موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل سيواصل " الموساد " عمليات التصفية؟

في أول ظهور إعلامي له بعيد تواتر الشبهات حول مسؤولية جهازه عن تصفية القيادي في الذراع العسكري لحركة حماس محمود المبحوح في دبي، بدا رئيس الموساد مئير دجان مزهواً بينما كان أحد الصحافيين الإسرائيليين يذكره بمقال في أحد الصحف المصرية يصفه بأنه " سوبرمان إسرائيل ". فرغم تعمد إسرائيل الرسمية عدم تبني أو نفي المسؤولية عن عملية الإغتيال إلا أن كلاً من النخب السياسية والإعلامية في تل أبيب خرجت عن طورها في كيل المديح والثناء على الموساد ومن يقف على رأسه، بوصفه الجهاز الذي " أعاد لإسرائيل تاج العزة "، كما قال نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيلي يشاي. لكن ما أن مر بعض الوقت حتى استحال الثناء إلى نقد لاذع، والإكبار الذي حظى به دجان إلى تشكيك في قدراته، بعد أن تبين أن " الإنجاز " المتمثل في التخلص من المبحوح قد تحول إلى عبء وضرر بمقاييس تكتيكية وإستراتيجية. فكلاً من المستوى السياسي والأمني اللذان أصدرا التعليمات بتصفية المبحوح أرادا أن تكون العملية – وفق قاموس الموساد – " نظيفة " لا تترك أثراً يقود إلى إسرائيل. فقد أدرك صانع القرار الإسرائيلي  حجم الأخطار الناجمة عن ربط الموساد بعملية تصفية تتم على أرض إحدى الدول العربية " المعتدلة "، علاوة على إدراك الإسرائيليين أن الدول الأوروبية التي استخدم أعضاء الخلايا التي شاركت في التصفية جوازات سفرها ستتعرض لحرج شديد، سيما أن الحديث يدور عن عملية تتم على أرض دولة ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية بهذه الدول. من هنا حاول الموساد عدم ترك أثر عبر استخدام عدد كبير من عناصر وحدة " كيدون "، فرقة الموت التابعة والمتخصصة في تنفيذ عمليات التصفية، فلم يحدث في تاريخ عمليات التصفية التي نفذتها الأجهزة الاستخبارية أن شارك هذا العدد الكبير في عملية تصفية شخص واحد،  فضلاً عن استخدام عمليات تمويه معقدة، وتوظيف تقنيات متقدمة في تنفيذ عملية التصفية ذاتها.

 

افتراضات خاطئة

 ومع كل ذلك فقد وقع الموساد ضحية عدد من الافتراضات الخاطئة، تمثلت في عدم احاطته بحجم وتطور التقنيات الأمنية المستخدمة في إمارة دبي. فعلى ما يبدو نجح عملاء الموساد في معالجة كاميرات التصوير في الممر الذي كانت تتواجد فيه الغرفة التي نزل فيها المبحوح، لكنهم لم يعوا أن كاميرات التصوير تنتشر في معظم أرجاء المدينة وبالتالي تم توثيق تحركات العملاء منذ وصولهم المدينة وحتى مغادرتهم لها. والأهم من كل ذلك أن مخططي عملية التصفية لم يأخذوا بعين الاعتبار كفاءة وجدارة محققي شرطة دبي الذين تمكنوا ليس فقط من جمع خيوط الجريمة، بل ورسم صورة شاملة ومنطقية ومقنعة دفعت الأجهزة الأمنية الأوروبية للتعامل معها باحترام. وقد عبر الكثير من المعلقين الإسرائيليين عن تقديرهم وإعجابهم الشديد بشرطة دبي، لدرجة أن أكثر من صحيفة إسرائيلية تمنت لو كانت قدرات دجان بنفس قدرات قائد شرطة دبي ضاحي خلفان.

 

ضربة متعددة الأوجه

جاء الكشف عن دور الموساد في العملية واستخدامه جوازات سفر أوروبية في تنفيذها في وقت بالغ الصعوبة لإسرائيل. فقد كان آخر ما تتمناه تل أبيب أن يطفو على الأجندة العالمية غير الجدل حول البرنامج النووي الإيراني، سيما وإن إسرائيل كانت في غمرة جهودها لإقناع العالم بضرورة فرض عقوبات مؤثرة على إيران لإجبارها على وقف برنامجها النووي. فلم يجد وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بد سوى المثول أمام وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي الذين طالبوا إسرائيل بتقديم تفسيرات حول ما جرى، دون أن يحصلوا على مثل هذه  التفسيرات. وقد أدى الضغط الذي مارسته وسائل الإعلام والرأي العام في أوروبا – ولو بشكل مؤقت – إلى توتير العلاقات مع تل أبيب، فإلى جانب تهديد بعض الدول بوقف تعاونها الاستخباري مع إسرائيل، فقد أوعزت معظم الدول التي استخدم المشاركون في عملية التصفية جوازات سفرها إلى سفرائها في تل أبيب بمقاطعة الإحتفالات التي تنظمها الحكومة والكنيست، وهذا ما كان بالفعل. ومثل الكشف عن أساليب عمل الموساد بهذا الوضوح مساً بهيبة الموساد ومكانته ليس فقط في العالم، بل في إسرائيل نفسها، حيث زخرت الصحف الإسرائيلية بالرسوم الكاريكوتارية الساخرة من الموساد ومن يقف على رأسه. وإن كانت الحكومة الإسرائيلية قد فوضت دجان المسؤولية عن قيادة جهود إسرائيل لإحباط المشروع النووي الإيراني، وألزمت بقية الأجهزة الإستخبارية بالتعاون معه، فإن الكثيرين في إسرائيل باتوا يتساءلون عن أهلية دجان للقيام بهذه المهمة. وتساءل أحد المعلقين الإسرائيلين قائلاً " إن كان دجان غير قادر على التخلص من المبحوح بالشكل المطلوب فكيف يمكن الرهان عليه في مواجهة تهديد أخطر بكثير يتمثل في البرنامج النووي الإيراني ". وتكتسب دلالات هذه التعليقات أهيمة سيما عندما يخرج المزيد من الجنرالات المتقاعدين الإسرائيليين الذين يؤكدون أن إسرائيل غير قادرة على احباط المشروع النووي الإيراني، كما ورد على لسان رئيس هيئة الأركان وقائد سلاح الجو الأسبق دان حالوتس.ومما لا شك فيه أن استباحة الموساد سيادة دولة عربية " معتدلة " مثلة ضربة لما يعرف بـ " محور الاعتدال العربي "، سيما وأن التصفية تزامنت مع حضور وزير البنى التحتية الإسرائيلي المتطرف عوزي لانداو مؤتمر للطاقة في " أبو ظبي ". فقد مثلت عملية التصفية دليلاً آخر على نفاق بعض الأنظمة العربية التي تناصب حركات المقاومة العداء وتتهمها بتهديد أمنها القومي، في الوقت الذي تلوذ هذه الأنظمة بالصمت الفاضح حيال استباحة سيادة دولة عربية من قبل الموساد.

 

انعدام الردع

على الرغم من مظاهر التورط الواضحة في عملية تصفية المبحوح، فإن الموساد سيواصل تنفيذ عمليات التصفية، ففشل دول الممانعة وحركات المقاومة في إرساء ميزان ردع يقنع إسرائيل بعدم مواصلة عمليات الاغتيال يمثل إغراءً لها بمواصلة ذلك. فبإستثناء تصفية الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي انتقاماً لاغتيال أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية السابق، لم تنجح دول الممانعة أو حركات المقاومة في الرد على عمليات الإغتيال التي تنفذها إسرائيل ضد القيادات العربية والفلسطينية بعمليات في وزن العمليات التي تنفذها إسرائيل، بحيث يتم لسع وعي صناع القرار في تل أبيب، وزجرهم عن مواصلة عمليات الاغتيال. وفي حال لم يتم قهر الإرادة الإسرائيلية ويتم تحطيم الدافعية لمواصلة مثل هذا النوع من العمليات العدائية، فإنه لا يوجد سبب يقنع إسرائيل بوقف استخدام هذا الأسلوب، فكما يقول رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورغ فإن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة والقوة فقط.

 

تآمر عربي رسمي

إن غياب ردة فعل عربية حقيقية وجادة على ما جرى في دبي وغيرها من المدن العربية لهو أحد مصادر تشجيع الموساد على مواصلة هذا السلوك. فلو كان كانت هناك ثمة وقفة عربية رسمية جادة لكان بالإمكان تخيير الدول الأوروبية التي استخدم الموساد جوازات سفرها بين اتخاذها خطوات عقابية رادعة ضد إسرائيل وبين عدم اعتراف الدول العربية بهذه الجوازات. فمن المؤكد أن الدول الأوروبية التي تعنيها مصالحها ومصالح رعاياها في الدول العربية ستسارع لمعاقبة إسرائيل بشكل صارم ورادع. لكن لا يوجد عربي يمكن أن يصل سقف توقعاته إلى هذا الحد في ظل كيل المسؤولين الإسرائيليين المديح لعدد من الدول العربية لأن أجهزتها الأمنية والاستخبارية تحافظ على درجة كبيرة من التعاون مع الموساد تحديداً.ألم تكشف إحدى محاولات التصفية التي نفذها الموساد في السابق أن بعض العواصم العربية سمحت بوجود مكتب رسمي للموساد. للأسف الشديد أن الكثير من الأنظمة العربية ترى في إسرائيل والموساد حليفاً في حربها ضد المقاومة والحركات الاسلامية، وبالتالي تشارك هذه الأنظمة في الحرب على المقاومة والمقاومين عن طيب خاطر. ما الذي يدفع نشطاء المقاومة لدخول العواصم العربية متخفين دون حماية؟ أليس هو واقع العداء الذي يواجهونه في هذه العواصم؟ ماذا كان سيحدث لو كشف المقاومون عن هوياتهم عندما يزورون العواصم العربية ؟ لا مجال للخيال للرد على هذا السؤال، ففي هذه الأثناء هناك عدد من نشطاء المقاومة الفلسطينية وتحديداً من حركة حماس يتعرضون للتعذيب الشديد في سجون إحدى الدول العربية، ألم يلق أحد هؤلاء حتفه مؤخراً من شدة التعذيب في سجون نفس الدولة؟.

 

المعضلة التكنلوجية

مما لا شك فيه أن التقدم التكنلوجي في دبي أسهم في الكشف عن خلايا الموساد وتعريتها وإن كان بعد تنفيذ الجريمة، لكن لا يمكن لمس أثر هذا التقدم في بعض العواصم والمدن العربية التي تمثل أهدافاً للموساد، وتحديداً في الدول التي تنتمي إلى محور " الممانعة ". مما لا شك فيه أن الموساد لن يقدم على تنفيذ مثل هذه العمليات في مدينة مثل دبي أو مدن في مستواها التقني، لكن للأسف لقد نجح الموساد في تنفيذ عمليات تصفية في بعض العواصم العربية بوسائل وطرق أكثر بدائية من تلك التي نفذها في دبي دون أن تنجح الأجهزة الأمنية في هذه الدولة في الكشف عن خيوط هذه العمليات، عوضاً عن احباطها.

 

 

تواطؤ أوروبي

على الرغم من ردة الفعل الأوروبية الغاضبة على استخدام منفذي التصفية جوازات سفر أوروبية فإنه من غير المتوقع أن تتحرك أوروبا بشكل جدي ضد إسرائيل في ظل الموقف العربي الرسمي. وأغلب الظن أن الحكومات الأوروبية ستطوي هذه الصفحة لصالح التعاون الكبير مع إسرائيل وأجهزتها الأمنية. فقد سبق الكشف في الماضي عن استخدام عملاء الموساد لجوازات سفر أوروبية في أنشطتهم المختلفة دون أن يؤثر ذلك على اصرار الموساد على استخدام نفس الأسلوب في تحركاته عملائه، وهذا يشي بهشاشة جدية التحرك الأوروبي.

 وهناك حديث عن أن الموساد قد توصل منذ زمن بعيد لصفقة مع الأجهزة الاستخبارية البريطانية يقوم الموساد بموجبها بالتجسس على الجاليات الإسلامية في بريطانيا لصالح الاستخبارات البريطانية، مقابل تقديم الحكومة البريطانية تسهيلات للموساد للعمل على الأراضي البريطانية.

 

خلاصة

إن قمع الإرادة الإسرائيلية في مواصلة تنفيذ عمليات التصفية يتطلب أولاً وقبل كل شئ سلوكاً مغايراً من دول الممانعة وحركات المقاومة، فمن ناحية هي مطالبة بسد كل الثغرات التي يتسلل منها الموساد الحصول على المعلومات الاستخبارية الدقيقة حول المرشحين للتصفية، علاوة على أن هناك ضرورة لردع إسرائيل واقناعها أنه لا يمكن إلا أن تخسر باتباع هذه الأساليب. أن حركات المقاومة تحسن صنعاً عندما تتخلى عن ثقافة الحنجرة التي تعبر عنها التهديدات التي في كثير من الأحيان لا تسندها الأفعال والتي تفقد خطاب المقاومة صدقيته. في نفس الوقت فإنه على دول " محور الاعتدال " أن تدرك أن تحالفها مع الولايات المتحدة وميلها للتطبيع مع إسرائيل لا يعني السماح للموساد باستباحة سيادتها وضرب أمنها لأن هذا سيمس بهيبة هذه الدول ويطعن في صدقية أنظمتها السياسية أمام شعوبها، من هنا فإنه من مصلحة هذه الأنظمة الوقوف بكل حزم ضد السلوك الإسرائيلي.

رابط المقال على موقع " الجزيرة نت ":

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C786D28B-AB08-40E5-933D-B79DFBA949E8.htm

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر