موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
العلاج مقابل...... العمالة !!!

بينما كان في سيارة الأجرة التي أقلته بإتجاه المعبر الحدودي " إيرز "، الذي يربط قطاع غزة بإسرائيل، حرص خالد أبو شمال ( 38 عاماً ) على الإتصال ببنته فداء التي كانت تغط في نومها عندما غادر المنزل ووعدها بأن يحضر لها دمية على هيئة عروس بعد أن يجري العملية الجراحية في قلبه في أحد مستشفيات مدينة القدس الفلسطينية التي كان متجها صوبها. عندما وصل أبو شمالة المعبر فوجئ بأن أحد الجنود الإسرائيليين يطلب منه التوجه معه الى أحدى الصالات في الطابق الأرضي من المعبر، وطلب منه الإنتظار حتى يتم استدعائه. مرت ساعة وساعتان وثلاث ساعات، حتى طلب منه أحد الجنود مرافقته الى أحدى الغرف في الطابق حيث كان في إنتظاره أحد ضباط جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية " الشاباك " الذي أبلغه بشكل قاطع أن السماح له بالتوجه للقدس مشروط بموافقته على التعاون مع المخابرات الإسرائيلية وأن يقوم بتزويدها بمعلومات حول الفصائل الفلسطينية. أبو شمالة الذي رفض العرض على الفور، لفت نظر الضابط أن ما يقوم به سلوك غير إنساني وغير أخلاقي، لكن هذه الملاحظة دفعت الضابط لأن يطلق قهقهة مدوية وطلب منه العودة الى حيث أتى بعد أن وجه إليه سيل من السباب الشتائم. عاد أبو شمال الذي كان يحلم بأن يعود الى بيته معافياً ومعه الدمية التي وعد بها بنته فداء، لكنه عاد مهموماً خائر القوى وفي مساء ذلك اليوم، الذي كان في منتصف شهر اكتوبر الماضي تدهور وضعه الصحي حيث تم نقله الى أحد مستشفيات مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة حيث يسكن، ومكث أسبوعين توفى بعدها في الثامن والعشرين من نفس الشهر.

 

مساومة السيدات

خولة ( 49 عاماً )، التي تقطن مدينة رفح، أقصى جنوب القطاع لم تكن أفضل حالاً من أبو شمالة، فهذه السيدة كانت مصابة بسرطان الكبد، وسبق لها أن مرت بعدد من جلسات العلاج الكيماوي في أحد المستشفيات الإسرائيلية، وكان من المفترض أن تمر قبل ثلاثة أسابيع بجلسة علاج مماثلة في المستشفى وتوجهت الى معبر " إيرز "، لتتعرض لنفس المساومة التي تعرض لها أبو شمالة، فترفض لتموت بعد ذلك بأسبوع أثر تدهور وضعها الصحي.

 جمال ( 29 عاماً ) شاب يقطن في مدينة غزة وقد أصيب بتهتك في شبكية العين، ونظراً لعدم وجود التجهيزات والإمكانيات اللازمة لمعالجة حالته في غزة، فقد قرر الأطباء تحويله للعلاج في أحد المستشفيات الفلسطينية المتخصصة في مدينة القدس. وعند المعبر تعرض سلايمة لنفس العرض الذي تعرضت له كل من ارشيد وأبو شماله فرفض، فعاد الى بيته، لكن عائلته لم تسلم بهذا الواقع، و دفعت مبلغاً من المال وقامت بتهريبه عبر أحد الأنفاق لكي يعالج في مصر، وعاد بعد أن تماثل للشفاء.

 " مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان الإسرائيلية " أعلنت أنها وثقت أكثر من ثلاثين حالة لمرضى في قطاع غزة كانوا في حاجة إلى علاج في "إسرائيل"، لكنهم أعيدوا عند الحدود عندما رفضوا تقديم معلومات بشأن المقاومة الفلسطينية الفلسطينيين، ومن بينهم مرضى بالسرطان وأمراض القلب الذين يحتاجون إلى علاج غير متوافرة في القطاع.

 

التجنيد بالتليفون

 

لكن من خلال الإتصالات التي أجرتها " ويكلي " يتبين أن المخابرات الإسرائيلية لا تنتظر حتى يصل المرضى الى المعبر الحدودي وتساومهم، بل أنها باتت تبادر للإتصال بالشباب الفلسطيني وتعرض عليهم التعاون معها وتقديم معلومات حول المقاومة الفلسطينية مقابل الحصول على الأموال. سليم ( 23 عاماً )، خريج جامعي عاطل عن العمل يقطن مدينة غزة، فوجئ قبل أسبوع عندما رن هاتفه النقال وظهر على شاشة هاتفه رقم لا يعرفه، ليجد أن أحد ضباط " الشاباك " يعرض عليه التعاون معه وتقديم معلومات حول حركات المقاومة الفلسطينية مقابل الحصول على المال. سليم أبلغ " ويكلي " أن ضابط " الشاباك " حاول استغلال تدهور الأوضاع الإقتصادية ومعرفته بأنه عاطل عن العمل من لإغوائه بالتخابر مع إسرائيل. مصادر أمنية فلسطينية أبلغت " ويكلي " أن هناك من الشباب الفلسطيني من وافق على عروض " الشاباك "، وأنه تم ضبطهم، حيث قدموا اعترافات كاملة حول كيفية ارتباطهم بالمخابرات الإسرائيلية وطبيعة المعلومات التي قدموها ل " الشاباك ". وأشارت المصادر إلى أن " الشاباك " يركز على طلب معلومات حول تحركات رجال المقاومة الفلسطينية وأماكن تواجدهم والسلاح الذي يملكونه وغيرها من المعلومات.

الجهاز الأمني التابعة لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي دعا الشباب الفلسطينيين لعدم التعامل مع أي اتصال مجهول المصدر أو أي اتصال من شركة "أورانج" الإسرائيلية للهواتف النقالة. وفي بيان تلقت " ويكلي " نسخة منه، أكد " الجهاز الأمني " أنه من خلال التحقيقات التي جرت مع عملاء تم تجنيدهم من قبل " الشاباك " تبين أن عناصر "الشاباك " يقومون غالباً بإجراء اتصالات عشوائية مع بعض الشباب الفلسطيني وإذا ما تعاطى الشاب بشكل ايجابي يقومون بإغواء الشباب بالمال. وطالب الجهاز الأمني الأهالي بضرورة مراقبة أبنائهم وأجهزة الاتصالات " كي لا يكونوا فريسةً سهلةً لرجال المخابرات الإسرائيلية الذين يستغلون حاجة أبناء شعبنا نظراً للحصار الظالم ".وأكد المسؤول أن 80% من العملاء يكون إسقاطهم نتيجة حاجتهم للمال، مبيّناً أن البطالة والفقر التي نتجت بسبب الحصار هي عنصر أساسي للسقوط في فخ العمالة لإسرائيل.

 مصادر أمنية فلسطينية أكدت أن الفصائل الفلسطينية استخدمت الأشخاص الذين وافقوا على التعاون مع " الشاباك " كعملاء مزدوجين، حيث طلبت منهم تزويد المخابرات الإسرائيلية بمعلومات مضللة.

 

محاولة تجنيد النخبة

لكن اللافت أن محاولات تجنيد العملاء التي تقوم بها المخابرات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على الشباب العاطلين عن العمل، بل تعدتها الى محاولة تجنيد شخصيات مرموقة.

فقد كان وقع الصدمة كبيراً على الدكتور فايز أبو شمالة عندما عرٌف الشخص الذي كان يتصل به نفسه بأنه ضابط المخابرات الإسرائيلي " روني " وأنه يعرض عليه بشكل غير مباشر التعامل مع المخابرات الإسرائيلية. مصدر الصدمة بالنسبة لأبو شمالة كما قال ل " ويكلي" تكمن في حقيقة " جرأة " عناصر " الشاباك " على محاولة تجنيده رغم أنه أحد الشخصيات العامة المعروفة في قطاع غزة، فهو رئيس بلدية سابق لمدينة خانيونس، وباحث أكاديمي حاصل على الدكتوراة في الأدب العبري، فضلاً عن أنه كاتب سياسي له جمهور من القراء، ناهيك عن كونه مناضل قضى في سجون الاحتلال عشر سنوات، وليس أقل من هذا عمره الكبير نسبياً، إذ أنه على وشك أن يتم الستين من عمره. ويستدرك أبو شماله قائلاً أنه من خلال حديث " روني " معه يتبين أن الذي شجعه على محاولة مساومته على التجند لصالح " الشاباك " هو واقع الإنقسام الفلسطيني الداخلي. وكما يقول أبو شمالة فقد حاول " روني " في حديثه معه استغلال حقيقة أن حكومة اسماعيل هنية في غزة قد أقالته مؤخراً من منصبه كرئيس لبلدية خانيونس وعينت مكانه أحد نشطائها، كما قامت حكومة رام الله بقطع راتبه الشهري. وكما يقول أبو شماله فأن " روني " هاجم حماس ووصفها ب " المجرمة " لأنها قامت بطرده من منصبه، محاولاً الإستخفاف بالشخص الذي تم تعيينه محله في رئاسة البلدية. في نفس الوقت فقد عرض روني على أبو شمالة المساعدة بعدما قطعت حكومة رام الله الراتب عنه. وعلى الرغم من أن أبو شماله زجره في المرة الأولى مؤكداً له أن مسألة اقالته من رئاسة البلدية ليس من شأن المخابرات الإسرائيلية، فضلاً عن أن اوضاعه المادية جيدة، إلا أن روني أبلغه أنه سيتصل به لاحقاً، ناصحاً إياه بشراء هاتف نقال اسرائيلي حتى يكون بالإمكان الحديث بسهولة. واضاف أبو شماله أن روني عاود الإتصال به مجدداً عارضاً عليه نفس العرض، لكن عندها أبلغه ابو شماله بأن ما يحاول تحقيقه هو " المستحيل بعينه "، فرد عليه روني معبراً عن يأسه " أنت عنيد ولا يمكن التفاهم معك ".

 أكثر ما يثير حفيظه أبو شماله هو استغلال المخابرات الإسرائيلية حالة الإنقسام الداخلي الفلسطيني وما نجم عنها من ممارسات سلبية من طرفي الإنقسام في محاولة تجنيد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في غزة. و أضاف " أنني متأكد أنه لم تصل الجرأة بعناصر المخابرات الإسرائيلية لمحاولة تجنيد شخص مثلي إلا بعد أن استغلوا الواقع البائس الناجم عن الإنقسام و نجحوا في تجنيد أشخاص كثيرين ". ويحمل أبو شماله الفصائل الفلسطينية المسؤولية عن هذا الواقع، مؤكداًُ أن النفسية الفلسطينية لم تعد محصنة في ظل الإنقسام الداخلي.

الى جانب ذلك فأن المخابرات الإسرائيلية باتت تحاول الحصول على معلومات حول الجندي الإسرائيلي الذي تختطفه حركة حماس بطرق غير معهودة. فقد اشتكى كثير من الفلسطينيين في قطاع غزة بأنهم تلقوا اتصالات من المخابرات الداخلية يعرض عليهم فيها مبلغ 10 آلاف دولار مقابل الإدلاء بمعلومات حول شليت. وأفاد الأشخاص الذين تلقوا هذه الإتصالات على هواتفهم المحمولة، حيث يظهر رقم +0-  على الشاشة أن المخابرات تطالب الذين تتصل بهم الاتصال على رقم محدد في حال كان لديهم معلومات حول شليت.

 

ترجمة تحقيق نشره صالح النعامي في العدد الأخير من صحيفة " Ahram Weekly

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر