موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مليارديرات في خدمة الإستيطان والتهويد

تغرق عائلة المصري التي تقطن البلدة القديمة من القدس المحتلة في بحر من الهموم والأحزان بعد أن أبلغها موظفو المجلس البلدي الذي يرأسه اليهودي المتطرف نير بركات أنه سيتم تدمير المنزل في غضون شهر بحجة أن المنزل قد أقيم بدون ترخيص. هذه العائلة مثلها مثل الكثير من العائلات الفلسطينية في القدس المحتلة لم يكن بوسعها الحصول على ترخيص بناء لأن بلدية الإحتلال لا تمنح الفلسطينيين مثل هذه التراخيص، وبالتالي تضطر هذه العائلات للبناء. لكن هذه العائلة تقول أن الهدف من تدمير المنزل ليس فرض القانون الذي يسن لخدمة اليهود في المدينة، بل لأن منظمة " عطيرات كوهنيم " الدينية اليهودية المتطرفة المسؤولة عن القيام بالمشاريع الإستيطانية الهادفة لتهويد المدينة معنية بإقامة حي إستياطني جديد لليهود في المنطقة التي يتواجد فيها منزل العائلة، فكان لا بد من تدمير المنزل وغيره من المنازل. لكن الفضل في وجود منظمة " عطيرات كوهنيم "، وأنشطتها التهويدية الواسعة يعود لشخص واحد، ألا وهو الملياردير اليهودي الأمريكي أورفينغ ميسكوفيتش الذي لا يتردد في تمويل أي مشروع إستيطاني في القدس ومحيطها. فمن وراء الكواليس وبعيداً عن الأضواء، وعلى بعد آلاف الأميال يتابع ميسكوفيتش أدق التفاصيل المتعلقة بالأنشطة الإستيطانية في القدس.فلا يكاد يخلو تقرير إسرائيلي يتعلق بمشاريع التهويد التي تعصف بالمدينة دون الإشارة للدور الذي يقوم به ميشكوفيتش. فهذا العجوز الذي جمع ثروة طائلة من خلال المضاربات لا يتردد في دفع أي مبلغ بهدف دفع مشاريع التهويد قدماً في المدينة المقدسة، والتي كان أخرها شراء فندق " شبيرد " في القدس الشرقية والذي كان في الأساس منزل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس وقائد الثورة الفلسطينية الكبرى التي تفجرت عام 1936. وإلى جانب ذلك فإن هناك تبادل أدوار واضح حكم العلاقة بين ميسكوفيتش من جهة وبين النخب السياسية الحاكمة في تل أبيب بشأن مشاريع التهويد في القدس، حيث أنه في الوقت الذي كانت فيه النخب الحاكمة تحرص على إصدار القرارات والتشريعات المتعلقة بدفع مشاريع التهويد قدماً فإن ميسكوفيتش كان يتولى تمويل هذه المشاريع. وقد نشأت علاقة خاصة بين ميسكوفيتش ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق أرئيل شارون والتي تجذرت بشكل خاص منذ أن كان شارون يشغل منصب وزير الأسكان في العام 1990 والتي أعلن خلالها عن انطلاق مشروع " القدس الكبرى "، والذي كان يهدف إلى رفع عدد اليهود القاطنين في المدينة ومحيطها إلى مليون مستوطن. وقامت خطة شارون على بناء 26 حي يهودي جديد في البلدية القديمة من القدس ومحيطها، حيث لعب ميسكوفيتش الدور الحاسم في تمويل معظم مشاريع البناء التي أقيمت في المدينة منذ ذلك الوقت. ومن نافلة القول أن ميسكوفيتش يعمل من منطلقات دينية متطرفة، حيث أن مشاريع التهويد التي يعكف على تمويلها تهدف إلى  إقتطاع كل المناطق التي يدعي اليهود أنها تنتمي إلى ما يسمى بـ " الحوض المقدس "، الذي يضم قبور أنبياء وملوك اليهود بزعمهم، وهذا هو الذي يفسر حماس ميسكوفيتش الشديد للإستثمار في البناء في بلدة " سلوان "، التي تقع شرق القدس، حيث يعتبر اليهود أن هذه البلدة تحتضن المدينة التي بناها النبي داود قبل ألفي عام. وقد مول ميسكوفيتش شراء 560 دونم في الحي المذكور ، حيث أقيمت على هذه الأرض ما يطلق عليه المستوطنون " مدينة داود "، فضلاً عن مسؤوليته عن شراء معظم العقارات والمنازل في المدينة.

من ناحيته يقول الصحافي شالوم يروشالمي أن ميسكوفيتش لا يمول مشاريع التهويد  التي تنفذها منظمة " عطيرات كوهنيم " التي يرأسها ماتي دان هكوهين فقط، بل أنه الممول الرئيسي لأنشطة التهويد التي تقوم بها منظمة إليعاد التي يقودها دافيد باري. وينوه يروشالمي في مقال نشره في صحيفة " معاريف " إلى أن الذي هاتين المنظمتين تتقاسمان العمل في مجال التهويد، والذي يقوم بتمثيلهما سياسياً هو إليشيع بيلغ عضو المجلس المحلي في بلدية الاحتلال عن حزب الليكود. ويوضح يروشالمي في تقريره أن أوري بن عيزرا زوج بنت ميسكوفيتش هو الذي يتولى من منزل صهره في ميامي مهمة عمليات تحويل الأموال لصالح الأنشطة التهويدية، مشيراً إلى أن ميسكوفيتش لم يتردد في الماضي في تمويل أنشطة استيطانية خارج حدود القدس، وتحديداً في تمويل إقامة العديد من مشاريع البناء في المستوطنات في  أرجاء الضفة الغربية. ويرتبط ميسكوفيتش فكرياً بالتيار الديني الصهيوني، وتربطه علاقات وثيقة جداً بالحاخام شلومو أفنيري الذي يعتبر الأب الروحي لمشاريع التهويد في القدس ومحيطها، وأحد قادة الجمهور الديني الصهيوني. وإن ميسكوفيتش الذي لم تفلح أي وسيلة إعلام إسرائيلية في إجراء مقابلة معه الهدف لم يتحدث عن سر حماسه لمشاريع التهويد، إلا قادة كل من " عطيرات كوهنيم " و" إليعاد " الذين يتولون تنفيذ هذه المشاريع يؤكدون أن الهدف منها هو العمل على إيجاد واقع يكون من المستحيل معه إعادة تقسيم مدينة القدس مجدداً، وكسر التواصل الديموغرافي والعمراني الفلسطيني فيها.

مبالغ طائلة من التي يقدمها ميسكوفيتش لدعم مشاريع التهويد والإستيطان من المفترض أن تدفع كضرائب للخزانة الأمريكية، لكن يتم إعفاؤه من ذلك حيث أنه أقنع سلطات الضرائب الأمريكية أنها يقدم هذه الأموال كتبرعات لجمعيات خيرية!!!. وبالمناسبة هذه تعتبر وسيلة مثلى يلجأ إليها الكثير من رجال الأعمال والأثرياء اليهود للتملص من دفع الضرائب وفي نفس الوقت دعم المشاريع الإستيطانية في إسرائيل.

وإن كان ميسكوفيتش يتولى تمويل عمليات التهويد في القدس، فإن الملياردير اليهودي الإسترالي اسحاق جوتنيك يتولى تمويل عمليات التهويد والإستيطان في مدينة الخليل ومحيطها. وترى محافل إسرائيلية إن المستوطنين تمكنوا من شراء الكثير من العقارات في الخليل ومحيطها بفعل التبرعات السخية التي يقدمها جوتنيك. جوتنك الذي جمع ثورة طائلة من الإتجار بالمجوهرات يخصص أموال طائلة لدعم البناء في مدينة الخليل وتحديداً في البلدة القديمة منها، فضلاً عن تمويل إقامة أحياء سكنية كاملة في المستوطنات التي تقع في محيط الخليل، مثل مستوطنة " كريات أربع ". ويقوم جوتنيك بتمويل الأنشطة السياسية والإجتماعية التي ينظمها المستوطنون في الخليل الذين يعتبر من غلاة المتطرفين. ويتولى جوتنيك تمويل الأنشطة القانونية التي تخصص للدفاع عن المستوطنين أمام المحاكم، مع العلم أن المستوطنين في الخليل لا يترددون عن الإعتداء على المواطنين الفلسطينيين والتنكيل بهم.

 

والسؤال البسيط الذي يمكن أن يطرح هنا: أين هم الأثرياء العرب من دعم الوجود الفلسطيني في القدس؟.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر