موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بوتين في ضيافة شارون: رهانات و "مغانم"

الاسلام اليوم 05/05/2005
لم يحاول قادة إسرائيل إخفاء حجم توقعاتهم ورهاناتهم على "العوائد" المعوّل عليها من الزيارة غير المسبوقة التي قام بها الرئيس الروسي فلادمير بوتين مؤخراً لتل أبيب. وعلى الرغم من خروج قادة الدولة العبرية عن طورهم وهم يحيطون بوتين بالحفاوة البالغة، إلا أنهم كانوا واضحين تماماً في سقف المطالب التي قدموها له، ولم يتردّدوا في ربط نجاح زيارته، بمدى استجابته لتحقيق هذه المطالب. وكان من بين المطالب التي طرحها الإسرائيليون على بوتين مطالبته بتوفير أكبر هامش من الحريّة لنشطاء الوكالة اليهوديّة الذين يتولّون إقناع اليهود الروس بالهجرة للدولة العبريّة والإقامة فيها. فمعروف أن إسرائيل تعتمد حالياً على هجرة اليهود الروس لها لمواجهة ما تعتبره "الخطر الديموغرافي" المتمثل في إمكانية تساوي عدد اليهود والفلسطينيين حتى العام ألفين وعشرين، كما تتوقع الدراسات التي تقوم بها دور البحث في الجامعات الإسرائيليّة، والتي تدق ناقوس الخطر في أروقة دوائر صنع القرار في الدولة العبريّة.
في إسرائيل يدّعون أنه في الآونة الأخيرة تعالت الكثير من الدعوات داخل روسيا للحدّ من هامش الحرية المتاح لموظفي الوكالة اليهودية الذين يعملون على دفع اليهود الروس للهجرة. وعلى الرغم من أنه لم تُترجم هذه الدعوات إلى خطوات عملية قامت بها السلطات الروسية ضد موظفي الوكالة اليهوديّة الذين يمسّون بسيادة الدولة الروسيّة، إلا أن الخوف الإسرائيلي من تبدّل السياسة الروسيّة تجاه عمل الوكالة اليهوديّة دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون وأركان حكومته إلى طرح هذه القضية على بساط البحث مع بوتين. وعلى ما يبدو فقد أثمرت الجهود الإسرائيليّة في إلزام بوتين بقطع تعهد على نفسه بأن يتم وقف الحملة المناهضة لجهود إسرائيل لتهجير أكبر عدد من اليهود الروس لها. وهنا يتوجب أن نشير إلى أن اليهود من أصول روسية يشكلون أكبر أقلية عرقية داخل الدولة العبرية. ويطمح شارون تحديداً إلى زيادة عدد اليهود الروس المهاجرين لإسرائيل للمساهمة في إنجاح خطة "القدس الكبرى" الهادفة إلى استجلاب مليون يهودي للاستيطان في القدس المحتلة ومحيطها.

عولمة الحرب ضد التنظيمات الإسلاميّة

خلال العقد الأخير تبين لدوائر صنع القرار في الدولة العبريّة أن الأجهزة الاستخباريّة الإسرائيليّة، وخصوصاً "الموساد" عاجزة عن توفير الحماية للمصالح اليهودية والإسرائيلية في أرجاء العالم، في ظل تصاعد التهديدات على هذه المصالح بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، وتعاظم النقمة داخل العالم الإسلامي ضد الدولة العبريّة. عجْز "الموساد" عن حماية المصالح اليهوديّة والإسرائيليّة تجسّد في نجاح العديد من العمليات التي استهدفت هذه المصالح، وأسفرت عن قتلى وجرحى.ونظراً لتزايد أعداد المعنيين بالمسّ بالمصالح اليهوديّة والروسيّة داخل العالم الإسلامي، فقد تبيّن للموساد تحديداً أن هناك نقصاً كبيراً في المعلومات الاستخباريّة التي يمكن أن تساعد في إحباط العمليّات التي تخطّط لها جماعات فلسطينيّة وعربيّة وإسلاميّة ضد المصالح اليهوديّة والإسرائيليّة. وسرعان ما توصلت الدولة العبريّة إلى استنتاج مفاده أنه يتوجب عليها أن تعمل كل ما في وسعها من أجل توثيق التعاون الاستخباري مع أكبر عدد ممكن من الدول من أجل إحباط المخططات التي تسعى للمسّ بمصالحها في الخارج، فكانت روسيا أهم دولة ارتأت إسرائيل أن بإمكانها الاعتماد عليها.
المنطق الإسرائيلي يقول: إنه بسبب الحرب التي تشنها روسيا ضد المقاومة الشيشانية فإن لديها "فائضاً" من المعلومات الاستخباريّة التي بإمكان "الموساد" الإفادة منها في جهوده لإحباط عمليات تستهدف مصالح اليهود في العالم. ولكي تسوّغ إسرائيل للروس تعاونهم الاستخباري معها، فهي تقول لهم: إن لكل من إسرائيل وروسيا عدواً إسلامياً مشتركاً واحداً، وإنه من مصلحة الجانبين التعاون من أجل القضاء على هذا العدو المشترك.
المسؤولون الإسرائيليون يؤكدون أنهم استطاعوا تحقيق اختراق هام على الجبهة الروسية، فقد صرح مساعد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت أن هناك -بالفعل حالياً- تعاوناً استخبارياً بين روسيا وإسرائيل في الحرب ضد الجماعات الإسلامية في أرجاء العالم.

منع تدفق السلاح الروسي على العرب

قبل أسبوع من الزيارة التي قام بها بوتين لإسرائيل، شرعت تل أبيب في حملة ضد موسكو بسبب عقدها صفقة لبيع صواريخ مضادة للطائرات من طراز AS-18 لسوريا. تل أبيب تدعي أن هذه الصواريخ تشكل تهديداً إستراتيجياً لها، وتزعم الدولة العبرية أنه في حال وصلت هذه الصواريخ لكل من حزب الله والتنظيمات الفلسطينية فإنها ستقلّص من هامش المناورة أمام سلاح الطيران الإسرائيلي. الخبراء الإستراتيجيون الإسرائيليون اعتبروا علانية أن مخاوف القيادة الإسرائيلية من صفقة الصواريخ مبالغ فيها إلى حد كبير على اعتبار أنها لا تغير من موازين القوى الذي يميل لصالح "إسرائيل" بشكل كبير. ومع ذلك نجحت الضغوط الإسرائيلية على موسكو، فقد عدلت روسيا من طبيعة الصفقة، فبدلاً من تزويد سوريا بصواريخ يمكن أن تُطلق من على الكتف، سيتم تزويدها بصواريخ تُطلق من على عربات، وواضح تماماً أن هذا التغيير جاء لتقليص المخاوف الإسرائيلية .

حصار البرنامج النووي الإيراني

لا تخفي إسرائيل قلقها من البرنامج الذري الإيراني على الرغم من أن هناك الكثيرين داخل الدولة العبرية يرون أنه لا مبّرر للقلق الإسرائيلي من المشروع النووي الإيراني. وهؤلاء يقولون: إنه ليس في الوارد بالنسبة لإيران أن تستخدم هذا السلاح ضد تل أبيب، وأن الحسابات الإيرانية تتسم بالبرود، خلافاً للانطباع السائد، ومع ذلك فإن إسرائيل الرسمية غير مستعدة لتحمل أي مخاطر، وهي بالتالي تضغط بكل قوة لإقناع روسيا بوقف تعاونها مع إيران في المجال النووي، على اعتبار أن روسيا هي التي قامت ببناء المفاعلات الإيرانية. وعلى حد زعم مساعد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت فإن الروس تجاوبوا مع الدولة العبرية أيضاً وتعهّدوا بعدم مساعدة إيران في تخصيب اليورانيوم.
لا شك أن الإسرائيليين حصلوا على العديد من "المغانم" خلال زيارة بوتين، رغم طرحهم للعديد من المطالب التعجيزية ، فهم لا يرون في علاقاتهم الثنائية مع الدول الأخرى إلا مصالحهم، ولا يعترفون بمصالح الآخرين. والمفارقة أن الإسرائيليين -وعلى الرغم من تجاوب بوتين معهم- وجهوا إليه إهانة عندما رفضوا اقتراحه بأن يتم عقد مؤتمر دولي حول التسوية في موسكو.
قصارى القول إن التعاطي الإسرائيلي مع روسيا ينفع لكي يكون نموذجاً لصورة التعاطي الإسرائيلي العام في العلاقات الثنائية، حيث إن إسرائيل تحكم على نجاعة هذه العلاقات من خلال: الرهانات والغنائم.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر