موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل .....ظروف " مثالية " للمس ب " الأقصى

الجزيرة نت

تظاهر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي المتطرف تساحي هنغبي  مؤخراً بالشعور " بالقلق الشديد "، من إمكانية قيام تنظيمات إرهابية يهودية بالمس بالمسجد الأقصى المبارك وتفجير قبة الصخرة المشرفة، يثير بحد ذاته القلق ويطرح العديد من التساؤلات حول تواطؤ الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة العبرية مع هذه التنظيمات. وزعم هنغبي أن الذي دفعه للتحذير من هذه الإمكانية هو توفر معلومات استخبارية تؤكد عزم هذه التنظيمات على المس ب " الأقصى "، هو محض افتراء لم ينطل حتى على كبار قادة الأجهزة الأمنية المتقاعدين. فمنذ عامين يعلن جهاز المخابرات الاسرائيلية الداخلية " الشاباك"، ليس فقط عن توفر معلومات حول مثل هذه النوايا، بل ويؤكد أنه قام باعتقال العديد من الذين يشتبه بقيامهم بالتخطيط للمس بالمسجد الأقصى. لكن – وكما يقول – قادة " الشاباك " فأن تدخل وزراء الحكومة – وبالذات هنغبي - هو الذي يحول دون قيام الشرطة والأجهزة الاستخبارية من استنفاذ طاقتها في احباط هذه المخططات وتفكيك الخلايا الإرهابية التي تعكف على التخطيط على المس بالاقصى. تظاهر  هنغبي المعروف باستماتته في رفض القيام بأي عملية احترازية في أوساط جماعات  اليمين المتطرف التي تخطط للمس ب " الأقصى "، يأتي من باب مواجهة  الانتقادات الموجهة له ولحكومة شارون بشكل عام لدورها في توفير كل الشروط التي تسمح بتعاظم خطر التنظيمات. ومن ناحية ثانية يهدف هنغبي من تظاهره بالقلق الى دفع ضريبة كلامية فقط قبل أن ينجح اعضاء التنظيمات الإرهابية في تنفيذ مخططاتهم، لا سمح الله.

هنغبي يرفض التعاون لاحباط مخططات المس ب " الأقصى "

في العام 2003 كشف جهاز " الشاباك " النقاب عن قيامه بإعتقال أفراد ثلاث خلايا إرهابية خططت لتفجير المسجد الاقصى. أخطر هذه الخلايا، كانت خلية يسكن أعضاؤها بشكل خاص في مستوطنات " كريات اربع "، القريبة من الخليل، و" تفوح " جنوب نابلس، و " بات عاين"، القريبة من " بيت لحم". لدى أفراد هذه الخلية ضبط محققو " الشاباك " مخطط لتفجير المسجد الأقصى والعشرات من المساجد في الضفة الغربية وداخل إسرائيل. وحسب مصادر "الشاباك " فقد أتفق أفراد الخلية على تنفيذ مخططهم في نفس الوقت أثناء صلاة الجمعة، بحيث يؤدي ذلك الى قتل الالاف من المصلين. جهاز " الشاباك " أرتأى – أنه من الضروري  قبل تقديم لوائح اتهام ضد افراد الخلية – أن تقوم الشرطة باعتقال مستوطنين اخرين لهم علاقة بالخلية، الى جانب وجوب قيامتها بالتفتيش في كنس يهودية داخل المستوطنات توفرت معلومات تؤكد قيام افراد الخلية بتخزين مواد متفجرة فيها. لكن هنغبي –بوصفه وزير الأمن الداخلي، ومسؤولاً عن الشرطة، رفض الاستجابة لطلب " الشاباك"، بدعوى أنه لا يمكن أن يوافق على المساس بحرمة دور العبادة اليهودية، ولا يمكن ان يسمح باعتقال مزيد من المستوطنين بدعوى أن الشبهات حولهم ليست قوية. وكانت النتيجة أن قام " الشاباك " بالإفراج عن أفراد الخلية لعدم تمكنه من تقديم لائحة أتهام ضدهم. وقد أثار سلوك هنغبي حتى كبار قادة " الشاباك "، فقد قال نحمان طال، القائد السابق في الجهاز أن إصرار هنغبي على عدم السماح للشرطة بالتعاون مع " الشاباك "، في مجال احباط مخططات التنظيمات اليهودية الإرهابية، وبالذات تلك المتعلقة بالمسجد الأقصى يمكن أن يؤدي الى كارثة حقيقية. وفي حينه اتهم النائب اليساري يوسي ساريد علانية هنغبي ب " التواطؤ عملياً "، مع اعضاء التنظيمات الإرهابية.

 

ظروف " " مثالية لنمو التنظيمات الإرهابية

توفر الحكومة والجهاز القضائي الإسرائيلي ظروفاً مثالية لنمو التنظيمات الإرهابية التي تخطط لاستهداف " الأقصى ". فكلاً من الحكومة والجهاز القضائي يفرضان قيوداً كبيرة على عمل الأجهزة الأمنية لاحباط مخططات هذه التنظيمات. ففي الوقت الذي قضى فيه الكثيرون من الأسرى الفلسطينيين نحبهم بسبب عمليات التعذيب ، والتنكيل التي تعرضوا لها على أيدي محققي " الشاباك "، أثناء التحقيق معهم، فأن محققي " الشاباك " يحذر عليهم ممارسة أي نوع من أنواع الضغوط النفسية – وبالطبع الجسدية – على المشتبه بهم بالإنتماء للتنظيمات اليهودية الإرهابية مطلقاً. ومن المفارقات التي تكشف حجم التدليل الذي يحظى به أعضاء التنظيمات الارهابية اليهودية لدى التحقيق معهم في مقرات " الشاباك "، أن صحافياً اسرائيلياً توجه الى أحدهم بعد أن خضع للتحقيق، مستفسراً عن المعاملة التي لقيها من محققي "ا لشاباك"، فرد عليه بالقول: لقد تعرضت الى " تعذيب شديد". فسأله الصحافي: كيف عذبوك. فقال: لقد اجبروني على قراءة صحيفة " هآرتس "( صحيفة ذات توجهات ليبرالية يسارية )!!!!!

من ناحية ثانية يفرض الجهاز القضائي والحكومة قيودا كبيرة على  محاولات " الشاباك " زرع مخبرين له في أوساط التنظيمات الارهابية اليهودية، في الوقت الذي يسمح فيه لهذا الجهاز باتباع اكثر الوسائل خسة و قذارة لاجبار الفلسطينيين على التعامل معه. وقال عوزي كالو، الذي كان رئيسا ل " القسم اليهودي " في " الشاباك "، المختص بمعالجة خطر التنظيمات اليهودية، أن القيود التي فرضتها الحكومة والجهاز القضائي على " الشاباك " في كل ما يتعلق بزرع مخبرين داخل التنظيمات اليهودية جعل الجهاز عاجزاً عن ملاحقة أعضائها والكشف عن مخططاتهم. اللافت للنظر أن هذه القيود قد أدت الى عدم الكشف عن معظم عمليات القتل التي قامت بها التنظيمات الارهابية اليهودية ضد الفلسطينيين. لدرجة دفعت الكثير من كبار المعلقين في الدولة العبرية الى حد أتهام الحكومة الإسرائيلية بأنها معنية بأن تواصل هذه التنظيمات انشطتها. فقد قال سيفر بلوتسكر، أحد كبار المعلقين في صحيفة " يديعوت احرنوت " معلقاً على عدم استطاعة الأجهزة الامنية الكشف عن منفذي جرائم القتل ضد الفلسطينيين "حتى الان، لا يوجد للاوساط الامنية طرف خيط في التحقيق. هذا مفاجيء ومدعاة للغضب، ويثير الكثير من التساؤلات. ان وجود خلايا قتل ارهابية يهودية كان معروفا منذ وقت وقد نفذت اعمال قتل. والتحذيرات من نوايا القيام بعمليات اخرى وصلت في الايام والساعات التي سبقت اطلاق النار. ولكن  لم يتم الحيلولة دونها. هل ثمة شخص أهمل في عمله او ببساطة لم يكن يعنيه ذلك"، على حد تعبير بلوتسكر

في نفس الوقت فان الحكومة تغض الطرف عن التبرعات المالية الكبيرة التي تجمع لصالح التنظيمات الارهابية المشتبه بتخطيطها للمس بالمسجد الأقصى.  فتنظيمي " الامن على الطرق "، و" كتائب جلعاد شلهيفت "، المرتبطتان بالتخطيط للمس بالأقصى تقوم بجمع التبرعات لأفرادها في الكنس والمنتديات العامة داخل المستوطنات وفي المدن الإسرائيلية الكبيرة، مع أن اعضاء هذين التنظيمين يعلنون نيتهم المس بالفلسطينيين والمسجد الأقصى، دون أن تحرك أجهزة الأمن الإسرائيلية ساكناً مطلقاً. ليس هذا فحسب، بل أن الحكومة الإسرائيلية تقوم ببناء المؤسسات التي تستخدم للترويج لفكرة تدمير المسجد الاقصى. ففي العام الماضي قامت وزارة الإسكان ببناء مؤسسة توراتية يشرف عليها أعضاء في تنظيم " كهانا حاي "، في مستوطنة " تفوح "، مع أن هذا التنظيم يضع على سلم أولوياته تدمير المسجد الأقصى وأقامة الهيكل المزعوم مكانه.

 

" دفيئات " لترعرع فكرة المس بالأقصى

يكاد يكون القاسم المشترك للذين أدينوا أو أتهموا بالتخطيط للمس ب " الأقصى " هو حقيقة كونهم من خريجي المدارس الدينية شبه العسكرية التي يطلق عليها بالعبرية " يشيفوت ههسدير "، وهي مدارس أقيمت من أجل تهيئة أتباع التيار الديني الصهيوني للانخراط في الخدمة العسكرية. وعلى الرغم من أن الجيش هو الذي يقوم بتمويل هذه المدارس، إلا أنها تدار من قبل حاخامات متطرفين. وفي هذه المدارس يتم التركيز على وجوب مثابرة الشباب اليهودي على تحقيق نهضة الدين اليهودي والتي لا تتم الا ببناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى. وقد نقلت اذاعة " عروتس شيفع "، العبرية على الحاخام ابراهام شوكين، مدير المدرسة الدينية شبه العسكرية في مستوطنة " عتصمونا "، جنوب قطاع غزة قوله أنه يؤكد لطلابه أنهم لا يمكن أن يلقوا رضا الرب إلا بعد " ازالتهم للنجس المتمثل بوجود المسجد الأقصى مكان الهيكل ". اللافت للنظر أن خطورة هذا الواقع تكمن في حقيقة كون 40% من الضباط في الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي هم من خريجي هذه المدارس. ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب ثقة قادة التنظيمات الارهابية اليهودية في العثور على طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي يمكن أن يوافقوا على تفجير المسجد وقبة الصخرة من الجو. من هنا فأن " يشيفوت ههسدير "، التي يمولها ويرعاها الجيش الإسرائيلي تمثل تربة خصبة لنمو فكرة المس بالأقصى وتجنيد مزيد من الإرهابيين لتنفيذها.

من ناحية ثانية فأن مؤسسات حفظ القانون في الدولة العبرية تغض الطرف عن عشرات المطبوعات الدورية وغير الدورية التي تدعو للمس ب " الاقصى". ففي جميع المدن الاسرائيلية والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة يتم توزيع نشرة "طريق التوراة"، في كل نهاية اسبوع بعشرات الالاف من النسخ. وتنشر هذه الاسبوعية مقالات تتخصص في حبك المسوغات التوراتية للمس بالمسجد الاقصى. وقد نشرت الاسبوعية مقالا باسم الحاخام بنيامين كهانا وهو نجل الحاخام مئير كهانا مؤسس حركة " كاخ " العنصرية المتطرفة. وقد جاء في المقال  "من اللحظة التي احتللنا فيها الحرم القدسي من جديد، فان الفريضة القاضية ببناء بيت الله( يقصد الهيكل الثالث ) صار واجبا ككل واجب آخر. وقبل ان يكون بوسع شعب اسرائيل التوجه الى مهمة بناء الهيكل الثالث عليه اولا ان يزيل العوائق القائمة - المساجد الاسلامية". ويتحدث كهانا عن الحاجة الى ازالة "عار المساجد" الذي في مكان الهيكل، وينهي بقول مأثور عن احد كبار الحاخامات في العصور الغابرة يقول "تخلص من الشر - قبل ان تفعل الخير".

 

تدمير " الأقصى " للقضاء على فرص التسوية

لا يتأثر قادة التنظيمات الارهابية اليهودية ومنظريهم من كبار الحاخامت كثيراً من تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن المس ب " الأقصى " سيغير مجرى التاريخ في المنطقة، ويقضى على أي أمكانية للتوصل لتسوية سياسية بين إسرائيل والعالم العربي. فهذا بالضبط ما يسعى اليه هؤلاء. وكما يقول يهودا عتصيون الذين ادين في مطلع الثمانينيات بالتخطيط لتدمير المسجد الاقصى، أنه وزملاؤه رغبوا في القضاء على أمكانية التوصل لتسوية سياسية بين العالم العربي وإسرائيل، على اعتبار أن المس ب " الاقصى " لا يدع مجالاً أمام االأنظمة العربية أي فرصة للتعاطي مع مشاريع التسوية التي تطرح بين الفنية والأخرى.

 

قصارى القول أن الطغمة الحاكمة في الدولة العبرية التي تدعي القلق من أمكانية المس ب " الأقصى "، هي إما توفر الظروف التي تسمح بتعاظم التنظيمات الارهابية الهادفة للمس بالاقصى، أو أنها تقدم المساعدات لهذه التنظيمات بشكل مباشر أو غير مباشر. من هنا فأنه لا ينفع وزير الامن الداخلي الإسرائيلي الاختباء خلف التحذيرات من مخططات هذه التنظيمات التي يعمل على تناميها

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر