موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا شكلت جولة الحوار الفلسطيني الأولى إنطلاقة واعدة

رغم القضايا العالقة، أو تلك التي لم تبحث بعد، فإنه يمكن القول أن جولة الحوار التي شهدتها القاهرة مؤخراً تشكل أول جهد فلسطيني جدي لمعالجة القضايا التي تعيق العمل الوطني الفلسطيني وتكرس الإنقسام الداخلي. ومع أنه من السابق لأوانه الإعلان عن اختراقات في  الحوار في ظل الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على قيادة السلطة الفلسطينية لمنعها من التوصل لإتفاق تاريخي يؤسس لمرحلة جديدة في في العمل الوطني الفلسطيني، إلا أن ما أنجز في القاهرة يشكل بحد ذاته انطلاقة لمسيرة المصالحة والوفاق. ولعل أهم ما أنجز في هذا الجانب، هو الإتفاق المتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ تم الإتفاق على تشكيل لجنة من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية لتحديد آلية انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الذي سيتولى مهمة صياغة البرنامج السياسي لمنظمة التحرير والذي من المفترض أن تلتزم به السلطة الفلسطينية، على اعتبار أن منظمة التحرير تمثل مرجعية السلطة الفلسطينية. وتكمن أهمية هذا الإتفاق في أنه يسمح – في حال تطبيقه – بإصلاح كل مكامن الخلل في المسيرة الوطنية الفلسطينية التي أصابت العمل الوطني الفلسطيني منذ عقود من الزمن. فإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني يعني إفساح المجال أمام الفلسطينيين في جميع مناطق تواجدهم للمشاركة في تحديد الجهات التي ستتولى إتخاذ القرار الوطني الفلسطيني. ومن ناحية ثانية فإن إجراء هذه الإنتخابات يعني إضفاء شرعية على مؤسسات منظمة التحرير لأول مرة، لأن المؤسسات القائمة لم تفرز بشكل ديموقراطي، بل فرضت على الشعب الفلسطيني. ولعل الأهم من كل ذلك هو أن هذه الإنتخابات تسمح بحسم الجدل والخلاف الحالي بين أنصار التسوية بأي ثمن، والمتشبثين بخيار المقاومة، علاوة على أنه يسمح بإعاة رسم موازين القوى في الساحة الفلسطينية لأنه سيضمن دخول حركات تدخل المنظمة لأول مرة مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

 لكن نقطة الخلاف الوحيدة التي ظلت حتى هذه اللحظة عالقة تتمثل في الخلاف حول مطالبة العديد من الفصائل وبينها حماس، بتشكيل قيادة وطنية مؤقتة للشعب الفلسطيني تبت في القضايا الهامة، حتى تتم إجراء إنتخابات المجلس الوطني، بحيث تسمح لكل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالإندماج في دائرة صنع القرار الوطني الفلسطيني، إلى جانب القوى الأخرى. ويعتبر هذا المطلب عادلاً لأنه يعني نزع الشرعية عن أي دور تقوم به اللجنة التنفيذية الحالية للمنظمة، على اعتبار أنها لا تمثل الشعب الفلسطيني، وفي كثير من الأحيان تدفع نحو إتخاذ قرارات تناقض المصلحة الوطنية الفلسطينية. فهل يعقل أن يسمح لياسر عبد ربه بتولي منصب أمين سر منظمة التحرير وهو الشخص الذي توصل لتفاهم مع أكثر من جهة إسرائيلية، تنازل فيه عن حق العودة للاجئين. وفيما يتعلق بملف الانتخابات، فقد حققت جلسات الحوار اختراقاً هاماً، إذ تم الإتفاق على إجراء انتخابات متزامنة لكل من المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، علاوة على تشكيل اللجنة المركزية للانتخابات. وتعتبر طريقة الإنتخابات، إحدى القضايا التي لازالت عالقة، فحركة " فتح " ومعها فصائل اليسار الصغيرة تطالب بأن يتم اعتماد طريقة الانتخاب النسبي، أي أن يتم انتخاب جميع أعضاء المجلس التشريعي مباشرة من كل الناخبين، في حين تصر حماس على ضرورة اعتماد النظام الإنتخابي المختلط الذي يجمع بين النظام النسبي ونظام الدوائر. وفيما يتعلق بالحكومة التي ستشكل بعد انتهاء الحوار، فإن المشكلة الأساسية تتمثل في برنامج هذه الحكومة. فحتى الآن يصر أبو مازن على ضرورة إلتزام هذه الحكومة بشروط اللجنة الرباعية، وهي الإعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة والإلتزام بالإتفاقيات التي وقعتها السلطة مع إسرائيل. عملياً يطالب أبو مازن الفصائل الفلسطينية بالتنازل عن قناعاتها السياسية، في الوقت الذي يضفي مسحة من العصمة على مواقفه السياسية التي تبين بالدليل القاطع أنها لن تؤدي بالشعب الفلسطيني إلا لمزيد من التراجع. وعلينا ألا نتجاهل حقيقة أن اسرائيل ستقودها في الآونة القريبة حكومة يمينية متطرفة تتنكر لأبسط الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. للأسف، فإن إملاء شروط اللجنة الرباعية على الحكومة الجديدة يعني مكافأة لإسرائيل على تطرفها. فلماذا حرصت الدولة الغربية على التأكيد أنها ستتعاون مع الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب رغم مواقفها الفاشية والعنصرية، في الوقت الذي ترفض حق الشعب الفلسطيني في إختيار مرشحيه بشكل حر، وضمن ذلك تأييد البرامج السياسية التي يرى هذا الشعب أنها تلبي طموحه الوطني؟.

ومع ذلك فإن هناك الكثير من الصيغ التوفيقية التي بإمكانها أن تجسر الهوة بين مواقف الأطراف بشأن برنامج الحكومة، وبكل تأكيد أن على حركة حماس أن تبذل كل جهد ممكن للتوصل لإتفاق على اعتبار أن إعادة الإعمار مصلحة وطنية عليا للشعب الفلسطيني.

رغم كل الملاحظات السابقة، فإنه يجب التشديد على أن ما تحقق حتى الآن في جلسات الحوار إنجاز مهم، يتوجب مراكمته حتى يتم التوصل لإتفاق نهائي يضع حداً لمسيرة التيه التي يغرق فيها الفلسطينيون. ومما لا شك فيه أن المصالحات في العالم العربي ستعزز من فرص التوصل لإتفاق فلسطيني داخلي. وعلى الأنظمة العربية أن تعي أن وحدة الصف الفلسطيني هي مصلحة إستراتيجية عربية من الطراز الأول في ظل اندفاع اليمين المتطرف لسدة الحكم في إسرائيل.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر