موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
وثيقة أولمرت.........الشيطان في التفاصيل !!!

بغض النظر عن الموقف الفلسطيني المعلن منها، فأن وثيقة " اتفاق المبادئ " التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت على الرئيس الفلسطيني أبو مازن كإطار لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مهمة جداً، لأنها أولاً تمثل " حد التنازلات الأقصى الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل "، وثانياً لأنها تعكس بشكل واضح وجلي مرامي إسرائيل الحقيقية من المفاوضات مع السلطة. وللأسف فأن كل التحليلات والتعليقات التي تناولت هذه الوثيقة لم تشر الى الكثير من هذه المرامي رغم وضوحها وجلائها. ولعل أخطر ما في الوثيقة هو أن تنفيذها مشروط باندلاع حرب أهلية بين الفلسطينيين. فبعد أن استفاضت في طرح إستحقاقات السلطة وإسرائيل، فأن اشتملت على ملاحظة بالغة الخطورة، حيث يشترط أولمرت قيام إسرائيل بأي إنسحاب من الأراضي المحتلة  باستعادة منظمة التحرير وحركة " فتح " السيطرة على قطاع غزة. ولما كان أولمرت يرفض بشكل قاطع الحوار الوطني بين الحركتين، فأنه يفترض أن تستعيد منظمة التحرير السيطرة على غزة بإندلاع حرب أهلية. وما تقوله الوثيقة بشكل غير مباشر هو أنه في حال لم تندلع الحرب الأهلية الفلسطينية فأن الإتفاق سيبقى حبراً على ورق، ولن يطبق منه شيء. ولكن ما العرض الذي يقدمه أولمرت لإغراء الفلسطينيين للوقوع في الحرب الأهلية؟.  الإجابة على هذا السؤل مهمة لأن ما تضمنته تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية لما ورد في الوثيقة ينطوي على كثير من التضليل. فقد نسبت الصحف الاسرائيلية الى أولمرت استعداده لقبول قيام دولة فلسطينية على 93% من مساحة الضفة الغربية، لكن من يدقق في التفاصيل كما وردت في الوثيقة، فأنه يتضح له بشكل واضح أن أولمرت يقترح في الواقع انسحاباً من 58% من مساحة الضفة الغربية، حيث أن أولمرت يريد الإحتفاظ بالقدس التي تشكل 15% من مساحة الضفة، ومنطقة غور الأردن التي تشكل 20% من مساحتها، والتجمعات الإستيطانية التي تنتشر على 7% منها.

خارطة الضفة الغربية بعد تنفيذ هذه الوثيقة ستبدو كجلد النمر، حيث تظهر التجمعات السكانية الفلسطينية كبقع صغيرة، بدون أي تواصل جغرافي، تفصل بينها التجمعات الإستيطانية اليهودية. وللأسف الشديد فأن معظم الذين تطرقوا لهذه الوثيقة لم ينتبهوا الى نقطة بالغة الخطورة تتعلق بفكرة تبادل الأراضي بين إسرائيل والدولة الفلسطينية العتيدة التي تنص عليها الوثيقة. صحيح أن أولمرت يبدي استعداداً لتعويض الفلسطينيين عن الاراضي التي سيفقدونها في الضفة ب 5% من مساحة صحراء النقب، لكن قادة حزبه، الذين سيرثون منصبه عما قريب يؤكدون أنهم مستعدون لمبادلة التجمعات الاستيطانية اليهودية في الضفة فقط بالتجمعات السكانية لفلسطينيي 48، وتحديداً مدينة " أم الفحم "، بحيث يتم ضم هذه المدينة للكيان الفلسطيني العتيد مقابل ضم التجمعات الاستيطانية لإسرائيل، وذلك للتخلص من الثقل الديموغرافي الفلسطنيي داخل إسرائيل وفي نفس الوقت التخلص من الدور والتأثير الذي تمارسه الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، التي تتجمع نواتها الصلبة في هذه المدينة. أي أن أولمرت يريد من أبو مازن الموافقة على أن تضم إسرائيل المستوطنين وفي نفس الوقت تقوم  فيه إسرائيل بطرد أصحاب الأرض الفلسطينيين

وتنص وثيقة أولمرت على تكريس الوقائع التي  أوجدها جدار الفصل العنصري، حيث تنص على أن يكون هذا الجدار هو خط الحدود النهائي بين الضفة الغربية، أي أن خط الرابع من حزيران للعام 1967 لم يعد قائماً. ويبدي أولمرت استعداده لوجود ممر بين الضفة الغربية وقطاع غزة لكن هذا الممر يبقى تحت السيادة الإسرائيلية.وحسب أولمرت فأن الإتفاق يتضمن موقفاً صارماً من قضية اللاجئين، حيث يؤكد رفضه المطلق تنفيذ حق العودة لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني الى الأراضي التي شردوا منها. وأكثر ما يعرضه أولمرت هو السماح بعودة لاجئين الى الأراضي التي يقام عليها الكيان الفلسطيني الجديد. وفق هذا الاقتراح ستكون الدولة الفلسطينية الجديد منزوعة السلاح لا تملك جيش، ولا تملك سلاح ثقيل، أو مدرعات أو مدافع أو صواريخ أو سلاح جو، وتحظر الوثيقة على هذه الدولة عقد  الاحلاف العسكرية بين الدولة الفلسطينية والدول الاخرى، كما أن لإسرائيل الحق في الاحتفاظ بمحطات انذار مبكر فوق قمم جبال الضفة الغربية. وبعد الإعلان عن " الدولة " الفلسطينية، فأن الجيش الإسرائيلي هو الذي سيحيطها من كل الجهات، حيث تنص الوثيقة على تواجد الجيش الاسرائيلي على طول نهر الاردن، كما أن هذا الجيش سيواصل الاحتفاظ بتواجد دائم في معابر الحدود بين الدولة العتيدة والخارج، فضلاً عن استمرار السيطرة الاسرائيلية في المجال الجوي للضفة الغربية وقطاع غزة.و" الدولة " الفلسطينية ستكون ناقصة السيادة، حيث أن أولمرت يصر على

ضمان حق اسرائيل  والمستوطنين  في الوصول الى محاور السير في عمق الضفة الغربية.

أولمرت لم يدع مجالاً للشك عندما أكد أن الإصرار على ما جاء في هذه الوثيقة يضمن لإسرائيل تحقيق انجازات هائلة لأنها تضمن اعتراف العالم وتحديداً الشعب الفلسطيني بشرعية إسرائيل، كما أنه يضع حداً للدعوات المطالبة بالإعلان عن دولة ثنائية القومية.

إذن الشيطان في التفاصيل، فأولمرت يقترح على الفلسطينيين الحرب الأهلية، ويكافئهم برفض حق اللاجئين في العودة وعدم الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران وتصفية قضية القدس وغيرها.

فهل هذا الأفق الذي قاد إليه أنابوليس .




مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر