موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
جهاد العمارين..............الشموخ في نسخته الفلسطينية

كاد سرادق العزاء يضيق على سعته بالجموع الغفيرة من الناس التي أصرت على القدوم للتعزية في استشهاده، حيث خرجت غزة عن بكرة أبيها للتعبير عن حزنها بفقدان ذلك العملاق. إنه ......جهاد العمارين، مؤسس " كتائب شهداء الأقصى "، الذي لم يرتبط شخص بمولد ذراع مقاوم كما ارتبط هو بانطلاق " كتائب شهداء الأقصى ".

ولو لم يكن كل ما يروى عنه حقيقة، لكانت حياة العمارين الذي تحل قريباً الذكرى السابعة لاستشهاده قصة خيال لبطل أسطوري في عالم آخر. فهذا الرجل الذي ولد عام 1954، فقد والده عندما كان طفلا لم يتجاوز الخامسة من عمره، فعندما بلغ الخامسة عشرة من العمر، انضم هذا الفتى إلى مجموعات الفدائيين. ورغم سياسة البطش والتصفية التي كان يتبعها قائد المنطقة الجنوبية والمسؤول عن قطاع غزة في ذلك الوقت الجنرال أرييل شارون رئيس الوزراء الأسبق ضد كل صور المقاومة الفلسطينية، نجح العمارين في تنفيذ عملياته ضد لواء المظليين في جيش الاحتلال بقيادة الجنرال مئير دجان الذي يشغل الآن منصب رئيس جهاز الموساد. اعتقل العمارين أواخر عام 1970، ونظراً لأنه كان حدثا فقد حكمت عليه المحكمة العسكرية في غزة بالسجن لمدة عامين.

السجن والمقاومة

 أفرج عنه عام 1972، لكنه باشر العمل المسلح بعد أيام من اطلاق سراحه وظل يمارسه في إطار قوات المقاومة الشعبية التابعة لحركة فتح. واعتقل العمارين مجدداً عام 1973 ولكن هذه المرة حكم عليه بالسجن 12 عاما. وفي عام 1985 أفرج عنه في إطار صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة التي يتزعمها احمد جبريل، وأبعدته قوات الاحتلال للخارج. توجه العمارين إلى أوروبا ومنها للأردن وهناك تزوج، لكنه عاد للعمل التنظيمي المقاوم، ومن الأردن عمل على تنظيم العمليات العسكرية ضد الاهداف الاسرائيلية، فأوجد لأول مرة تنسيقا عسكريا بين فتح وحركة الجهاد الاسلامي، وهي الفصيل الإسلامي الوحيد الذي كان يتبنى العمل المسلح في ذلك الوقت. وأطلق على المجموعات التي شكلها العمارين «سرايا الجهاد» التي نفذت أول عملية فدائية عام 1986 ضد جنود من لواء جولاني كانوا يؤدون قسم الولاء في ساحة البراق التي يطلق عليها اليهود حائط المبكى في البلدة القديمة في القدس المحتلة، أدت الى اصابة 77 جنديا. وفي نفس العام أرسل العمارين مجموعة من الفدائيين تسللت عبر نهر الأردن إلى الخليل حيث نفذت عملية «الدبويا» وهي منطقة في وسط البلدة القديمة في الخليل وتشكل إحدى البؤر الاستيطانية فيها التي قتل فيها ستة من المستوطنين، وكانت أول عملية كبيرة ضد الوجود الاستيطاني في الخليل.

 

ديان يعجب بصنيعه

 ونظراً للقدرات التي أثبتها أفراد الخلية في تجاوزهم للأنظمة الأمنية العسكرية الاسرائيلية، اصر وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي الأسبق الجنرال موشيه ديان على التقاء أفراد الخلية في معتقلهم في سجن نفحة الصحراوي، وقد عقد معهم ثلاثة لقاءات كرر فيها اعجابه بهم. وكان يشارك العمارين في قيادة العمل المسلح من الأردن حمدي البحيصي واأو حسن (باسم التميمي) ومروان الكيالي، واستشهد هؤلاء الثلاثة في عملية اغتيال دبرها جهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلي (الموساد). و عقب اغتيال زملائه في قيادة المجموعة في قبرص اعتقلته السلطات الأردنية لمدة شهرين ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية، ففر الى العراق في شاحنة لنقل القمح. وفي إحدى زيارات أبو عمار ألى العراق غادر معه إلى تونس. وهناك لم يسقط العمارين الراية، إذ عمل على تأطير الشباب الفلسطيني في خلايا وأرسلهم للعمل في الاراضي المحتلة. وحاول العمارين العودة لغزة متسللا عبر الحدود المصرية عام 1991 لكن السلطات المصرية اعتقلته واستمر اعتقاله لستة أشهر عاد بعدها إلى تونس. ولدى تشكيل السلطة الفلسطينية حاول العمارين العودة إلى غزة كمسؤول عن قوات منظمة التحرير التي كانت تتمركز في تونس، إلا أن اسرائيل رفضت بشدة السماح له بالدخول، فاصطحبه معه عرفات في سيارته الخاصة عندما وصل لأول مرة إلى غزة، إلا أن إسرائيل أصرت على عودته، وكادت تصدر قراراً بمنع تحركات عرفات، فاضطر جهاد العمارين لمغادرة غزة بعد 48 ساعة على عودته إليها متوجهاً الى مصر وهناك اعتقلته السلطات المصرية مجددا، وأبعدته إلى تونس التي رفضت سلطاتها السماح له بالدخول فتوجه للجزائر مستخدما جواز سفر كان الراحل خليل الوزير (ابو جهاد) الرجل الثاني في فتح، قد زوده به لاستخدامه في اوقات الطوارئ.

لم يتوقف العمارين عن محاولاته للعودة إلى أرض الوطن، ففي فبراير (شباط) 1996 حاول العودة إلى قطاع غزة عبر الحدود المصرية بجواز سفر مزور لكن سلطات الاحتلال اكتشفته مجدداً فأعادته إلى مصر وهناك اعتقل مجدداً، لكنه عاد بصورة رسمية في شهر أبريل (نيسان) من نفس العام كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني للمشاركة في اجتماعات المجلس.

 

 

 

بين السلطة والمقاومة

وقام الرئيس عرفات بتخييره في تبوؤ المنصب الذي يختاره في أجهزة السلطة، فعمل في اطار المباحث الجنائية برتبة عقيد، لكنه اختلف منذ اليوم الأول مع قيادة الشرطة بسبب تصرفات هذه القيادة، فنقل إلى إدارة عمليات الشرطة وهناك حدث نفس الأمر. فقرر ترك العمل في أجهزة السلطة، ورفض الارتهان للعمل في مؤسساتها، في حين يرى إن الاحتلال ما زال جاثماً على صدر شعبه. فتوجه العمارين لتشكيل جهاز عسكري لحركة فتح في قطاع غزة في مطلع عام 2000 كان نواة «كتائب شهداء الاقصى»، ووقعت أول عملية نفذتها «كتائب شهداء الاقصى» تحت إمرة العمارين في مارس (آذار) من نفس العام، اذ نصب فدائيو الكتائب كميناً لدورية عسكرية اسرائيلية أوقع قتيلين. وكانت العملية الثانية في شهر أبريل (نيسان) حيث قتل أربعة جنود على طريق «كارني نيتساريم» شرق غزة، وأوقعت العملية الثالثة أربعة قتلى وذلك في اغسطس (آب) من نفس العام، أي قبل شهر من اندلاع انتفاضة الاقصى.

الفراق مع السلطة

في أعقاب هذه العمليات اعتقله الأمن الفلسطيني، وذلك بعد حملة تحريض ضخمة من حكومة إسرائيل ضد السلطة بدعوى غض الطرف عن أنشطة العمارين. واندلعت انتفاضة الأقصى بينما كان العمارين في المعتقل الفلسطيني، وأثناء سجنه اخذت اسرائيل تتهمه بالاتصال «بحزب الله». وأفرجت السلطة عنه بعد عملية قصف جوي شهدتها غزة في اكتوبر (تشرين الاول) عام 2000،  ليعاود نشاطه فورا. بعدها عمل لأول مرة على التنسيق بين خلايا «كتائب شهداء الاقصى» في غزة وعناصر فتح في الضفة الغربية لكي يبادروا إلى تشكيل مجموعات لـ«شهداء الاقصى» أيضا هناك، وشكلت قيادة مشتركة للكتائب في الضفة والقطاع إلى جانب تنظيم الخلايا المسلحة، وكان جهاد يقوم شخصياً بعمليات رصد تحركات جيش الاحتلال وتحديد واختيار الأهداف وكان يحرص على متابعة سير العمليات بدءاً من انطلاق عناصر الخلايا وحتى عودتهم إلى قواعدهم إن عادوا سالمين، كما يقول رفاق دربه، وقد اعتقلته الاجهزة الامنية الفلسطينية مجددا في اكتوبر من عام 2001، وقد أفرج عنه بعد شهر. وظل على درب المقاومة حتى قضى شهيداً في عملية اغتيال دبرتها المخابرات الإسرائيلية عبر تفجير السيارة التي كان يستقلها.

ذكرى استشهاد العمارين هذا العام تكتسب أهمية خاصة، إذ إنها تدلل بما لا يقبل الشك على حجم الجريمة المتمثل في اختطاف حركة فتح من قبل أولئك الذي يتبنون خطاً مغايراً لخط العمارين، فاستبدلوا المقاومة بمطاردة المقاومين، والتنسيق الأمني مع الإحتلال لتحسين قدرته على مواصلة جرائمه. هؤلاء الذين يغطون على السجل الناصع لحركة " فتح " العملاقة التي فجرت النضال الوطني ضد الاحتلال. قد لا يعرف الكثيرون أن عدد المستوطنين وجنود الاحتلال الذين قتلوا في عمليات نفذتها حركة " فتح " خلال انتفاضة الأقصى أكثر من العدد الذي قتل في عمليات المقاومة التي نفذها أي فصيل آخر.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر