موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عباس....... ومخرجات نظرية " الخيار الأوحد "

حتى في أكثر أحلامه وردية لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوقع حجم الإنجاز الذي حققه في اللقاء الثلاثي الذي جمعه بكل من الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس السلطة محمود عباس. فحسبما أعلن مساعدوه، فقد استعد نتنياهو لسيناريو يقوم أوباما خلاله بتحويل اللقاء إلى رافعة للضغط على إسرائيل لإجبارها على تقديم إلتزام بتجميد الإستيطان، سيما بعدما عاد مبعوثه للمنطقة جورج ميتشيل بخفي حنين في أعقاب ثمانية جولات في المنطقة هدفت إلى إقناع تل أبيب بقبول موقف أوباما الذي أعلنه خلال خطاب القاهرة والقاضي بتجميد الإستيطان. لكن ما حدث كان عكس كل مخاوف نتنياهو ورهانات عباس، إذ أن أوباما تراجع علناً وبدون سابق إنذار عن مطالبته بتجميد الإستيطان واكتفى بالمطالبة بـ " ترشيده ولجمه "، ليس هذا فحسب، بل أن أوباما أصر على إلزام محمود عباس بالموافقة على استئناف المفاوضات مع إسرائيل في ظل إصرار نتنياهو على مواصلة الإستيطان وعمليات التهويد. ولا يحتاج المرء للقول أن مجرد موافقة عباس على حضور هذا اللقاء قبل الحصول على تعهد إسرائيل بتجميد الإستيطان يعد تراجعاً واضحاً عن التعهدات التي قدمها عباس للفلسطينيين والتي أطلقها في مناسبات عديدة وتحديداً أمام اجتماعات المؤتمر العام السادس لحركة فتح وأمام اجتماع المجلس الوطني في رام الله، والتي شدد فيها على أنه لا يمكن عقد أي لقاء بينه وبين نتنياهو دون الحصول على إلتزام إسرائيل مسبق بتجميد الإستيطان. ومن أسف إن إحدى نتائج اللقاء الثلاثي هو مجاهرة إسرائيل بإبتزاز السلطة بشكل غير مسبوق عندما أبلغ المسؤولون الإسرائيليون قيادة السلطة أنه يتوجب عليهم تسحب طلب التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل أن توافق إسرائيل على منح السلطة ترخيصاً بتأسيس شركة ثانية للهاتف النقال في الضفة الغربية، ناهيك عن " مكافأة " عباس بالسماح لقطعان المستوطنين بتدنيس المسجد الأقصى المبارك تحت حراسة وحماية الجنود الإسرائيليين الذين جرحوا العشرات من الشبان الفلسطينيين الذين تصدوا لهم.

 ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن النتيجة المخزية للقاء الثلاثي بالنسبة لعباس سلطته كانت متوقعة للأسباب التالية:

1-  لقد حرص عباس وفي أكثر من مناسبة على التأكيد على وحدانية المفاوضات كخيار أمام السلطة بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي. وقد شدد عباس على نظرية " الخيار الأوحد " في مقابلاته الصحافية عشية اللقاء، عندما أكد أنه على الرغم من المواقف الإسرائيلية فإن البديل عن المفاوضات هو المزيد من المفاوضات. وواضح تماماً أنه عندما يسمع الإسرائيليون هذا الموقف الصريح والواضح من رئيس السلطة فإنه لا يوجد ما يقنعهم بتغيير مواقفهم الصريحة والمعلنة. بل على العكس تماماً فإن إسرائيل ستبدي مزيداً من التشدد في مواقفها. وكان الأجدر بعباس الإستماع لما قاله وزير الخارجية والأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي الذي أكد أن تاريخ العلاقات الإسرائيلية العربية يدلل بشكل لا يقبل التأويل على إن إسرائيل لا تعرف إلا لغة القوة وأنه كلما أبدت الأطراف العربية استعداداً للتنازل كلما زادت شهية إسرائيل للمطالبة بالمزيد من التنازلات. وكان الأجدر بعباس الاستماع الى عالم الإجتماع الإسرائيلي سامي سموحا الذي شدد مؤخراً على أن المجتمع الإسرائيلي لا يبدي استعداداً للتعاطي مع مشاريع التسوية السياسية الهادفة إلا في ظل نوع من الضغط الذي يهدد أمنه الداخلي. فهل يعتقد عباس أنه لمجرد أن يعلن أنه ضد العنف فإن إسرائيل ستبدي مرونة إزائه؟ أن من يتشبث بهذا النهج يتجاهل نتاج تجربة 16 عاماً من المفاوضات مع إسرائيل حرصت السلطة خلالها على التفاوض كخيار أوحد، فماذا كانت النتيجة؟ تعاظم المشروع الإستيطاني بنسبة تجاوزت الستين بالمائة مقارنة مع الفترة التي كانت سائدة قبل التوقيع على إتفاقيات أوسلو. ومن ناحية أوباما فإنه وجد في عباس الطرف الأضعف والذي بالإمكان ممارسة الضغوط عليه، إذ إن ممارسة الضغوط على نتنياهو ستحرج أوباما نفسه بسبب أوراق القوة الكبيرة التي يمتلكها نتنياهو في الساحة الأمريكية الداخلية.

2-  لم يطمئن عباس فقط الإسرائيليين بإلتزامه بعدم تبني أي خيار آخر سوى المفاوضات، بل أنه أخذ على نفسه محاربة الفلسطينيين الذين يرى أنهم قد يقوموا بتهديد أمن إسرائيل، ولم يتورع للحظة واحدة عند دفع التنسيق الأمني مع الإسرائيلين قدماً، لدرجة أن قادة الأجهزة الأمنية الصهيونية يكيلون المديح لدور أجهزة عباس الأمنية في تعقب المقاومين ومطاردتهم وتعذيبهم. ومن الواضح إن هذا السلوك سيغري نتنياهو بمواصلة التشدد، فإن كانت السلطة تقدم على هذا السلوك في ظل التعنت الإسرائيلي، فما الذي سيقنع حكما تل أبيب بتغيير نمط سلوكهم تجاه هذه السلطة.

3-  هناك أساس للإعتقاد أنه على الرغم من " خيبة الأمل " المفتعلة التي عبر عنها العديد من ممثلي السلطة، إلا أن عباس سيمضي في التفاوض مع إسرائيل وذلك وفق خطة مدروسة تهدف الى إعلان سلطة حكم ذاتي في الضفة الغربية، وهي التي يحضر لها رئيس وزرائه سلام فياض ويبشرنا بأنها ستكون " الدولة الفلسطينية ". فلأن الحديث يدور عن حكم ذاتي، فلا يوجد هناك مسوغ لإبداء حساسيات تجاه مشاريع الإستيطان ومخططات التهويد، لإن الحكم الذاتي يقضي ضمان بقاء السيادة لإسرائيل على أرض. وبالفعل فإن هناك حديث متواصل عن إمكانية استئناف المفاوضات بين السلطة وتل ابيب برعاية أمركية في واشنطن ضمن السقف الذي حدده نتنياهو.

قصارى القول التراجع وخيبات الأمل غير المتناهية التي ينتهي إليها دائماً عباس هي نتاج طبيعي لنظرية " الخيار الأوحد " التي يتشبث بها.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر