موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
انتخاب"بيريتس"لقيادة "العمل"..دلالات وتداعيات

الاسلام اليوم 15/10/2005
مثّل انتخاب عمير بيريتس كزعيم جديد لحزب العمل الإسرائيلي، ومرشحه لرئاسة الوزراء في الانتخابات المقبلة- انقلاباً حقيقياً في الحلبة الحزبية الإسرائيلية، وأعاد خلط الأوراق بشكل واضح في الدولة العبرية. ويُعدّ تغلّب عمير بيريتس ذي الأصول الشرقية على رئيس الحزب الحالي وأحد قادته التاريخيين شمعون بيرس مفاجأة كبيرة بعد أن جاء بخلاف كل توقعات استطلاعات الرأي العام التي توقع معظمها أن يحقق شمعون بيرس الأشكنازي فوزاً سهلاً وكبيراً. ولا شك أنه بعد انتخاب بيريتس كزعيم جديد لحزب العمل، فإن حكومة شارون باتت تعد أيامها الأخيرة. فقد قال بيريتس في أول تصريح له بعد فوزه بأنه سيعمل على إخراج حزب"العمل" من حكومة شارون. ولم يكن هذا موقف طارئاً لبيريتس؛ إذ إنه وعد طوال الحملة الانتخابية بأن يقوم بإخراج الحزب من الحكومة في حال فاز بقيادته. فبيريتس يرى أن حزب العمل لا يحق له أن يطرح نفسه كبديل أيدلوجي لحزب الليكود، مادام يشارك في حكومة يقودها شارون؛ لأن حزب العمل أصبح يلتزم بالسياسات التي يمليها الليكود على الحكومة. تصريحات بيريتس لقيت معارضة من وزراء الحزب في الحكومة الذين لا يريدون فك ارتباطهم بكراسيهم، فردّوا على بيريتس بالقول: إن الخروج من الحكومة يتطلب موافقة مؤسسات الحزب وهياكله القيادية وتحديداً مركز الحزب ومكتبه السياسي. لكن لا خلاف على أن بيريتس يستطيع فرض شروط على مشاركة الحزب في حكومة شارون، بشكل يجعل مواصلة جلوس الحزب في حكومة شارون أمراً مستحيلاً. و يستطيع بيريتس وضع شروط على مواصلة مشاركة الحزب في حكومة شارون ولن يكون بإمكان أي مؤسسة من مؤسسات الحزب الاعتراض عليها، وبالذات على صعيد بنود موازنة العام 2006، مع إدراك بيريتس أن شارون لن يكون بإمكانه الموافقة على مطالبه على صعيد الموازنة. فبيريتس الذي يشغل حالياً منصب سكرتير لنقابات العمال، يمثل المطالب الاجتماعية للفئات الفقيرة والضعيفة في المجتمع الإسرائيلي، ولاسيما في مدن التطوير التي يقطنها بشكل أساس يهود من أصول شرقية. من هنا -على ما يبدو- فإن انتخاب بيريتس سيضع حداً لحكومة شارون بيريس، الأمر الذي يعني تحوّل حزب العمل للمعارضة، وهذا ما يفقد حكومة شارون أغلبيتها البرلمانية فوراً، ولا جدال على أنه لم يعد أمام شارون إلا التوجه لرئيس الدولة العبرية والطلب منه الدعوة لانتخابات جديدة للبرلمان. وواضح تماماً أنه في هذه الحالة لن تؤثر الخلافات داخل حزب الليكود بين معسكر شارون والمتمردين على مستقبل الحكومة؛ إذ إن انتخاب بيريتس يمثل كرة ثلج لن تنفك عن التدحرج حتى يُعلن عن حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة.
إلى جانب كل ما تقدم فإن استطلاعات الرأي العام التي أُجريت في أعقاب انتخاب بيريتس كزعيم لحزب العمل تدل على أن الخارطة الحزبية الإسرائيلية ستتغير بشكل واضح في أعقاب هذا التطور. وتدل استطلاعات الرأي على أن انتخاب بيريتس سيرفع من تمثيل الحزب في الكنيست القادمة، بحيث يقفز من (21) مقعداً إلى (28) مقعداً، في حين سيحافظ حزب الليكود تقريباً على عدد مقاعده (39 مقعداً). لكن التغير الكبير سيحصل تحديداً في حزب الوسط " شينوي" العلماني المعادي للأحزاب الدينية، وحزب "ياحد" اليساري، وحركة "شاس" الدينية التي تمثل اليهود الشرقيين. فكل من شاس وشينوي سيتحطمان في أعقاب انتخاب بيريتس. وكما تدل استطلاعات الرأي العام فإن عدد مقاعد حزب شينوي ستنخفض من (15) مقعداً في الكنيست الحالي إلى (6) مقاعد في الكنيست القادم، في حين ستنخفض عدد مقاعد شاس من (9) في الكنيست الحالي إلى خمسة مقاعد، في حين سيحصل حزب "ياحد" بزعامة يوسي بيلين على ثلاثة بدلاً من ستة مقاعد في الكنيست الحالي. ولكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاستطلاعات تؤكد أن الليكود سيحصل على (39) مقعداً فقط في حال كان ارئيل شارون على رأسه، لكن في حال خاض الحزب الانتخابات بدون شارون، فإن الحزب سيفقد أربعة عشر مقعداً، وستزيد بالضرورة المقاعد التي سيحصل عليها حزب العمل بقيادة بيريتس. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تتوقع استطلاعات الرأي العام أن ينجح بيريتس في المكان الذي أخفق فيه جميع قادة حزب العمل في العقد الأخير؟؟ واضح تماماً أن بيريتس يستفيد من ميزتين هامتين:
أولاً: كونه يهودياً شرقياً، وأنه نشأ في إحدى مدن التطوير " مدينة سديروت التي تتعرض لقصف صواريخ القسام"، وكان رئيساً لبلديتها، وأنه يعرض نفسه كمن وصل إلى ما وصل إليه عبر السباحة بعكس التيار الذي تحدد وتيرته المؤسسة الحاكمة التي يهيمن عليها الأشكناز الغربيين.
ثانياً: يستفيد بيريتس من حقيقة كونه سكرتيراً عاماً لنقابات العمال؛ إذ إنه بحكم موقعه هذا يتولى الدفاع عن قضايا العمال والطبقات الضعيفة، الأمر الذي قرّبه منهم وجعل قطاعات واسعة منهم تثق بقيادته. من هنا فإنه من المرجح أن انتخاب بيريتس سيحرم حركة شاس من نسبة كبيرة من المؤيدين التقليديين لها، وسيكون بيريتس قادراً على إقناع قطاعات كبيرة من مصوتي حركة شاس الشرقيين بالتصويت لحزب العمل بعد انتقاله لقيادته. وفي حال خاض الليكود الانتخابات دون شارون فإن قطاعات واسعة من الشرقيين ستتوقف عن تأييده، وتنتقل لتأييد حزب العمل بقيادة بيريتس. استطلاعات الرأي أكدت أن 41% من الجمهور الإسرائيلي يرون أن انتخاب بيريتس سيعزز فرص حزب العمل للعودة إلى الحكم. واضح تماماً أنه حتى بدون نتائج الانتخابات الأخيرة في حزب العمل لم تكن الظروف مناسبة لشارون لمواصلة البقاء في حزب الليكود، لاسيما بعدما أخفق نواب الحزب الذين عارضوا خطة " فك الارتباط "، والذين يوصفون بـ "المتمردين" في تعيين اثنين من مقربي شارون كوزيرين في الحكومة. وقد استنتج شارون من ذلك أنه على الرغم من تفوقه على نتنياهو في آخر تصويت تم في اللجنة المركزية للحزب، فإنه لن يكون باستطاعته إدارة شؤون الدولة بشكل جيد في حال اعتمد فقط على نواب حزبه. وقد وردت معطيات أخرى تجعل شارون مطالباً بمغادرة الحزب وتشكيل حركة جديدة. فقد دلت استطلاعات للرأي العام أُجريت مؤخراً أن أغلبية منتسبي الليكود تفضل تحديداً نتنياهو في زعامة الحزب. وحتى لو فاز شارون بزعامة الحزب، فإن الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الحزب للكنيست ستفرز المتمردين، والذين يتبنون مواقف أكثر تطرّفاً من شارون.
من هنا فإن شارون يفكر جدياً في الانشقاق عن حزب الليكود وتشكيل حزب جديد. الذي يغري شارون بشكل خاص بإقامة هذا الحزب هو حقيقة أن الحزب الجديد سيكون أكبر حزب في البرلمان القادم. استطلاعات الرأي العام تؤكد أن الحزب الجديد لشارون في حال انضم إليه شمعون بيرس سيحصل على (32) مقعداً، في حين سيتحطم حزب الليكود. على الرغم من حديث بيريتس بعيد انتخابه عن التزامه بالتوصل لتسوية سياسية، ومهاجمته للقيادة السابقة للحزب لتخليها عن تحقيق التسوية السياسية مع السلطة والدول العربية، فإن بيريتس سينتقل تحديداً للتركيز على القضايا الاجتماعية الاقتصادية؛ إذ إنه يرى أن هذه القضايا التي لا يمكن لأي أحد منافسته في طرحها، إلى جانب كون هذه القضايا هي التي تستقطب اهتمام القطاعات الفقيرة التي يرغب بيريتس في مغازلتها.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر