موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الجدار حول القدس .... مقدمات الانتفاضة الثالثة

 

  الجزيرة نت  15-7-2005

ليس من المبالغة القول أن القرار الذي أتخذته الحكومة الإسرائيلية الأحد الماضي، والقاضي باستكمال بناء الجدار الفصل العنصري حول مدينة القدس حتى مطلع ايلول المقبل كحد أقصى، هو أخطر اجراء تقدم عليه الدولة العبرية بعد قيامها باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967. فبعد اقرار إسرائيل مؤخراً أنها لا تقوم ببناء الجدار فقط لدواعي أمنية، بل أيضاً من اجل مصادرة الاراضي الفلسطينية، فأن القرار الأخير يحسم عملياً لصالح إسرائيل أربعة من قضايا الحل الدائم التي من المفترض أن تتعاطى معها أي تسوية سياسية للصراع بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال، وهي القدس، والتجمعات الاستيطانية ، وخط الانسحاب النهائي، وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي ينشأ بعد أي تسوية سياسية. ونحن هنا بصدد رصد تأثير القرار الأخير على كل من هذه القضايا:

القرار كضمانة لتهويد القدس

من أخطر التداعيات للقرار الأخير هو العمل على استكمال تهويد مدينة القدس بشكل حاسم. ويمكن الإشارة الى اثنتين من آليات التهويد التي يغذيها هذا القرار:

1-   حسم الصراع الديموغرافي لصالح اليهود: بعد إستكمال مسار الجدار حول المدينة فأن خمس وخمسين الف مقدسي سيجدون انفسهم خارج حدود المدينة في المرحلة الأولى، وهذا العدد مرشح للارتفاع ليصل الى مائة الف مقدسي، لأن القرار يمهد الطريق في المستقبل لسلخ الاحياء الفلسطينية جنوب المدينة عنها وضمها للضفة الغربية. ويأتي هذا القرار في ظل سلسلة من الاغراءات التي أعلنت عنها الحكومة الإسرائيلية لجذب اليهود للاستيطان في القدس ومحيطها. فقد قررت الحكومة الاسرائيلية تقديم تسهيلات كبيرة لكل يهودي يستعد للاستيطان في القدس ومحيطها، عن طريق توفير فرص عمل كثيرة ومغرية عبر اقامة مناطق صناعية ومرافق سياحية، الى جانب تقديم تسهيلات ضريبية كبيرة، في نفس الوقت فأن الحكومة تقدم قروضاً ميسرة جداً للتسهيل على اليهود شراء شقق في الاحياء الاستيطانية داخل المدينة وحولها. ويقوم ممثلو الوكالة اليهودية بالتجوال في أرجاء العالم لحث اليهود على تفضيل الاستيطان في القدس عندما يهاجرون للدولة العبرية.

2-   توفير احتياطي أراضي لأقامة مزيد من المستوطنات: لم يقم الجدار العنصري بطرد عشرات الالاف من الفلسطينيين من مدينتهم فحسب، بل أنه عمل على مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية. فالجدار الذي يتلوى حول المدينة أوجد مساحات واسعة من الأراضي الشاسعة الخالية التي بالامكان استغلالها في اقامة مزيد من الاحياء الاستيطانية. فمثلاً الجدار الذي يصل القدس بمستوطنة " معاليه ادوميم " كبرى مستوطنات الضفة الغربية مكن سلطات الاحتلال من استغلال الأراضي الواقعة بين القدس وتلك المستوطنة في الشروع في مشروع " E1 " والذي يهدف الى بناء الاف الوحدات السكانية لاستيعاب عشرات الالاف من اليهود.

 

ضم التجمعات الاستيطانية

استكمال الجدار في محيط القدس يعني أيضاً ضم عدد من أهم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية لبلدية الاحتلال في القدس. فمسار الجدار حول المدينة يعني ضم مستوطنة " معاليه ادوميم " الواقعة الى الشمال الشرقي من المدينة، وكذلك ضم التجمع الاستيطاني " غوش عتصيون "، الذي يعتبر من اكبر التجمعات الاستيطانية  في الضفة الغربية، والذي يضم عشرات الالاف من المستوطنين اليهود. ويتمثل خطورة هذا الاجراء في أنه يستبق الحل الدائم ويضم تجمعات استيطانية لبلدية الاحتلال، أي لاسرائيل، بحيث أنه عند التفاوض حول التسوية الدائمة، فأن الدولة العبرية ستعتبر مصير التجمعات الاستيطانية خارج نطاق التفاوض. صحيح ان ليس جميع التجمعات الاستيطانية الكبيرة تقع في محيط القدس، لكن تكريس ضم بعضها لبلدية الاحتلال، يعني حدوث سابقة تسمح للدولة العبرية بضم بقية التجمعات لها. واذا اخذنا بعين الاعتبار رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس الامريكي جورج بوش لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون خلال فترة رئاسته الأولى والتي اعلن فيها تأييد واشنطن لقيام اسرائيل بضم هذه التجمعات لها، فأن تل ابيب تشعر أن لديها غطاءاً دولياً لمواصلة ضم هذه التجمعات. دور الجدار العنصري حول القدس في تسهيل ضم التجمعات الاستيطانية لاسرائيل يساهم بشكل مباشر في مساعدة الحكومة الإسرائيلية على قطع شوط كبير في انجاز خطة "القدس الكبرى " التي وضعها شارون في العام 1997 عندما كان وزيراً للبنى التحتية في حكومة بنيامين نتنياهو ، والتي اعتبرها في حينه أهم منجزات المشروع الصهيوني في فلسطين. ويهدف المشروع الى تحقيق هدفين اساسيين: زيادة عدد اليهود في القدس ومحيطها الى مليون يهودي، وبسط بلدية الاحتلال في المدينة على خمس وعشرين بالمائة من مساحة الضفة الغربية.  من هنا فأن ضم التجمعات الاستيطانية لبلدية الاحتلال في القدس، لا يساهم فقط في تهويد القدس وحسم الصراع الديموغرافي لصالح اليهود، بل ايضاً يساعد على نهب مزيد من أراضي الضفة الغربية لصالح اسرائيل.

 

الجدار كمحدد لخط الانسحاب النهائي

تشدد السلطة الفلسطينية على أنها لن توقع على أي تسوية سياسية لا تلتزم فيها اسرائيل بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران لعام 1967، وتعتبر هذا من أهم الثوابت الوطنية الفلسطينية لاي تسوية. وبعد قرار اسرائيل باستكمال الجدار حول القدس المحتلة، وفي حال ظلت السلطة الفلسطينية وفية لثوابتها، فأنه يمكن القول أن تسوية سياسية لن تتحقق بين اسرائيل والسلطة. إذ أن المسار الجديد حول القدس، مثله مثل سائر مسارات الجدار الأخرى يندفع في قلب الضفة الغربية متجاوزاً الخط الأخضر، الذي كرس عملياً الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل. وانطوى القرار الذي اتخذته اسرائيل على العديد من الدلالات السياسية، أهمها قرارها بأنشاء معابر حدودية على طول المسار الجديد حول القدس، أي أن الدولة العبرية تعتبر هذا المسار هو خط الحدود النهائي بين القدس وبقية ارجاء الضفة الغربية، مع  العلم أن دولة الاحتلال قررت اقامة معابر حدودية على جميع مسارات الجدار الاخرى في ارجاء الضفة الغربية، لتؤكد على الغاء الخط الاخضر، وتكريس الجدار كخط حدود سياسي بين الدولة العبرية والضفة الغربية. وأكدت اسرائيل في السابق في اكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة تدعم توجهها هذا.

 

عدم السماح بدولة فلسطينية " قابلة للحياة "

تصر السلطة الفلسطينية على أن أي تسوية سياسية يجب أن تؤدي الى دولة فلسطينية " قابلة للحياة " في الضفة الغربية وقطاع غزة. و بعد قرار اسرائيل الأخير، فلا مجال لتحقيق هذا الهدف عبر الوسائل السلمية. فإذا كان اهم متطلبات ايجاد دولة قابلة للحياة هو التواصل الاقليمي بين أجزائها، فأن مسار الجدار حول القدس يقضي تماماً على أي امكانية لتحقيق هذا الشرط من شروط الدولة. فمسار الجدار يقسم عملياً الضفة الغربية الى قسمين كبيرين، قسم يقع جنوب الجدار، واخر يقع للشمال من الجدار، ولا يوجد بينهما أي تواصل اقليمي.

من هنا فأنه مما تقدم يتبين حجم مساهمة مسار الجدار العنصري الذي تبنيه الدولة العبرية حول القدس في حسم أي تسوية سياسية مستقبلية لصالح دولة الاحتلال.

 

" فك الارتباط " للتغطية على اهداف الجدار

من نافلة القول أنه لم يكن ليتسنى للدولة العبرية أن تواصل بناء جدار الفصل العنصري لولا الأصداء التي أحدثتها خطة " فك الارتباط " التي تتضمن اخلاء مستوطنات قطاع غزة واربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية. فتعاطي العالم مع هذه الخطة وكأنها تمثل " تنازلات قاسية " أقدم عليها شارون، ساعد على اختفاء الضغوط الدولية تقريباً على اسرائيل بسبب بناء الجدار، على الرغم من أن محكمة العدل الدولية اصدرت قراراً تاريخياً اعتبرت فيه الجدار غير قانوني ودعت الى هدمه، وتعويض المواطنين الفلسطينيين الذين تضرروا من اقامته. ولو افترضنا أنه يجوز لدول العالم أن تتعاطى مع خطة فك الارتباط وتغفل المخاطر التي يشكلها الجدار، فأنه لا يمكن تفهم أن تتغاضى السلطة الفلسطينية والدول العربية عن هذه المخاطر، من اجل التساوق مع خطة " فك الارتباط "، على الرغم من أنها خطة " احادية الجانب ". فالسطة الفلسطينية انتقدت قرار اسرائيل باستكمال الجدار حول القدس المحتلة فقط كضريبة كلامية، وفي نفس الوقت تواصل لقاءات التنسيق مع الجانب الاسرائيلي في كل ما يتعلق بخطة " فك الارتباط ". أما مصر فتوشك على توقيع اتفاق مع اسرائيل ينظم دورها الأمني في خطة  " فك الارتباط ". أنه كان يتوجب على كل من السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية بوصفها الطرف العربي المرشح للعب اكبر دور في خطة " فك الارتباط "، أن تشترط أي تنسيق مع اسرائيل في تنفيذ هذه الخطة بوقف اسرائيل لاقامة هذا الجدار، أو على الاقل اقامته على طول الخط الأخضر الذي يقارب خط الرابع من حزيران للعام 67. لقد كان من المفترض على السلطة الفلسطينية، وبدلاً من ذبح الوقت في  لقاءات التنسيق الفارغة مع الجانب الاسرائيلي،  أن تعمل على تجنيد الرأي العام العالمي لهدم الجدار الفاصل، والتشديد على أنه لا يمكنها أن تعلب أي دور في خطة " فك الارتباط "، التي تأتي للتغطية على المخاطر التي تمثلها اقامة الجدار الفاصل، وتحديداً في محيط القدس. لماذا لم تستغل السلطة الفلسطينية اقرار اسرائيل العلني بأنها لم تقم ببناء الجدار الفاصل لدواعي امنية فقط، لكي تفضح المرامي الاسرائيلية من وراء هذا الجدار.

 

الجدار كمدعاة لتفجر انتفاضة ثالثة

إن كان الجدار يلعب كل هذا الدور في حسم الحقائق على الأرض لصالح الدولة العبرية، فأنه في المقابل يقضي على أي امكانية للتوصل لتسوية سياسية، حتى في الحدود الدنيا المقبولة فلسطينيا. من هنا فأن كل الظروف باتت مهيأة حالياً لاندلاع انتفاضة ثالثة للتأكيد على رفض الشعب الفلسطيني بقبول ما تحاول الدولة العبرية فرضه من خلال هذا الجدار القاتل. فليس من المنطق أن يتوقع أحد أياً كان من الشعب الفلسطيني أن يقبل بالحقائق التي يرسيها جدار النهب العنصري، ويسلم بعملية التطهير العرقي التي تقوم بها دولة الاحتلال لعشرات الالاف من الفلسطينيين، واجتثاثهم من القدس. أن على الجميع في الساحة الفلسطينية، سلطة وفصائل، ألا يسقطوا ضحايا للتضليل المتعمد حول " فك الارتباط " والتلهي بمعارك جانبية هامشية مثل " المعارك الانتخابية الوهمية "، والجدل حول تشكيل حكومة وحدة وطنية وغيرها من التقاليع الموسمية، اللهم الا إذا كانت على قاعدة التصدي لمخاطر الجدار .

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر