موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
شارون ونتنياهو سباق في التطرف

الاسلام اليوم 06/09/2005
أشعلت خطة " فك الارتباط " جذوة الصراعات داخل حزب الليكود الحاكم في الدولة العبرية، وتحديداً بين رئيس الوزراء ارئيل شارون ووزيرالمالية المستقيل بنيامين نتنياهو. وقد تطورت الخلافات بين الشخصين إلى درجة مجاهرة نتنياهو بالمخططات التي يعكف عليها للإطاحة بشارون ودفعه نحو ترك حلبة العمل السياسي. وفي معرض تدليله على وجوب التخلص من شارون، يزعم نتنياهو أن شارون بتنفيذه خطة فك الارتباط قد مس بالمصالح الإستراتيجية العليا للدولة العبرية. وفي سياق ذلك ينوّه نتنياهو إلى أن " فك الارتباط " قد أدّى للمس بقوة الردع الإسرائيلية في مواجهة الحركات الفلسطينية، وخاصة حركة حماس. ومن أجل دب الرعب في أوساط الإسرائيليين ودفعهم لتأييده يدّعي نتنياهو أن كل منطقة ستخليها قوات جيش الاحتلال ستتحول إلى مناطق نفوذ لحركة حماس، إلى غير ذلك من الشعارات الهادفة لتحطيم مصداقية شارون أمام الجمهور الإسرائيلي.
المفارقة أن الحملة الدعائية التي يخوضها نتنياهو وغيره من خصوم شارون في الليكود قد أدّت إلى نتيجتين متناقضتين. فمن ناحية دلت استطلاعات الرأي العام في الدولة العبرية على أن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تؤيد شارون، وحسب الاستطلاع الذي أجراه معهد "داحاف" لصالح صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية تبين أن 54% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد شارون، في حين أن 21% فقط من هذا الجمهور يؤيد نتنياهو. ولكن في المقابل فإن استطلاعات الرأي تؤكد أن معظم منتسبي حزب الليكود يؤيدون نتنياهو، مع العلم أن منتسبي " الليكود " هم الذين يختارون رئيس الحزب ومرشحه لرئاسة الوزراء قبيل أي انتخابات تشريعية. من هنا فإنه من ناحية عملية لن يكون بوسع شارون مواصلة عمله السياسي وقيادة الدولة في حال ظل ضمن حزب الليكود. لذلك حرص مقربو شارون ومستشاروه على إقناعه بأن يقوم بالانشقاق عن حزب الليكود وتشكيل حزب آخر. ويوصي هؤلاء المستشارون شارون بأن يضم إليه حزبي العمل وشينوي. وتتوقع استطلاعات الرأي العام في الدولة العبرية أن يحصل الحزب الجديد على (45) مقعداً، ويكون بوسعه تشكيل ائتلاف حاكم بسهولة . يبذل شارون جهده من أجل إقناع نواب ووزراء الحزب بأن يؤيدوه، ويخوفهم من أنهم مرشحون لفقدان مقاعدهم في البرلمان والحكومة في حال ساعدوا نتنياهو على الإطاحة به. وعلى ما يبدو أن ما يراهن عليه شارون قد آتى أكله إلى حد ما؛ إذ إن معظم الوزراء والنواب حتى من أولئك الذي يعارضون شارون لا يبدون حماساً لتأييد نتنياهو في سعيه تمرير قرار في اللجنة المركزية للحزب بتقديم موعد الانتخابات التمهيدية لاختيار زعيم الحزب ومرشحه لرئاسة الوزراء. فمعظم وزراء ونواب الليكود يخشون في حال أُجريت انتخابات تشريعية جديدة، أن يفقدوا مواقعهم.

التنافس في إبداء المواقف المتطرفة
اللافت أن حمى التنافس بين شارون ونتنياهو جعلتهما يتباريان في إبداء المواقف المتطرفة من مستقبل التعاطي مع القضية الفلسطينية. نتنياهو اختار قضية القدس لكي يهاجم شارون، مدّعياً أن شارون يخطط لتقسيم المدينة وإعادة أجزاء منها للفلسطينيين. بالطبع ما يقوله نتنياهو هو محض افتراء؛ إذ إن الحكومة بقيادة شارون هي أكثر حكومات إسرائيل مساهمة في جهود تهويد القدس، وليس هنا المجال للتذكير بخطورة الخطوة التي أقدم عليها شارون عندما أصدر أوامره لاستكمال الجدار حول القدس، والذي يعني استكمال تهويد المدينة وضم أكبر التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية إليها. شارون لم يكتف بتذكير الإسرائيليين بمدى مساهمته في تهويد المدينة، بل إنه ولكي يثبت أنه أكثر حرصاً من نتنياهو على تهويد المدينة، أعلن أن حكومته ستعمل على إقامة آلاف الوحدات السكنية في الأحياء الاستيطانية الجديدة التي أُقيمت في شرق وجنوب المدينة. ليس هذا فحسب، بل إن شارون حرص على تسريب معلومات حول نية حكومته قطع مزيد من الخطوات في مشروع "القدس الكبرى" الذي يهدف لجلب مليون يهودي للاستيطان في القدس ومحيطها، من أجل تكريس تهويد المدينة مرة و إلى الأبد. لكن تطرف شارون الهادف لتطويق نتنياهو لم يتوقف عند القدس، بل تعداه إلى الاستيطان في بقية مناطق الضفة الغربية بشكل عام. فشارون حرص على زيارة التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية والإعلان من هناك أن هذه التجمعات ستبقى جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية. ولا يفوت شارون وفي معرض إبراز الفروق في القدرات القيادية بينه وبين نتنياهو أن يشير إلى أنه أول زعيم إسرائيلي نجح في إقناع الإدارة الأمريكية بتبني مواقف إسرائيل المتشبثة بضم التجمعات الاستيطانية والرافض لحق العودة والانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران في العام 67. ويذكر شارون الإسرائيليين أن بوسعهم الاعتماد عليه في كل ما يتعلق بمستقبل المواجهة مع الشعب الفلسطيني، ويعد الإسرائيليين بأنه سيحول حياة الفلسطينيين في قطاع غزة إلى جحيم لا يطاق في حال واصلت حركات المقاومة القيام بأي عمليات بعد إنجاز "فك الارتباط"، وذلك لكي يقلص من تأثير حملة نتنياهو التي تشدد على أن فك الارتباط سيعمل فقط على تقوية حركة حماس. ويتباهى شارون أمام نتنياهو أنه على الرغم من أنه يتشبث بهذه المواقف المتطرفة، فإن حكومات الدول العربية والإسلامية تتنافس فيما بينها من أجل الإيضاح لإسرائيل أنها بصدد إقامة علاقات دبلوماسية معها. ولا يتورع مقربو شارون عن الكشف عن الكثير من الأمور التي عادة لا يفصح عنها في الظروف الطبيعية، وبالذات تسريب معلومات حول تطور التعاون الأمني بين إسرائيل والعديد من الدول العربية في ظل حكم شارون. ولسنا هنا في معرض طرح ما يرد به نتنياهو على شارون؛ إذ إن نتنياهو يعد الإسرائيليين بانتهاج سياسة تعتمد على القوة في التعامل مع العالم العربي والفلسطينيين، إلى غيرها من المواقف المتطرفة.

العرب والتنافس بين نتنياهو وشارون
إنه لمن دواعي الاستهجان والاستغراب أن تسارع الدول العربية والإسلامية إلى
تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية، على الرغم من كل ما يبديه زعماء هذه الدولة من مؤشرات خطيرة ومقلقة جداً تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته. لقد كان من المفترض أن تبدي دوائر صنع القرار في العالمين العربي والإسلامي اهتماماً بالجدل الداخلي الإسرائيلي وبالذات بين شارون ونتنياهو. إن تجاهل هذه المؤشرات وتلك الدلائل سيكون له عواقب وخيمة، ليس فقط على مستقبل القضية الفلسطينية، بل أيضاً على صدقية الأنظمة الحاكمة في العالم العربي التي تعاملت مع " فك الارتباط "، وكأنه نافذة الفرص التي يتوجب أن تستغلها من أجل تبرير تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر