موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس والانتخابات .. دوافع "الفيتو" الإسرائيلي

الاسلام اليوم 20/09/2005
في حملة دعائية منسقة شارك فيها أركان الحكم في الدولة، صعّدت إسرائيل ضغوطها على السلطة الفلسطينية لإجبارها على عدم السماح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر إجراؤها في 25 يناير المقبل. فقد هدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون باستغلال سيطرة جيش الاحتلال على الضفة الغربية من أجل إعاقة تنظيم هذه الانتخابات، عن طريق عدم السماح للفلسطينيين بحرية الحركة في يوم الانتخابات وقبله. مع العلم أن جيش الاحتلال ينشر مئات الحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة على مداخل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية.
أما القائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيرس فقد خرج عن طوره بشكل لافت ، عندما هدّد السلطة بأنه سيتم قطع المساعدات الدولية عنها في حال تم السماح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات. إسرائيل تقدم حجة واهية لتبرير هذا الطلب بقولها: إنه لا يجوز السماح بمشاركة تنظيم يتبنى "العنف والإرهاب" في إشارة للمقاومة ضد الاحتلال. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تصعّد الدولة العبريّة من لهجتها ضد مشاركة حركة حماس في الانتخابات حالياً، على الرغم من أن وزير خارجيتها المتطرف سيلفان شالوم سبق له أن أقر بعدم قدرة إسرائيل على منع حماس من المشاركة فيها؟!
بإمكاننا أن نشير هنا إلى عدد من الأسباب التي تدفع صُنّاع القرار في الدولة العبرية لاتخاذ هذا الموقف المتشدّد من مشاركة حماس في الانتخابات:
1- تتوقع إسرائيل على نطاق واسع أن تحقق حركة حماس نتائج كبيرة وإنجازاً واضحاً، وبالتالي فإن قادة اليمين -وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو منافس شارون القويّ في هذه الانتخابات في حزب الليكود الحاكم- سيدّعون أمام الرأي العام الإسرائيلي أن تنبؤاتهم صدقت، وهاهي خطة " فك الارتباط " تؤدي إلى تعزيز مكانة حركة حماس بدلاً من إضعافها كما كان يروّج لذلك شارون. من ناحية ثانية سيدّعي الكثيرون في إسرائيل أنه تبين بشكل لا يقبل التأويل أن المقاومة الفلسطينية جنت ثماراً سياسية هامة، مع العلم أن أحد مقومات الردع الإسرائيلي في مواجهة حركات المقاومة كان يقوم على حرمان هذه الحركات من أي إنجاز سياسي بفعل مقاومتها. في نفس الوقت فإن تحقيق حماس لنتائج كبيرة في الانتخابات -كما هو متوقع- سيعني فشل خيار القوة العارية الذي استخدمته الدولة العبرية ضد الحركة خلال انتفاضة الأقصى، والذي بلغ ذروته بتصفية معظم قادة الحركة جسدياً.
2- تحقيق حماس لنتائج كبيرة يعني ضمانها قدراً كبيراً من التأثير على عملية صنع القرار في السلطة الفلسطينية. وتدرك إسرائيل أن ذلك يعني إسدال الستار على أي فرصة لتسوية سياسية مع الطرف الفلسطيني، سواء تسوية نهائية -كما يرى الكثيرون من قادة حزب العمل- أو تسوية مرحلية كما يرى شارون، وهذا ما عبّر عنه صراحة أكثر من مسؤول إسرائيلي. مع العلم أن إسرائيل ترغب في تسوية سياسية تضمن خارطة مصالحها الإستراتيجية في الضفة الغربية، إلى جانب التصفية العملية لقضايا الحل الدائم الرئيسة مثل: القدس واللاجئين والحدود.
3- تعتقد الكثير من دوائر البحث التي تعتمد عليها الجهات المسؤولة عن تقديم التقييمات الإستراتيجية لصناع القرار في الدولة العبرية- أن مزيداً من القطاعات الجماهيرية الفلسطينية تبدي تقبلاً لأفكار حركة حماس، فضلاً عن الثقة التي تمنحها لها، بعد أن تبيّن حجم الفساد الذي يتغلغل في مؤسسات السلطة الفلسطينية.
4- يرى قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وخصوصاً يوفال ديسكين رئيس جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" أن مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية يعني تقليص هامش المناورة أمام الدولة العبرية للمس بالحركة أمنياً، والتعرض لقادتها. وحذّر ديسكين وزراء الحكومة الإسرائيلية أكثر من مرة أنه سيكون من الصعب جداً إقناع دول العالم وتبرير تصفية قيادي في حركة حماس يتم انتخابه مباشرة من الشعب الفلسطيني.
5- تتخوف إسرائيل من أن الانتخابات ستعزز مكانة حماس الدولية، لاسيما أن دول الاتحاد الأوروبي شرعت –فعلاً- في اتصالات على مستوى الدبلوماسيين مع ممثلين عن حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولاسيما من الشخصيات التي انتخبت للمجالس المحلية، وهذا يشكل عائقاً إضافياً أمام قدرة إسرائيل على المس بالحركة أمنياً، أو تنسيق الخطوات ضدها مع الدول الأوروبية. وتخشى الدولة العبرية من أن يقوم الاتحاد الأوروبي بإخراج الحركة من قائمة التنظيمات الإرهابية.
ردة الفعل الأمريكية المتحفظة على التهديدات الإسرائيلية لم تكن لأسباب مبدئية، بل إن واشنطن عبّرت عن تخوفها أن تؤدي تهديدات شارون فقط إلى تعزيز قوة حماس الجماهيرية أمام الرأي العام الفلسطيني. وحتى السلطة الفلسطينية التي رفضت الضغوط الإسرائيلية نظرت إليها من باب التخوّف من تعزيز قوة حماس. وليس سراً أن الكثير من الدوائر داخل السلطة وفي حركة "فتح" تلتقي مع إسرائيل في رفضها لمشاركة حركة حماس في الانتخابات خوفاً من النتائج المتوقع أن تحققها الحركة. وقد يكون رفض هذه الدوائر لموقف شارون مجرد ضريبة كلامية فقط، وهي تتمنى في قرارة نفسها أن يقوم شارون بتنفيذ تهديده؛ لأن هذه الدوائر تعي أنها ستفقد قدراً كبيراً من نفوذها بعد الانتخابات، لاسيما بعد أن قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتحديد موعد الانتخابات التشريعية. وليس من المستبعد أن تنجح هذه الدوائر في إقناع عباس مرة أخرى بتأجيل الانتخابات؛ إذ إن حركة فتح على الرغم من تأجيل موعد الانتخابات الذي كان مقرراً في السابع عشر من تموز الماضي لم تستطع حل أزمتها الداخلية، أو على الأقل التخفيف منها. وبالتالي فإن هناك مصلحة واضحة لهذه الدوائر في إبعاد حماس عن الانتخابات عن طريق تأجيلها مرة ثانية حتى تتوفر ظروف تجعل من تنظيم هذه الانتخابات أمراً مستحيلاً، أو عن طريق تنفيذ شارون لتهديداته. وليس سراً أن قوى عربية إقليمية مؤثرة في الشأن الفلسطيني لا ترغب في رؤية حركة حماس تشارك في الانتخابات وتحقق نتائج قوية حتى لا يؤثر ذلك على أوضاعها الداخلية.
إذا كانت السلطة ترفض حقاً التدخل الإسرائيلي في الانتخابات التشريعية، فإن عليها أن تبطل الحجة التي تقدمها إسرائيل لتبرير مطالبتها بمنع حماس من المشاركة في الانتخابات. فالدولة العبرية تدّعي أنها وقّعت في العام 1995 مع السلطة في واشنطن على اتفاقية فرعية ضمن اتفاق اوسلو تقضي بمنع أي شخص أو هيئة أو تنظيم يدعو إلى العنف بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية. من هنا فإن إسرائيل تدّعي أن حركة حماس بوصفها حركة مقاومة لا يمكنها المشاركة في الانتخابات التشريعية. كان الأحرى بالسلطة أن تعلن -وبشكل واضح لا لبس فيه- أنها غير ملتزمة بهذه الاتفاقية، بعد أن ألغت الدولة العبرية اتفاق أوسلو، وكل الاتفاقيات المتفرعة عنها عملياً بتنفيذها خطة " فك الارتباط " من جانب واحد. الغموض الذي يكتنف الموقف الفلسطيني الرسمي من مسألة مشاركة حركة حماس في الانتخابات يتوجب أن ينتهي حفاظاً على العلاقات الفلسطينية الداخلية؛ فليس من الحكمة التسليم بالفيتو الإسرائيلي على مشاركة حماس في الانتخابات

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر