موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الفلتان الأمني في السلطة.. مخاطر التوظيف الإسرائيلي

الجزيرة نت  22/6/2005
بلغت حالة الفوضى والفلتان الأمني في مناطق السلطة الفلسطينية مؤخرا حدا غير مسبوق، وانخفض شعور المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بالأمن الشخصي إلى أدنى مستوى يمكن تخيله في ظل عجز السلطة ومؤسساتها عن وضع حد لهذا التدهور، فضلا عن محاسبة المسؤولين عنه.لقد تفاقمت الأوضاع إلى درجة دفعت الجماهير الفلسطينية إلى خفض سقف توقعاتها واختزال آمالها، وأصبحت المطالبة بالأمن والأمان وسيادة القانون تتقدم على ما عداها من مطالب سياسية قدمت في سبيلها التضحيات الجسام.ببساطة لقد جعلت فوضى السلاح والفلتان الأمني حركة الفلسطينيين شبه مستحيلة، فقد أصبح من المألوف أن تقوم مجموعات من المسلحين بإغلاق الشوارع التي تمثل شرايين الحياة لتنقل لفلسطينيين في الضفة والقطاع لمجرد المطالبة بحقوق مزعومة، وامتيازات خاصة، أو للاحتجاج على القرارات التي تتخذها السلطة، دون أن يبالي أحد بحجم المعاناة التي يكابدها الجمهور الفلسطيني جراء هذه الممارسات.لقد تهاوت هيبة السلطة لدرجة أصبح فيها من المعتاد أن يتجرأ منتسبو الأجهزة الأمنية على إطلاق النار على مقر وبيت الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كل من رام الله وغزة لمجرد الاحتجاج على قراره بدمج الأجهزة الأمنية بعضها مع بعض.وهان مسؤولو السلطة لدرجة أن تقوم مجموعة مسلحة هامشية بقطع الطريق عليهم ومصادرة جوازات السفر الدبلوماسية الخاصة بهم، وإجبارهم على العودة إلى منازلهم، كل ذلك للاحتجاج فقط على عدم استيعاب عناصر هذه المجموعة في الأجهزة الأمنية.في مناطق السلطة، تلجأ العائلات إلى السيطرة على مقر المجلس التشريعي -الذي يمثل أهم الرموز السيادية- للتنفيس عن غيظها فقط في حال تشاجرت مع عائلات أخرى، في مشهد يشي بفداحة الواقع ومأساويته.وفي ظل الفلتان الأمني زادت معدلات الجريمة خلال العامين الماضيين، فتضاعفت جرائم القتل، وبالذات على خلفية الأخذ بالثأر، وعمليات الخطف بغرض تلقي الفدية، وجرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والسرقة والسطو المسلح والاتجار وتعاطي المخدرات وإتلاف مال الغير. يبدو تقصير أبي مازن كارثيا إذا علمنا أن المسؤولين عن مظاهر الفلتان الأمني هم منتسبو الأجهزة الأمنية الذين يفترض أن يكونوا خاضعين لإمرته بوصفه رأس هرم الحكم في
"

عجز السلطة ومسؤوليتها

رغم أن هناك أسبابا أخرى لمظاهر الفلتان الأمني وتفاقمه، فإن أهم هذه الأسباب هو ضعف مؤسسة الرئاسة الفلسطينية الواضح وعجزها عن فرض سيادة القانون وهيبة السلطة، وتلكؤها في ممارسة الصلاحيات التي منحها إياها القانون لوضع حد لهذه المظاهر الهدامة.

وبعد أكثر من خمسة أشهر على انتخاب الرئيس محمود عباس فهو يعجز عن تفعيل الخطط الأمنية التي تمت صياغتها لوضع حد لهذا الواقع المزري.ويبدو تقصير أبي مازن كارثيا إذا علمنا أن المسؤولين عن مظاهر الفلتان الأمني هم منتسبو الأجهزة الأمنية الذين يفترض أن يكونوا خاضعين لإمرته بوصفه رأس هرم الحكم في السلطة، كما أن المجموعات المسلحة المسؤولة عن بعض مظاهر الفلتان الأمني مرتبطة بمراكز قوى معروفة داخل السلطة، وتحتمي بها.إن الذي يثير الاستهجان هو أن الرئيس الفلسطيني يلجأ أحيانا للتحاور مع المسؤولين عن حالة الفلتان الأمني والاستجابة لمطالبهم، كما حدث عندما قام بعض منتسبي الأجهزة الأمنية بإطلاق النار على مقره في رام الله وعربدوا لساعات طويلة في شوارع المدينة.لقد عكس سلوك أبي مازن عجزا قياديا مخلا، وقد فضح هذا العجز وزير داخليته اللواء نصر يوسف الذي كشف خلال شهادته أمام المجلس التشريعي أن قادة الأجهزة الأمنية يرفضون تعليماته الهادفة لتفعيل الخطط الأمنية التي صيغت لوضع حد لحالة الفلتان الأمني.ليس هذا وحسب، بل إن نصر يوسف تحدث عن علاقات مشبوهة بين بعض قيادات الأجهزة الأمنية مع جهات خارجية، وأن هؤلاء القادة لا يقبلون بوزارة الداخلية مرجعية لهم.لقد صمت أبو مازن ولم يحرك ساكنا ولم يتخذ أي إجراء ضد قادة الأجهزة الأمنية الذين لا يعنيهم تخلص الشعب الفلسطيني من هذا الواقع المزري.لكن المضحك المبكي كان دون شك في موقف رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع من حالة الفلتان الأمني، فقريع هدد بأنه في حال استمرار مظاهر الفلتان الأمني سيقوم بتعليق أعمال الحكومة! فمن سيوقف هذا الفلتان، أليست هذه مسؤولية السلطة وحكومة قريع تحديدا.كان يمكن فهم ردة فعل قريع لو قدم استقالة حكومته بسبب عجزها عن وضع حد لهذا الواقع، بدلا من التهديد بتعليق أعمال الحكومة والبقاء في الحكم. الانتقائية في تطبيق قرارات المحاكم يفاقم مظاهر الفلتان الأمني، لأن عدم تطبيق السلطة لأحكام القضاء الصادرة بحق العملاء يدفع حركات المقاومة للقصاص منهم


"

جذور المشكلة

وفر النظام السياسي الفلسطيني الذي تبلور بعد "أوسلو" الأرضية الخصبة لتنامي مظاهر الفلتان الأمني، وتجذير تجاوز القانون وعدم احترامه.فقد جعل هذا النظام من فرض احترام التزامات السلطة السياسية كما وردت في اتفاقية "أوسلو" على المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية، وظيفته الأساسية، حتى لو أدى ذلك إلى المس بالوظائف الأخرى التي تسعى الأنظمة السياسية -في البيئات السليمة- عادة إلى تحقيقها.فرض احترام التزامات السلطة كان يقتضي بالأساس ضرب حركات المقاومة الفلسطينية التي كان ينظر إليها على أساس أنها تتحدى هذه الالتزامات عبر مواصلة تنفيذ عمليات المقاومة.كان بإمكان السلطة أن تواجه حركات المقاومة عبر الاستناد إلى القانون الفلسطيني، لكنها ضربت بهذا القانون عرض الحائط، فكانت عمليات الاعتقال والتعذيب وإغلاق المؤسسات الحزبية والخاصة.وأسست السلطة لتجاوز جهاز القضاء الفلسطيني عندما لم تحترم مؤسسة الرئاسة والحكومة والأجهزة الأمنية قرارات محكمة العدل العليا التي تعتبر أكبر مرجعية قضائية في السلطة الفلسطينية، وقد أمرت بالإفراج عن قادة ونشطاء المقاومة، لأن اعتقالهم كان تعسفيا ومخالفا للقانون.لقد رفضت السلطة تطبيق قرار المحكمة العليا القاضي بالإفراج عن أحمد سعادات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، خوفا من إغضاب إسرائيل، واحتراما لالتزاماتها تجاه الإدارة الأميركية، وعلى نفس الخلفية تجاهلت السلطة عشرات القرارات التي أصدرتها المحكمة.في المقابل كانت السلطة وما زالت ترفض تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم الفلسطينية بحق العملاء الذين أدينوا بالتخابر مع إسرائيل وتقديم معلومات أدت إلى قتل وجرح المقاومين الفلسطينيين، كترجمة لاحترام التزامات السلطة لإسرائيل، مع أن السلطة نفذت أحكام الإعدام في بعض الذين أدينوا بجرائم قتل على خلفيات جنائية.إن هذه الانتقائية في تطبيق قرارات المحاكم يفاقم مظاهر الفلتان الأمني، لأن عدم تطبيق السلطة لأحكام القضاء الصادرة بحق العملاء يدفع حركات المقاومة للقصاص منهم، على اعتبار أن هذه الحركات وعناصرها أكثر المتضررين من عمل هؤلاء العملاء.وإذا كان الفلتان الأمني هو وليد انعدام احترام سيادة القانون، فإنه دون إعادة الاعتبار للقضاء الفلسطيني واحترام قراراته بوصفها المرجعية النهائية للسلطة، وليس الاتفاقيات الموقعة مع هذا الطرف أو ذاك، فإن مظاهر الفلتان الأمني ستتواصل وتتفاقم في حال ما إذا لم تغير السلطة من طريقة تعاملها مع القضاء ومؤسساته.ولأن النظام السياسي الفلسطيني أولى ضمان فرض احترام التزامات السلطة السياسية المكانة الأهم، فقد رفع من مكانة أولئك الذين يتولون فرض احترام هذه الالتزامات، ألا وهم قادة الأجهزة الأمنية ومنتسبوها، فأصبح من المسلم به أن يتجاوز هؤلاء القانون، فيتورطوا في عمليات العربدة والفساد والإفساد، ويفرضوا الإتاوات على الناس.ويمتلئ أرشيف المجلس التشريعي بالتقارير التي توثق تجاوزات قادة الأمن ومسؤولي السلطة، دون أن يتخذ إجراء حقيقي لوقف هذه التجاوزات. وهذا هو الذي يفسر مسؤولية منتسبي الأجهزة الأمنية حاليا عن معظم مظاهر الفلتان الأمني، إذ إن النظام السياسي منح هؤلاء الشعور بأنهم فوق القانون.

وبسبب غياب الأجندة الوطنية لدى هؤلاء فإنهم لا يبدون استعدادا للتعاون في تنفيذ الخطط الأمنية الهادفة إلى الخلاص من مظاهر الفلتان الأمني كما فضح ذلك وزير الداخلية، لأنهم يرون أن هذه البيئة مناسبة لتحقيق مصالحهم الخاصة. اتساع نطاق الفوضى وازدياد حالة التوتر والاحتقان والمشاحنات في الوضع الداخلي الفلسطيني من شأنه أن يؤكد الرواية الإسرائيلية إزاء غياب الشريك الفلسطيني وأن يبرر السياسات العدوانية الإسرائيلية
"

التوظيف الإسرائيلي

الذي يزيد من خطورة آثار مظاهر الفلتان الأمني وعجز السلطة الفلسطينية عن وضع حد له هو أن السلطة حاليا مطالبة بالوفاء بالكثير من الاستحقاقات الداخلية بعد تنفيذ خطة "فك الارتباط".ففي حال تسلم السلطة قطاع غزة وشمال الضفة الغربية وحالة الفلتان الأمني على حالها، فإن هذا سيمد ماكينة الدعاية الإسرائيلية بمزيد من الأدلة لتؤكد للعالم أنه لا يوجد في الجانب الفلسطيني من يستحق أن يتسلم المسؤولية عن مزيد من المناطق في الضفة الغربية.ومن وجهة النظر الإسرائيلية فإن اتساع نطاق الفوضى وازدياد حالة التوتر والاحتقان والمشاحنات في الوضع الداخلي الفلسطيني، من شأنه أن يؤكد الرواية الإسرائيلية إزاء غياب الشريك الفلسطيني وأن يبرر السياسات العدوانية الإسرائيلية ويخفف حدة الضغوط الدولية على الدولة العبرية، ويعفيها من واجب القيام بمزيد من الانسحابات في الضفة.لقد أدت حالة الفلتان الأمني إلى مساعدة بعض الأوساط في السلطة في تعويم الجدل حول سلاح المقاومة، فهذه الأوساط أصبحت تشدد على أن الخطوة الأولى لمعالجة الفلتان الأمني هي جمع السلاح من حركات المقاومة كخطوة أولى على أن يتم تفكيكها وتحويلها إلى أحزاب سياسية على اعتبار أنه لا مبرر لبقاء تشكيلاتها العسكرية بعد فك الارتباط.مع أنه كما بات واضحا أن الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة المرتبطة بها هي المسؤولة عن معظم مظاهر الفلتان الأمني، وهذه الدعوات تنسجم مع المطالب الإسرائيلية والأميركية بنزع سلاح المقاومة وتفكيك حركاتها.

 

حلقات مفقودة في معالجة الفلتان

إن أول خطوة في معالجة الفلتان الأمني تكمن في إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني، وتحديد وظائفه على أسس جديدة بناء على سلم الأولويات الوطنية الفلسطينية، وليس على أساس الموقف من التزامات السلطة الفلسطينية مع إسرائيل التي لم تحترم التزاماتها في يوم من الأيام.يجب الاستغناء عن الكثير من الأجهزة الأمنية التي أنشئت لمجرد خلق توازنات تخدم مراكز القوى داخل السلطة، وأسهم وجودها والتنافس بينها في تفاقم الفلتان الأمني.يجب أن يضمن النظام السياسي الفلسطيني احترام سيادة القانون وقرارات مؤسسات القضاء، والاحتكام لهذه المؤسسات، كما أن هناك حاجة إلى إعداد إطار قانوني على شكل قوانين أساسية من قبل المجلس التشريعي لضمان عمل الأجهزة الأمنية في إطار القانون فقط، ومحاسبة قادة الأجهزة الأمنية ومسؤولي السلطة المتورطين في عمليات الفساد ومظاهر الفلتان الأمني بأثر رجعي حتى يطمئن المواطن الفلسطيني إلى أن الجميع سواسية أمام القانون، لأن غياب المساواة أمام القانون والانتقائية في تطبيق أحكامه هو الذي شجع الناس على تجاوزه عندما ضعفت السلطة وتهاوت هيبتها.في نفس الوقت يجب الاستغناء عن الكثير من الأجهزة الأمنية التي أنشئت لمجرد خلق توازنات تخدم مراكز القوى داخل السلطة، وأسهم وجودها والتنافس بينها في تفاقم الفلتان الأمني، كما يجب استخدام الموازنات الضخمة نسبيا المخصصة لهذه الأجهزة في إقامة مشاريع اقتصادية مدنية لاستيعاب العاطلين عن العمل، مع العلم بأن البطالة هي أحد أسباب ارتفاع معدلات الجريمة والفلتان الأمني.الآثار بالغة السوء التي يتركها الفلتان الأمني على الواقع الفلسطيني الداخلي تكفي لحث الجميع على التحرك لوقفه وبأقصى سرعة، كما أن مخاطر الاستغلال الإسرائيلي لهذا الواقع تجعل هذه المهمة أكثر إلحاحا، فإسرائيل تسعى لاستغلال الفلتان الأمني دليلا على عدم أهلية الفلسطينيين لإدارة دولة والمسؤولية عن وطن

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر