موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مخاوف إسرائيل من برنامج إيران النووي

الاسلام اليوم 08/12/2005
لا يتوقف صُنّاع القرار في الدولة العبرية عن إبداء القلق من البرنامج النووي الإيراني. وحرص كبار مسؤولي الحكومة والجيش في دولة الاحتلال مؤخراً بشكل خاص على زيادة وتيرة التعبير عن قلقهم، بزعم أن هناك مؤشرات على أنها أصبحت مسألة وقت، ويكون بإمكان إيران إنتاج قنابل وصواريخ تحمل رؤوساً نووية. رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون ألمح مؤخراً إلى أن إسرائيل بإمكانها ضرب المنشآت الذرية الإيرانية. وما نسمعه من إسرائيل مؤخراً في كل ما يتعلق بالبرنامج الإيراني ليس جديداً. فمنذ عقد من الزمان ينشغل المستوى السياسي الحاكم والنخب العسكرية، فضلاً عن المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام الإسرائيلية بالبحث فيما يسمونه" مخاطر البرنامج النووي الإيراني على الدولة العبرية". ويتبارى الساسة وجنرالات الجيش وقادة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في التركيز على ما يعتبرونه مكامن الخطر في هذا البرنامج. رئيس جهاز الموساد، (مئير دغان) وصف التهديد الإيراني بأنه الخطر "الأكبر على دولة إسرائيل منذ نشوئها". وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز كان الأكثر صراحة من بين زملائه في عرضه للخيارات المتاحة أمام الدولة العبرية من أجل منع إيران من إنتاج الأسلحة النووية، عندما قال: "إذا كانت هناك حاجة لتدمير القدرة النووية الإيرانية، فإن إسرائيل لن تتردّد في ذلك، وهي ستحرص على عدم المسّ بالمدنيين الإيرانيين".
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حقاً يعتقد الإسرائيليون في قرارة أنفسهم أنهم أكثر المتضرّرين من تطوّر البرنامج النووي لدرجة تدفعهم للمبادرة بالعمل العسكري ضدّ هذا البرنامج؟ وهل يرى الإسرائيليون أنه من "الحكمة" القيام بعمل عسكري ضد البرنامج النووي الإيراني؟ وما هي البدائل غير العسكرية التي تراها إسرائيل متاحة أمامها.
لا يوجد شك لدى الدوائر البحثية الهامة التي تعمل لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية بشكل خاص في أن إيران – وبخلاف الانطباع السائد – لا ترى في إسرائيل العدو الأول لها، ولا حتى أبرز أعدائها. فقد أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية مؤخراً دراسة لتحليل الدوافع الكامنة خلف الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، جاء فيها "إن الاعتبارات التي تحكم الإستراتيجية الإيرانية ترتبط بمصالحها ووضعها في الخليج العربي، أولاً وقبل كل شيء". ويضيف معد الدراسة البر فسور (أفرايم كام) خبير الاستخبارات والباحث الإستراتيجي البارز أن إيران تبدي حساسية كبيرة إزاء ما يحدث في دول الجوار، أكثر من اهتمامها بما يجري بين إسرائيل والفلسطينيين على الرغم من الخطاب السياسي لإيران المناكف لإسرائيل إعلامياً.. ويضيف (كام) الذي تحظى أبحاثه حول إيران باهتمام خاص لدى دوائر صنع القرار في إسرائيل أن طبيعة الإستراتيجية الإيرانية "دفاعية" فقط ، معتمداً في وصوله إلى استنتاجه هذا على آلاف الوثائق السرية التي وفّرتها له وزارة الدفاع الإسرائيلية.
لكن على الرغم من ذلك فإن (كام) لا يستبعد مستقبلاً استخدام إيران أسلحتها التقليدية وغير التقليدية في هجوم على إسرائيل. ويضيف: إنه حتى لو لم تستخدم إيران قدراتها النووية في المستقبل ضد إسرائيل، فإن هذه القدرات بشكل غير مباشر ستمثل "دعماً إستراتيجياً للقوى الأصولية" التي تناصب إسرائيل العداء. وعلى الرغم من تشديد تقييمات وزارة الدفاع الإسرائيلية على الحسابات "الباردة" للقيادة الإيرانية إلا أنها في المقابل تأخذ بعين الاعتبار تأثير أدبيات الخطاب الإيراني المعادي لإسرائيل، والذي يتمثل في رفض شرعية وجودها لدوافع دينية وأيدلوجية. لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن الدولة العبرية لا ترى في البرنامج النووي الإيراني خطراً يقينياً آنياً. لكن ما هي المحاذير التي تقف أمام الدولة العبرية قبل التفكير بضرب المنشآت الذرية الإيرانية؟
على الرغم من تهديدات شارون و موفاز باستخدام القوة العسكرية من أجل تدمير المنشآت النووية الإيرانية، إلا أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع الدولة العبرية لعدم القيام بهذه الخطوة:
1- في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ "أمان" يؤكدون أنه بعد أربعة وعشرين عاماً على قيام إسرائيل بضرب المفاعل الذري العراقي، فإن الإيرانيين تعلموا الدرس. وتؤكد تقييمات "أمان" أن إيران قامت بتدشين العديد من المنشآت النووية المحصنة جداً، أسفل الأرض، و في مناطق متباعدة، وبشكل مضلل، الأمر الذي يجعل من المستحيل على سلاح الجو الإسرائيلي ضرب جميع هذه المنشآت النووية. ومن ناحية ثانية هناك صعوبة في حصول الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على معلومات دقيقة حول أي من المنشآت التي يشهد فيها البرنامج النووي تطوّراً بشكل خاص.
2- على الرغم من التوافق الكبير بين كل من إسرائيل والإدارة الأمريكية حول خطورة البرنامج النووي الإيراني، إلا أن تل أبيب تدرك أن الولايات المتحدة لا ترغب في إظهار إسرائيل كمن يعلب دور الشرطي في المنطقة، لاسيما في ظل الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل إعادة رسم المنطقة بما يخدم مصالحها، وبشكل يسمح لدول المنطقة بالتساوق مع المخطط الأمريكي بأقل قدر من الحرج. في نفس الوقت تبدي إدارة بوش حساسية خاصة تجاه الاتهامات التي توجّهها لها الكثير من النخب الأمريكية بأن حملتها ضد إيران وسوريا تأتي فقط لخدمة المصالح الإسرائيلية. إلى جانب ذلك فإن الأمريكيين يخشون أن يؤثر أي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران على فرص انتقال السلطة "للإصلاحيين" كما ترغب واشنطن؛ إذ يعتقد الأمريكيون أن الهجوم الإسرائيلي سيعزّز من قبضة المحافظين في إيران على الحكم.
3- إلى جانب ذلك فإن ضربة كهذه لن تمرّ بالتأكيد دون رد "مناسب" من إيران خاصة بعد امتلاكها لصواريخ بالستية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، وهو ما سيجعل المسؤولين في تل أبيب يفكرون كثيراً قبل الإقدام على عمل متهور كهذا.
4- يحذّر الكثير من الإستراتيجيين في إسرائيل من المخاطرة بشن عمل عسكري ضد إيران بسبب برنامجها النووي، في الوقت الذي أصبح الحصول على التقنية النووية أكثر سهولة. ويشيرون إلى ما تم الكشف عنه مؤخراً من قيام مهندس المشروع الذري الباكستاني عبد القادر خان ببيع التقنية النووية لعشرين دولة وشركة في العالم..

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر