موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الفزع الإسرائيلي من النووي الإيراني: الأسرار المكتومة

يمكن تفهم مظاهر الغضب والضيق التي اتسمت بهما ردة فعل حكومة بنيامين نتنياهو على استطلاع الرأي العام الذي نشرت نتائجه الصحف الإسرائيلية الجمعة الماضي والتي تبين من خلالها أن حوالي ربع الإسرائيليين سيغادرون إسرائيل في حال نجحت إيران في تطوير سلاح نووي. فهذه النتائج تنسف الأساطير التي قامت عليها الفكرة الصهيونية من أساسها، وهي الأساطير التي تحدثت عن عمق العلاقة الروحية والتاريخية والدينية بين اليهود وهذه الأرض.... فعن أي علاقة يتحدث الصهاينة في الوقت الذي يؤكد ربعهم أنهم سيفرون لمجرد أن تقوم دولة أخرى بتطوير سلاح نووي، مع العلم أنه في حكم المؤكد أن نسبة الذين سيفرون ستتضاعف في حال قامت إيران بالفعل بتطوير سلاح نووي. أن نتائج هذا الاستطلاع تؤكد المخاوف التي عبر عنها نائب وزير الحرب الإسرائيلي السابق الجنرال إفرايم سنيه الذي قال قبل عامين إن إسرائيل ستتفكك من تلقاء ذاتها في حال طورت إيران سلاح نووي بدون حرب لأن معظم اليهود – ببساطة سيغادرون إسرائيل. أن هذا الاستطلاع يفسر لماذا تعتبر إسرائيل أن تطوير أي دولة عربية وإسلامية تقع في جوار إسرائيل تهديداً وجودياً.

 

عوامل الفزع

وبكل تأكيد هناك أسباب أخرى تدفع الصهاينة للفزع من إمكانية أن تنجح دولة عربية وإسلامية في تطوير سلاح نووي، مع العلم أن صناع القرار في تل أبيب يحاولون التكتم على هذه الأسباب حتى لا تزيد الدافعية لتطوير هذا السلاح. ونحن هنا بصدد محاولة رصد بعض هذه الأسباب:

أولاً:تطوير دولة عربية وإسلامية تقع قريبة جغرافياً من إسرائيل يقلص إلى حد كبير من قدرة إسرائيل على ضرب المقاومة الفلسطينية على اعتبار إن إسرائيل ستأخذ بعين الإعتبار عندها إمكانية تدهور الأوضاع إلى مواجهة شاملة، قد تستخدم فيها السلاح النووي. وقد تم التعبير عن هذه المخاوف في ثنايا تقرير قدمته شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ " أمان " للحكومة الإسرائيلية قبل عام ونصف. من هنا فإنه يمكن القول أن إسرائيل لم تكن لتجرؤ على شن الحرب الإجرامية الأخيرة على قطاع غزة لو كان العرب قد إمتلكوا سلاحاً نووياً. من هنا فإن تطوير السلاح النووي العربي سيتيح للمقاومة الفلسطينية هامش مرونة أكبر، وسيمنحها عمقاً استراتيجياً فاعلاً.

ثانياً: ويمثل تطوير العرب سلاح نووي ضربة نجلاء للدور الوظيفي الذي تقوم به إسرائيل لصالح الغرب. فقد كانت إسرائيل تدعي دوماً أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لا يسدي معروفاً لها عندما يقوم بدعمها ومدها بكل أنواع السلاح، على اعتبار أنها تقوم بدور " شرطي المنطقة " الذي يؤدب " المارقين ". وقد اعترف بهذا الدور بكل صلافة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون، الذي قال قبل عدة أعوام في مقابلة مع شبكة " السي أن أن " الأمريكية " أنتم الأمريكيون لا تسدون لنا معروفاً بتقديم المساعدات والدعم لنا، فإسرائيل تلعب دور حاملة طائرات أمريكية ثابتة في منطقة الشرق الأوسط ". ومن المؤكد أنه بعد تطوير العرب للسلاح النووي، فإن إسرائيل ستفقد دورها الوظيفي، حيث أن سلاح " الشرطي " سيصبح " قديما " ولن يخيف أحد، وعندها ستصبح إسرائيل في حاجة الغرب وليس العكس. وهذا الواقع سيمكن العرب من إقامة علاقات مع الغرب على أسس مختلفة تماماً.

ثالثاُ: ويعني تطوير السلاح النووي من قبل العرب ان تخسر ترسانة السلاح التقليدي في إسرائيل قيمتها ومساهمتها، فضلاً عن ذلك سيمس بدور الكثير من المؤسسات الأمنية في الكيان الإسرائيلي والتي نسجت حول انجازاتها الأساطير، وتحديداً جهاز الموساد، الذي يكلف حالياً بإحباط أي محاولة عربية لتطوير سلاح نووي استناداً إلى مبدأ مناحيم بيغن الذي أرساه بعد قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 والذي يقوم على إلتزام إسرائيل بمنع أي دولة " معادية " من تطوير سلاح نووي.

رابعاً: إرهاق إسرائيل اقتصادياً عبر إجبارها على تخصيص موازنات ضخمة في إقامة ملاجئ ومرافق لمواجهة تبعات أي حرب قد يستخدم فيها السلاح النووي. وعلى الرغم من الكلفة الباهظة جداً لتشييد مثل هذه الملاجئ،فإن الحكومة الإسرائيلية ستكون مجبرة على إقامتها من أجل طمأنة المستوطنين وإغرائهم بالبقاء، في ظل إدراكها حجم مشاعر الهلع الذي يعم جمهور المستوطنين بسبب المخاوف من تبعات تطوير سلاح نووي من قبل العرب والمسلمين، وما قد ينجم عنها من نزوج جماعي من هذا الكيان.

خامساً: من نافلة القول أن تطوير السلاح النووي سيقضي نهائياً على أهم مرتكزات المشروع الصهيوني المتمثل في الهجرة اليهودية لأرض فلسطين، فإن كان اليهود الذين استوطنوا أرض فلسطين يريدون الفرار، فمن شبه المؤكد أن تتوقف الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.

 

أن ما تقدم يظهر هشاشة الكيان الصهيوني رغم تقدمه تفوقه العسكري والتقني، ورغم تحقيقه الانتصارات على الجيوش العربية، فكل هذه المنجزات لا تمنع إسرائيل من الشعور بإماكنية العودة إلى المربع الأول في أي لحظة. من هنا فإن تغيير واقع الصراع مرتبط بشكل كبير بقدرة العرب على تطوير السلاح النووي.وحتى أولئك الذين يؤمنون بالتسويات السياسية مع إسرائيل عليهم أن يدركوا أنه بدون تغيير جارف في موازين القوى الاستراتيجي فلن يكون بالإمكان إقناع إسرائيل بتغيير مواقفها الحالية من التسوية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر