موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ماذا بعد إستقالة أولمرت ؟

يحاول زعيم المعارضة اليمينية في إسرائيل بنيامين نتنياهو استغلال قرار رئيس الوزراء إيهود أولمرت الإستقالة بعد اجراء الانتخابات التمهيدية لاختيار خلفاً له في زعامة حزب " كاديما " الحاكم من أجل تهيئة الظروف أمن أجل عودته مجدداً للحكم. ويحاول نتنياهو تحقيق هدفين، وهما:منع خليفة أولمرت في زعامة حزب " كاديما " من تشكيل حكومة بديلة والدفع نحو اجراء انتخابات مبكرة،  ثم نزع الشرعية عن أي خطوة سياسية أو عسكرية قد يقدم عليها أولمرت قبل مغادرته منصبه.نتنياهو يشاهد تعاظم حرب الخلافة في داخل حزب كاديما بعد إعلان أولمرت المفاجئ. فعلى الرغم من أن قادة الحزب باركوا إعلان أولمرت الإستقالة، إلا أنهم في الوقت ذاته شهروا سكاكينهم ضد بعضهم البعض. وإن كان هناك أربعة من قادة الحزب يتنافسون على خلافة أولمرت، فأن التنافس الحقيقي ينحصر بين وزيرة الخارجية تسيفي ليفني ووزير المواصلات شاؤول موفاز. وتدلل استطلاعات الرأي التي أجريت في أوساط مؤيدي حزب " كاديما " على أن ليفني تتفوق على موفاز بفارق بسيط ، إلا أن بعض المراقبين يرون أنه من غير المستبعد أن يحقق موفاز مفاجأة بسبب قدراته التنظيمية وطاقم المساعدين ذو التجربة في العمل الحزبي الذي يعمل الى جانبه. وواضح تماماً أن خليفة أولمرت في زعامة " كاديما " سيسعى الى تحقيق ما يخشاه نتنياهو وهو تشكيل حكومة جديدة. وفي حال فازت ليفني فأن فرصها في تشكيل حكومة بديلة ستكون ضعيفة جداً، حيث أن الأحزاب الدينية وتحديداً حركة شاس لن تسارع إلى الإنضمام الى حكومة برئاستها، لأنها إمرأة، والأحزاب الدينية التي تشكل لسان الميزان في الحكومات الإسرائيلية لا تفضل تنصيب إمرأة على رأس الحكومات، وقد ألمح أكثر من قيادي في حركة شاس الدينية الى ذلك في أكثر من مناسبة. في نفس الوقت فأن موقف ليفني من العلاقة بين الدين والدولة تثير حفيظه الأحزاب الدينية، فضلاً عن أن هناك شكوك في قدراتها على إدارة شؤون الدولة في ظل التحديات الأمنية التي تعيشها، سيما وأنها تعتبر شريك أساسي في فشل حرب لبنان الثانية.  وفي حال عجزت ليفني عن تشكيل حكومة فأنه لن يكون هناك مفر من حل الكنيست والدعوة لإنتخابات تشريعية جديدة. وفي المقابل و في حال فاز موفاز فإن فرص نجاحه في تشكيل حكومة ستكون كبيرة، حيث أنه من الممكن أن يحافظ على الإئتلاف الحاكم في وضعه الحالي، بسبب تفضيل حركة شاس له، بسبب اصول شرقية ، فضلاً عن اعلانه اكثر من مرة استعداده لمساعدة مؤسساتها الدينية والتعليمية في الحصول على موازنات، الى جانب أن موفاز وبسبب خلفيته العسكرية يعتبر في نظر الكثيرين أهلاً لإدارة شؤون الدولة في زمن المخاطر الأمنية. وعلى الرغم من أن كل استطلاعات الرأي العام التي أجريت تدلل على أن نتنياهو هو الأكثر شعبية من بين قادة الأحزاب الإسرائيلية، إلا أن هذه الإستطلاعات تؤكد أن الفجورة بين ليفني ونتنياهو ليست كبيرة. ومن أجل تقليص قدرة خليفة أولمرت على تشكيل حكومة جديدة، فقد أعلن نتنياهو بشكل لا يقبل التأويل أن حزبه لن يشارك في أي حكومة جديدة وأنه يصر على حل الكنيست والدعوة لإنتخابات جديدة. وفي نفس الوقت فقد شرع في تحرك من أجل اقناع قيادة حركة شاس الروحية بعدم الموافقة بحال من الأحوال على الإنضمام لحكومة يشكلها خليفة أولمرت في زعامة " كاديما ".

ومما لا شك فيه أن فوز نتنياهو المرتقب في الإنتخابات القادمة سيشكل صفعة قوية لقيادة السلطة الفلسطينية والبرنامج السياسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس. وأن كان أبو مازن لا يترك مناسبة دون التذكير بأن عامين من المفاوضات والإتصالات السرية مع حكومة أولمرت لم تسفر عن أي شئ، إلا أن فوز نتنياهو سيقضي تماماً على أي هامش مرونة يمكن أن يساعد عباس على التشبث ببرنامجه السياسي. فنتنياهو يرفض أن يناقش مع الفلسطينيين أي من قضايا الحل الدائم، مثل القدس واللاجئين والحدود. ويرفض بشدة فكرة منح الفلسطينيين أي موطأ قدم لإقامة دولة لهم. نتنياهو يستغل قدراته الإعلامية في إستثارة مشاعر الخوف في نفوس الإسرائيليين من مثل هذه الدولة. ودائماً ما يحرص على القول " لن نقبل بإقامة قاعدة للإسلام المتطرف على بعد بضع مئات من الأمتار من عاصمة إسرائيل القدس ". الصيغة السياسية التي يراها نتنياهو مناسبة للتعاطي مع الفلسطينيين هي الحكم الذاتي بإشراك الأردن. نتنياهو أبدى مؤخراً أكثر من مرة تحمسه لفكرة تولي الاردن إدارة شؤون الحياة في التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، في حين تواصل إسرائيل السيطرة على أكثر من 70% من مساحة الضفة. لكن أكبر تحدي سيواجه الفلسطينيين والعرب لا يتمثل في الأفكار التي يحملها نتنياهو، بل في طبيعة الإئتلاف الحاكم الذي سيرأسه في حال فوزه.  فأحد شركاء نتنياهو الطبيعيين في الحكومة القادمة سيكون حزب " إسرائيل بيتنا " اليميني المتطرف، الذي يرأسه افيغدور ليبرمان. ويصر ليبرمان على تولي منصب وزير الدفاع في أي حكومة يشكلها نتنياهو مستقبلاً. وفي حال تحقق ذلك فأن الفلسطينيين والعرب بشكل عام سيتعرضون لتحديات هائلة. فليبرمان يطالب بفرض السيادة اليهودية على منطقة المسجد الأقصى، ومنع المسلمين من الصلاة فيه بزعم أن المسجد مقام على انقاض " الهيكل " المزعوم. وليبرمان يطالب بتصفية جميع قيادات حركة حماس وقصف التجمعات السكانية الفلسطينية بشكل عشوائي، وإسقاط حكومة حماس. ولم يتردد ليبرمان في الماضي في المطالبة بمعاقبة مصر عبر قصف السد العالي، وإذلال الرئيس السوري بشار الأسد عبر قصف قصره الرئاسي في دمشق.

أي كانت النتائج التي تسفر عنها تقلبات السياسة الإسرائيلية الداخلية، فأنه يثبت مرة أخرى بؤس رهان الفلسطينيين والعرب على هذه التقلبات. فواضح تماماً لو أن نتنياهو كان يدرك أن هناك موقف عربي موحد وحازم  يقوم  على ليس فقط على رفض أفكاره، بل وبذل أقصى الجهد من أجل الحيلولة دون تطبيق هذه الأفكار، لما تجرأ على طرحها.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر