موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بنت إيتان الرهيب على خطى جولدا مائير !!!

منذ تولت تسيبي ليفني منصب وزيرة خارجية إسرائيل وهي تطلق تصريحات عن أهمية السلام مع الفلسطينيين، لدرجة أن بعض السياسيين الفلسطينيين اعتبروها شريكا في عملية التفاوض.

لكن العديد من بني جلدتها يرجحون أن تتبنى -بعد أن فازت بزعامة حزب كاديما الحاكم الأربعاء 18-9-2008- نفس تشدد رئيسة الوزراء الراحلة جولدا مائير، الشهيرة بـ"الرجل الوحيد في حكومتها".

وما بين الرأيين السابقين يبقى من الضروري إلقاء الضوء على جانب من تاريخ تسيبي  وأقوالها البعيدة عن وسائل الإعلام.

 فـ"تسيبي" (50 عاما) هي ابنة "إيتان ليفني"، القائد السابق لشعبة العمليات بمنظمة "إتسل" الإرهابية، التي كان يقودها قبل عام 1948 مناحيم بيجين رئيس الوزراء الأسبق.

واشتهر "إيتان" بتخطيطه وإشرافه على تنفيذ عمليات تدمير البنى التحتية للشعب الفلسطيني، كتدمير شبكات الكهرباء والهاتف ومخازن الحبوب والمواد الغذائية، فضلا عن مسئوليته المباشرة عن تنفيذ العديد من المجازر، لعل أبشعها مجزرة "دير ياسين".

وعُرف والد تسيبي بين زملائه بـ"إيتان الرهيب"، تعبيرا عن بطشه بلا رحمة بالقرويين الفلسطينيين، وفقا لتعبير الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت، المعلق الرئيسي بصحيفة "معاريف".

في بيت هذا الرجل ولدت تسيبي، وتشربت التطرف السياسي من أبيها، الذي أصبح فيما بعد نائبا بالكنيست (البرلمان) عن حركة "حيروت"، وهو نواة حزب "الليكود" اليميني.

ومنذ مرحلة الدراسة الثانوية تجلت روح التطرف في قناعات تسيبي السياسية، حيث شاركت في احتجاجات نظمها شبيبة "الليكود" الحاكم في سبعينيات القرن الماضي ضد زعيم الحزب، مناحيم بيجين، قبيل توقيعه اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع مصر.

 

جاسوسة في أوروبا

وقبيل انتهاء فترة خدمتها العسكرية، تلقت تسيبي رسالة موقعة من رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية "الموساد"، شفطاي شفيت، تحمل رغبة الجهاز في تجنيدها لما أظهرته من تميز في تنفيذ المهام، وكذلك إجادتها اللغتين الفرنسية والإنجليزية، فضلا عن مظهرها الأوروبي.

وبالفعل تقرر إرسالها ضمن وحدات الموساد العاملة في أوروبا، وبرغم أنه ما من أحد تحدث عن طبيعة دورها هناك، فإن الصحفي الإسرائيلي، شلومو نكديمون، قال إن عميلات الموساد بأوروبا يلعبن دورا في تجنيد عملاء من الفلسطينيين والعرب عامة وحتى من الأوروبيين من خلال "الإغواء والإغراء".

وبعد أربع سنوات عادت تسيبي لتلتحق بكلية القانون في جامعة تل أبيب، وبعد تخرجها غيرت اتجاهها من المسار العسكري والاستخباراتي إلى مسار العمل الحزبي، حيث نشطت في "الليكود".

وفي عام 1996 عينها رئيس الوزراء حينئذ، بنيامين نتنياهو، مديرا لقسم الشركات الحكومية في وزارته، ثم تنقلت في العمل إلى أن انتخبت نائبة برلمانية عن "الليكود" بعد ثلاثة أعوام، وفي عام 2001 عينها رئيس الوزراء حينها، إريل شارون، وزيرة دولة بحكومته، ثم وزيرة للقضاء.

وكانت من المشاركين في تشكيل حزب "كاديما"، المنشق عن "الليكود" عام 2005، وبعدها تولت حقيبة الخارجية في حكومة الحزب، إلى أن فازت أمس بزعامة الحزب الحاكم، خلفا لإيهود أولمرت.

"الرجل الوحيد"

على عكس الروح المتفائلة التي تلقى بها بعض العرب اقتراب تسيبي من رئاسة الحكومة، معتقدين أنها ستمثل دفعة لعملية السلام، خاصة أنها رئيس الوفد المفاوض، فإن عددا من بني جنسها يرون هذا التفاؤل في غير محله.

من هؤلاء الكاتب جدعون ليفي، الذي قال في مقال بصحيفة "هاآرتس" تحت عنوان "جولدا الجديدة" إن تسيبي تحاول استنساخ الخط المتشدد لجولدا مائير، أول رئيسة وزراء إسرائيلية، والتي كانت تجاهر باستخفافها بالعرب وتقلل من أهمية التسوية معهم.

ويرى أن نفس اللهجة المتعجرفة تتعاطى بها تسيبي مع الفلسطينيين، مذكرا بقولها أثناء احتفال إسرائيل بالذكرى الستين لتأسيسها هذا العام: إن "بإمكان الفلسطينيين الاحتفال بعيد استقلالهم فقط بعد أن يحذفوا مصطلح النكبة من قاموسهم".

وذهب الكاتب إلى أن النساء اللاتي يشغلن مواقع سياسية بإسرائيل "يحاولن منافسة الساسة الرجال في تبني المواقف المتطرفة التي ألحقت بنا قدرا كافيا من المصائب والمحن".

وختم مقاله متوجها لتسيبي بقوله: "تراجعي عن تصريحاتك البائسة، وبرهني لنا أنك قادرة على التغير الحقيقي، ولا تكوني لا سمح الله الرجل الوحيد بالحكومة، كوني المرأة الحقيقية الأولى في قيادتها؛ فهذا هام للسياسة، وهام للسلام، وهام أيضا للمجتمع الإسرائيلي الشوفيني (المتعصب)".

ذئب بجلد خروف

ورغم مسارعة السلطة الفلسطينية إلى الترحيب بانتخاب تسيبي، واعتبارها "شريكا" للسلطة في مفاوضات السلام، فإن تصريحاتها ومواقفها في وزارة الخارجية وكرئيسة للوفد المفاوض مع السلطة تبين أنها لا تؤمن بأنها كذلك.

ففي أكثر من مرة أعلنت تسيبي رفضها أي حل وسط بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين، رافضة عودة أي منهم، كما ترفض الانسحاب من القدس الشرقية، وتعتبر أن انسحاب إسرائيل إلى ما قبل حدود حرب الرابع من يونيو 1967 "كارثة وطنية".
 
كذلك تعارض إجراء مفاوضات بين بلادها وسوريا، فضلا عن دعوتها للتخلص من فلسطينيي 48 بوصفهم "خطر ديموجرافي" على إسرائيل، إضافة إلى قولها إنها "عازمة على سحق التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني المتمثلة في استعادة حقوقه عبر استخدام القوة".

وبشكل علني تستخف تسيبي بالفلسطينيين، ففي لقاء برئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع على هامش مؤتمر "أنابوليس" للسلام في نوفمبر الماضي، وبحضور الرئيس الأمريكي جورج بوش، وجهت حديثها لقريع عندما اعترض على موقفها من القدس، قائلة: "لم آتي إلى هنا لسماع الكثير من الضوضاء، بإمكانك أن تقبل ما أقول أو أن تتوقف".

 

هل تصبح حاكمة؟

بعكس ما هو سائد في بعض التعليقات العربية والعالمية على انتخاب تسيبي زعيمة لـ"كاديما"، فإن هذا الفوز لا يمنحها تلقائيا الحق في أن تصبح رئيسة للوزراء؛ إذ إن أمامها مهمة صعبة جدا، إن لم تكن مستحيلة، لتشكيل الحكومة المقبلة.

فالأحزاب المشاركة حاليا في الائتلاف الحاكم، لا تبدي حماسا للبقاء في ائتلاف برئاسة تسيبي، كل لأسبابه الخاصة، باستثناء حزب "المتقاعدين" المتمسك بالبقاء في أي ائتلاف؛ لأن استطلاعات الرأي تكشف أنه لن يحصد أي مقعد في أي انتخابات مقبلة.

ومؤخرا تحول موقف زعيم حزب العمل، ووزير الدفاع، إيهود باراك، إلى رفض الاستمرار في الائتلاف بعد أن أصيب بالفزع من نتائج استطلاعات الرأي التي تظهر أن حزبه سيتحطم في الانتخابات المقبلة، بحيث أنه سيحصل على 12 مقعدا فقط مقابل 21 مقعدا في الكنيست حاليا؛ وهو ما جعله يعتقد أن فرصته في إنقاذ الحزب غير ممكنة إلا بالانتقال إلى صفوف المعارضة.

أما الشريك الثاني المهم لـ"كاديما"، والمتمثل في حركة "شاس"، فتضع أمام تسيبي شروطا تعجيزية لتبقى في الائتلاف، كزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي للأطفال، وزيادة الموازنات المالية لمؤسسات الحركة الدينية والتعليمية والاجتماعية، فضلا عن قبول تسيبي بقيود سياسية متمثلة في عدم منحها أي هامش مناورة عند التفاوض مع الفلسطينيين، لا سيما في قضايا القدس والحدود واللاجئين والتجمعات الاستيطانية.

بينما لا تبدي أحزاب اليمين، وعلى رأسها "الليكود"، أي استعداد للمشاركة في الائتلاف المقبل؛ راغبة في إجراء انتخابات مبكرة، لكون استطلاعات الرأي تظهر أنها ستحصل على أغلبية مقاعد الكنيست المقبل.

ما سبق يوضح أن هناك احتمالا قويا في أن تفشل تسيبي ليفني في تشكيل الحكومة، بعد أن يعلن أولمرت يوم الأحد المقبل رسميا تنحيه عن رئاسة الوزراء، لكن يبقى أمامها بصيص من الضوء إذا ما نجحت في إقناع باراك بالاستمرار في الائتلاف، وتفاهمت مع "شاس" حول مطالبها المالية والسياسية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر