موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
نتائج "حماس "و" فتح "في البلديات ..قراءة ودلالات

الاسلام اليوم 08/05/2005

على الرغم من ادعاء حركة " فتح " فوزها في المرحلة الثانية من الانتخابات المحلية التي انتهت مساء الخميس الماضي، فإن قراءة متأنية لنتائج هذه الانتخابات تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن حركة " حماس " حققت تقدماً فاق حتى النتائج التي حصلت عليها الحركة في المرحلة الأولى من هذه الانتخابات. صحيح أنه من حيث عدد الدوائر الانتخابية، فقد فازت " فتح " باثنين وأربعين دائرة انتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما فازت " حماس " بسبع وثلاثين دائرة. لكن الذي لا خلاف حوله هو حقيقة فوز " حماس " في الدوائر الانتخابية التي تشكل ثقلاً سكانياً هائلاً مقارنة بتلك التي فازت فيها " فتح ". فمثلاً عدد الناخبين في الدوائر السبع والثلاثين التي فازت فيها حماس في الضفة والقطاع يمثل ثلثي إجمالي عدد الناخبين في جميع الدوائر. في حين أن نسبة عدد الناخبين في الدوائر الثلاث التي فازت بها " حماس " في قطاع غزة تبلغ واحدا وسبعين بالمائة من إجمالي عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت في قطاع غزة في هذه المرحلة. وهذا يعني عمليا أن " حماس " فازت بثلثي أصوات جميع الناخبين في الضفة والقطاع، وبواحد وسبعين بالمائة من عدد الناخبين في القطاع. في المقابل فأن " حماس " فازت على الأقل بسبعة دوائر أخرى بالتحالف مع مرشحين اسلاميين مستقلين، ومرشحين عن اليسار. في نفس الوقت فقد تأكد أن عدداً من كوادر " حماس " في الضفة الغربية اضطر للترشح في الانتخابات كمستقل خوفاً من الملاحقات الأمنية من قبل قوات الاحتلال . في المقابل فإن معظم الدوائر التي فازت بها " فتح " تعتبر من الدوائر ذات الكثافة السكانية القليلة. و حتى يتضح لنا حجم التضليل الذي يمثله الاعتماد على عدد الدوائر التي حصلت عليها " فتح " كدليل على فوزها في الانتخابات، فإننا نشير إلى الانتخابات في مدينة رفح التي فازت بها حماس، وقرية " وادي السلقا " التي فازت بها " فتح "، وكلاهما في قطاع غزة ، حيث تم التعامل مع نتائج الانتخابات في " رفح " و " وادي السلقا " كدائرتين انتخابيتين بدون أي فوارق، على الرغم من أن عدد الناخبين في رفح يبلغ أكثر من أربع وسبعين ألف ناخب، في حين لا يتجاوز عدد الناخبين في " وادي السلقا " الألف وخمسمائة!! إلى جانب ذلك فقد دلت نتائج الانتخابات أن حماس تغلبت على " فتح " في معاقلها التقليدية، مثل مدن رفح وقلقيلية وغيرها، مع العلم أنه يسكن في بعض هذه المدن أهم وابرز قادة حركة " فتح ".

تجاوزات " فتح " وتواطؤ السلطة

اللافت للنظر أن " حماس " حققت هذه النتائج على الرغم من التجاوزات الكثيرة التي قامت بها حركة فتح للتأثير على نتائج الانتخابات، وفي ظل تواطؤ واضح من قبل السلطة ومؤسساتها مع قوائم " فتح ".و يكفي هنا أن نشير الى ما اعترف به رئيس اللجنة المركزية للانتخابات الوزير السابق جمال الشوبكي وهو القيادي في " فتح " الذي أكد أنه عندما تبين أن حركة حماس توشك على تحقيق فوز ساحق في انتخابات بلدة " عكارة " قام مجهولون باقتحام المراكز الانتخابية وقاموا بسرقة صناديق الاقتراع . في الكثير من المناطق قامت مؤسسات السلطة بالضغط على الموظفين والناس الذين يتلقون الخدمات من هذه المؤسسات من أجل التصويت لصالح " فتح ". وقد وردت الكثير من الشهادات التي تؤكد أن مسؤولين في مؤسسة التأمين الاجتماعي التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية قد قاموا بزيارة منازل الأسر التي تتلقى المساعدات من قبل هذه المؤسسة وحذروها من أنه في حال لم يصوتوا لصالح مرشحي " فتح " فإنه سيتم قطع المساعدات عنهم. الى جانب ذلك وردت الكثير من الشهادات حول تعليمات من بعض الأجهزة الأمنية لمنتسبيها بالتصويت لصالح قوائم " فتح ، كما تجند كبار وزراء السلطة لصالح الحملة الانتخابية ل " فتح "، حيث شارك الوزراء في المهرجانات الانتخابية التي نظمتها قوائم " فتح ". ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر الى حد مشاركة قادة الأجهزة الأمنية في هذه المهرجانات، على الرغم من أن القانون يحظر على منتسبي الأمن المشاركة في الفعاليات السياسية ذات الطابع الحزبي. الى جانب ذلك فقد قامت السلطة بتوظيف إعلامها الرسمي لصالح الجهد الانتخابي ل " فتح .
ومن العوائق الموضوعية التي عملت ضد " حماس " حقيقة أن القانون الانتخابي يخصص مقاعد محددة للمسيحيين في بعض مدن الضفة. فمثلاً فازت حماس بخمسة مقاعد من أصل سبعة مخصصة للمسلمين في مدينة " بيت لحم "، في حين أن المقاعد المخصصة للمسيحيين ثمانية، ما ينطبق على بيت لحم ينطبق على مدينتي " بيت ساحور " و"بيت جالا "، وبلدتي " الطيبة " و " الزبابدة ".

التدخل الإسرائيلي

لعبت حكومة الاحتلال دوراً هاماً في محاولة التأثير على نتائج الانتخابات. فقبل الانتخابات حرصت قيادة جيش الاحتلال على القول إنها لن تتعاون مع المجالس المحلية التي ستفوز بها " حماس "، مع العلم أنه في بعض الأحيان تضطر المجالس المحلية لتنسيق بعض أنشطتها مع قوات الاحتلال نظراً للسيطرة الكاملة لهذا الجيش في الضفة الغربية. إعلانات الجيش المتكررة كانت تهدف الى ردع الجمهور الفلسطيني عن التصويت لصالح " حماس ". في نفس الوقت فقد غيب الاحتلال خلف القضبان المئات من قيادات " حماس " وشخصياتها الاعتبارية التي كان من الممكن أن تترشح في هذه الانتخابات. ويكفي أن نشير هنا إلى أن أكثر الذين حصلوا على أصوات في الانتخابات في مدينة قلقيلية هو الشيخ وجيه نزال، ذلك الشاب المعتقل في سجون الاحتلال.

دلالات فارقة

لا شك أن نتائج الانتخابات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب الفلسطيني يلتف حول مشروع المقاومة. فقد حققت " حماس " المتشبثة بخيار المقاومة افضل النتائج في المدن التي تعرضت أكثر من غيرها لحملات قمع اسرائيلية، مثل رفح والبريج وقلقيلية. فعلى الرغم من أن المواطنين في هذه المناطق هم الأكثر تضرراً من القمع الإسرائيلي إلا أنهم لم يعاقبوا حماس على تمسكها بخيار المقاومة، بل على العكس تماما .
إن أوضح دليل على المخاوف التي تعصف بقيادة " فتح " والسلطة في أعقاب ظهور هذه الانتخابات، هو حقيقة تزايد الأصوات داخل الحركة الداعية لتأجيل الانتخابات التشريعية التي من المفترض أن تجرى في السابع عشر من تموز المقبل. فقد بات واضحاً أن هذه النتائج تؤكد أن " فتح " لن تحتفظ بالأغلبية داخل المجلس التشريعي، وبالتالي لن تستطيع أن تشكل الحكومة منفردة، وهذا بحد ذاته تحول تاريخي هام ستكون له انعكاساته على الوضع السياسي الفلسطيني ومستقبل المقاومة ضد قوات الاحتلال !
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر