موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
المجازر الإسرائيلية ستخرج حماس من أزمة الخيارات

لا يوجد هناك ثمة شك أن المجازر التي تقوم بها إسرائيل حالياً ضد الفلسطينيين في غزة تهدف بشكل أساسي الى تغيير الواقع السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة برمته، وليس إلى وقف إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة وإجبار حركة حماس على العودة للتهدئة. إسرائيل وسلطة محمود عباس وبعض الأنظمة العربية تقوم بعملية تضليل منظم عندما تدعي أن إنهاء المجازر يتوقف على موافقة حركة حماس على عودة العمل بإتفاق التهدئة الذي توصلت إليه الفصائل الفلسطينية وإسرائيل برعاية مصرية. ما تقوم به إسرائيل حالياً في غزة هو ثمرة اتفاق مسبق تم التوصل إليه بين تل أبيب وسلطة محمود عباس وبعض العواصم العربية والإدارة الأمريكية واللجنة الرباعية للتخلص من حكم حركة حماس في غزة، على اعتبار أنه عائق أمام أي فرصة للتوصل لتسوية سياسية وفق الخطوط الإسرائيلية الحمراء. في إٍسرائيل وسلطة عباس وعدد من الدول العربية يدركون أنه من المستحيل أن يتم التوصل لتسوية في حال ظلت حركة حماس في الحكم، على اعتبار أن الحركة ستحبط هذه التسوية من خلال حقيقة تمثيلها للأغلبية الساحقة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وبالتالي يتوجب اسقاطها وجلب عباس من جديد على ظهر دبابة إسرائيلية.

 

بلير يفضح أبو الغيظ

 

 فبخلاف ما يدعيه وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيظ من أنه كان بالإمكان تجنب ما يحدث في غزة لو قبلت حماس بالعرض المصري لتمديد العمل بالتهدئة، فأن مبعوث اللجنة الرباعية وفي مقابلة هامة جداً أجرتها معه صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية قبل عدة أسبوعين وقبل أن تعلن الفصائل الفلسطينية عن رفضها تمديد التهدئة، أوضح أن حل مشكلة غزة يكمن في تغيير الواقع في قطاع غزة ومنع حماس من مواصلة السيطرة على القطاع. بلير أوضح أن الطريق الوحيد لإسقاط حكم حماس يتمثل في استخدام الخيارات العسكرية، بعد أن تبين بشكل واضح فشل الرهان على الحصار والضغوط الإقتصادية والعزلة السياسية في توفير الظروف للتخلص من حكم حركة حماس، منوهاً الى أن هذه الضغوط آتت نتائج عكسية وعززت مواقع حماس في القطاع أكثر. وبشكل يتماشى مع تقوم به إسرائيل حالياً، قال بلير أن لديه خطة تقوم على تكثيف العمل العسكري ضد حماس، وفي ذات الوقت تخفيف الضغوط الإقتصادية على الفلسطينيين. وهذا ما تفعله إسرائيل، فمن ناحية تقوم بإنزال مئات الأطنان من المتفجرات على رؤوس الفلسطينيين في القطاع وتقتل وتجرح الآلاف، وتدمر المساجد والمستشفيات والجامعات والمرافق العامة، ومن ناحية ثانية تقوم بفتح المعابر التجارية وتسمح بمرور البضائع والمواد والوقود.

 

ملامح التواطؤ العربي

 

ملامح التواطؤ العربي مع إسرائيل في تنفيذها للمجازر ضد الفلسطينيين لم تعد تحتاج الى أدلة، فوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني اختارت أن تعلن عن الحرب لإسقاط حركة حماس تحديداً في القاهرة وبمعية أبو الغيظ وبعد انتهاء اجتماعها مع الرئيس حسني مبارك. ليس هذا فحسب، بل أن السلطة الفلسطينية شاركت في الحملة الدعائية التي تشنها إسرائيل لتبرير مجازرها ضد الفلسطينيين. فنمر حماد مستشار محمود عباس اعتبر أن حماس تشارك إسرائيل في إرتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين، فضلاً عن أن سلطة عباس أصدرت أمراً بمنع الفلسطينيين من التظاهر والاحتكاك بجيش الاحتلال حتى لا يتم فتح جبهة أخرى في الضفة الغربية، فتضطر إسرائيل الى تخفيف ضغطها العسكري على غزة. ومن أوضح المؤشرات على التواطؤ هو رفض عدد من الدول العربية عقد القمة العربية لبحث المجازر التي ترتكب ضد الفلسطينيين في غزة، وكأن مقتل وجرح المئات من الفلسطينيين أمر لا يستدعي عقد هذه القمة. القادة الصهاينة لم يخطئوا قراءة عدم مسارعة الزعماء العرب للإلتئام، فنائب وزير الحرب الصهيوني متان فلنائي أوضح أن عدم مسارعة العرب لعقد القمة جاء من أجل تمكين إسرائيل استكمال تحقيق أهداف حملتها العسكرية.

 

التاريخ سيعيد نفسه

 

النظام العربي الرسمي حاول التخلص من حكم حركة حماس عبر محاولة فرض تصور متحيز لحل الإنقسام الفلسطيني الداخلي، وقد عبر عن هذا التصور المقترح المصري لحل الانقسام الذي تم طبخه بالتعاون مع سلطة عباس وعدد من الدول العربية.

لكن لسوء حظ سلطة عباس والنظام العربي الرسمي وقبلهما إسرائيل، فأن ما تقوم به آلة الحرب اصهيونية حالياً من مجازر لن يؤدي إلا لتعزيز حركة حماس ويعطي شرعية لوجودها، بل أنه سيمثل مخرجاً من الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها هذه الحركة بعد دخولها معترك الحياة السياسية.

لقد حاولت إسرائيل في العام 1982 طرد منظمة التحرير من جنوب لبنان، ونجحت في ذلك، لكنها فوجئت عندما سطع نجم حزب الله الذي لا خلاف داخل إسرائيل على أن يمثل تهديداً لإسرائيل أضعاف ما كانت تمثله منظمة التحرير. ملايين الفلسطينيين ومئات الملايين من العرب والمسلمين يدركون أن الحرب المفتوحة على حماس من قبل إسرائيل تأتي بسبب حالة المقاومة التي تمثلها هذه الحركة، وبالتالي فليس من المستهجن أن يرد الفلسطينيون على المجازر بالإلتفاف حول الحركة.

 

مخرج لحماس

بإمكان إسرائيل اعادة احتلال القطاع وتدمير كل مؤسسات الحكم الموهوم فيها كما تفعل حالياً، وبإمكانها الإيغال في استهداف قادة حركة حماس ونشطائها بالإضافة الى الآلاف من الفلسطينيين، لكنها بذلك تؤجج فقط نار المقاومة في نفوس الفلسطينيين، وتدفعهم للتحدي والإنضمام الى دائرة العمل المقاومة، وتساعدهم على التمييز بين البرنامج الذي تطرحه حماس والبرنامج الذي يطرح أهل أوسلو. أن المقاومة لن تظل حبيسة قطاع غزة، فبكل تأكيد ستنتقل الى الضفة الغربية وفي عمق إسرائيل، فضلاً عن أن المجازر البشعة ستحرض مزيد من العرب والمسلمين على الإلتحاق بركب المقاومة، فضلاً عن أنها ستحرج الأنظمة العربية بشكل كبير، وتزعزع شرعية وجودها.

من ناحية ثانية فأن ما تقوم به إسرائيل حالياً سيمثل مخرج مشرف لحركة حماس من أزمة الخيارات التي كانت عالقها فيها بجمعها بين الحكم والمقاومة. فالمجازر الإسرائيلية ستجعل وجهة الحركة نحو المقاومة والمقاومة فقط، وستتحرر حماس من الكثير من أعباء الحكم في القطاع بأكثر من صيغة. لقد أنهت المجازر الإسرائيلية الجدل الهزلي الذي كان محتدماً بين حركتي فتح وحماس حول الشرعية والانتخابات، واعادت البوصلة الوطنية للإتجاه الصحيح.

إسرائيل ستعي أنها بهذه المجازر أسدت معروفاً لكل يؤمن بخيار المقاومة حتى زوالها من على وجه الأرض. المجازر الإسرائيلية ستسقط في النهاية عباس وستعزز حماس.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر