير المستبعد أن تراهن تل أبيب على أن يساهم اتفاق التهدئة في تعميق الإنقسام الفلسطيني، وعليها أن تحرص على تساهم التهدئة في تحقيق الوحدة.

لكن حماس المطالبة بعمل أقصى ما تستطيع من أجل انجاح الحوار الوطني عليها أن تبدي أقصى درجات الحذر من مرامي أبو مازن من الحوار، لأن هناك بعض الدلائل، وأن كانت غير قاطعة ، أن دعوة عباس للحوار جاءت من أجل تهيئة الأجواء الفلسطينية لقبول اتفاق جديد بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. بعض الذي يجعل هذه المخاوف مبررة هي التصريحات التي أدلها مسؤول فرنسي رافق الرئيس الفرنسي نيكالو ساركوزي خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل حيث أكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت ابلغ ساركوزي أن إسرائيل و ابو مازن سينجزان حتى نهاية العام الجاري اتفاق مبادئ مؤقت لحل الصراع. واضح تماماً أنه في ظل موازين القوى الحالية وفي ظل الانقسام الفلسطيني فأن إسرائيل ستملي مواقفها على أبو مازن. من هنا يتوجب أن تتيقظ حماس ومعها كل الفصائل الفلسطينية بحيث لا يتم توفير أي تغطية لمثل هذه الاتفاقيات.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر