موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مجزرة " شفاعمرو" .. خلفيّات وتداعيات

الاسلام اليوم 09/08/2005

المجزرة التي نفّذها الإرهابي اليهودي (ايدن نتانزاده) في مدينة " شفاعمرو "، والتي راح ضحيتها أربعة من (فلسطينيي 48) وجرْح اثني آخرين- كانت متوقعة.
فقد كان في حكم المؤكد أن التنظيمات الإرهابية اليهودية ستقدم على فعل أي شيء من أجل إحباط تنفيذ خطة "فك الارتباط ". دوائر صنع القرار في الدولة العبرية التي ادّعت الشعور بالمفاجأة لوقوع المجزرة تحاول ذرّ الرماد في العيون. فالدولة العبرية ومؤسساتها الأمنية والقانونية والتعليمية وفّرت لتنظيمات الإرهاب اليهودي الأرضية الخصبة لكي يترعرع عودها، ويتعاظم خطرها.
ولأن جل عمل هذه التنظيمات موجّه ضد الفلسطينيين سواء كانوا في الضفة الغربية أو داخل (فلسطين 48)، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية- وخصوصاً جهاز المخابرات الداخلية- لم تبذل جهداً يُذكر لمواجهتها. فجميع وسائل الإعلام في إسرائيل تؤكد الآن أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد قصرت في واجباتها، ولم تحاول إحباط تنفيذ مجزرة "شفاعمرو"، مع أنه كان بالإمكان اعتراض منفذ المجزرة واعتقاله قبل تنفيذ العملية بوقت كبير؛ إذ كانت المخابرات الإسرائيلية على علم بتحركاته المشبوهة، وتوجهاته لتنفيذ مجزرة من أجل إحباط فك الارتباط.
لقد افترض المجرم أن ردة الفعل على المجزرة ستؤدي إما إلى إلغاء تطبيق خطة "فك الارتباط" أو على الأقل تأجيلها إلى أمد بعيد. المفارقة أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تقدر أن هناك المئات من عناصر اليمين المتطرف المستعدين لتنفيذ مجازر ضد الفلسطينيين فقط من أجل ضمان عدم تنفيذ خطة فك الارتباط؛ لذلك نجد أن كلاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون ووزير حربه شاؤول موفاز يفترضان أن مزيداً من اليهود سيحاولون تنفيذ مجازر ضد الفلسطينيين.
ادعاء شارون ووزرائه بالحزن على المجزرة وتظاهرهم بالحرص على منع مثيلاتها في المستقبل ضرب من ضروب التضليل المتعمد؛ فحكومة شارون، كما الحكومات التي سبقتها، تشجع على ارتكاب مثل هذه المجازر، عبر توفير ظروف العمل المناسة للتنظيمات الإرهابية اليهودية. فعلى صعيد الجهاز القضائي الصهيوني يتم التساهل مع الإرهابيين اليهود. فقد عمدت المحاكم الإسرائيلية على تبرئة ساحة معظم الإرهابيين اليهود الذين ارتكبوا جرائم قتل ضد الفلسطينيين. ويكفي هنا أن نشير إلى أن (بنحاس فالنشتاين)، أبرز قادة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية قام قبل عدة سنوات بقتل طفل فلسطيني لم يتجاوز العاشرة من عمره عمداً، فقامت المحكمة الإسرائيلية بإخلاء سبيله بحجة أنه قتل الطفل ضمن حقه في الدفاع عن النفس!!
في نفس الوقت فإن الجهاز القضائي الإسرائيلي لم يحاول حتى اعتقال الحاخام المتطرف الإرهابي (موشيه ليفنجر) الذي قام بقتل شاب فلسطيني في الخليل عمداً، على الرغم من أن إحدى قنوات التلفزة قامت بتوثيق عمليات العربدة التي يقوم بها (ليفنجر) في قلب المدينة المحتلة بالصوت والصورة. وإذا كان الجهاز القضائي الصهيوني يتساهل مع القتلة من كبار قادة المستوطنين فإنه لا يحرك ساكناً ضد الذين يحرضون على قتل الفلسطينيين، والاعتداء عليهم. وهنا يتوجب علينا الإشارة إلى أن هناك جرائم قتل واعتداءات يرتكبها الإرهابيون اليهود ضد الفلسطينيين لم تحاول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعقّب ومطاردة المجرمين المسؤولين عنها وجلبهم للقضاء. إلى جانب ذلك هناك العشرات من عمليات العربدة التي يقوم بها المستوطنون كل يوم في أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة دون أن يتم توقيف أي شخص بتهمة ارتكاب هذه الممارسات، ليس هذا فحسب، بل إنه في كثير من الأحيان تقوم شرطة وجنود الاحتلال بحماية المستوطنين أثناء قيامهم بارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين.
وعلى سبيل المثال، فإن جميع الأجهزة الأمنية في الدولة العبرية تعرف أن منفذ مجزرة "شفا عمرو"، كان ينتمي إلى حركة " كاخ " الإرهابية التي تدعو إلى قتل العرب وطردهم من أرض فلسطين. ليس هذا فحسب، بل إن لأعضاء هذه المنظمة الإرهابية مستوطنات خاصة يتخذونها نقاط انطلاق لتنفيذ المجازر والاعتداءات ضد الفلسطينيين.
ومع ذلك لم تحاول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اقتحام هذه المستوطنات ومداهمة مراكز تجمع هؤلاء الإرهابيين واعتقالهم. لقد عملت الدولة العبرية على ترسيخ قناعات لدى قطاعات كبيرة من المجتمع اليهودي بأنه بالإمكان المسّ بالفلسطينيين والاعتداء عليهم وتحقيرهم. وهنا يتوجب أن نشير إلى أن أحد الوزراء الإسرائيليين علّق غاضباً على قيام الشرطة الإسرائيلية بإلقاء القبض على أحد عناصر اليمين المتطرف أثناء مشاركته في مظاهرة احتجاجية ضد خطة " فك الارتباط "، قائلاً: "لقد تعاملت الشرطة مع هذا الشاب كما لو كانت تتعامل مع فلسطيني" !!،
من ناحية ثانية فإن الحكومة الإسرائيلية حاولت التظاهر وكأنها متأثرة بشكل خاص؛ لأن الضحايا الذين سقطوا في المجزرة هم من (فلسطينيي 48) الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، مع أن نفس الحكومة تتحمل جزءاً كبيراً في التحريض ضد هؤلاء الفلسطينيين. فالحكومة الإسرائيلية لا تتعامل مع (فلسطينيي 48) إلا من خلال ما يمثلونه من ثقل ديموغرافي تدعي أنه يمثل خطراً هائلاً عليها وعلى طابعها كدولة يهودية.
ويعلن كبار مسؤولي الدولة صباح مساء رغبتهم في التخلص من (فلسطينيي 48) عبر ضم المناطق التي يسكنونها للسلطة الفلسطينية مقابل ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة لإسرائيل. في نفس الوقت تتعالى الدعوات في الدولة لطرد (فلسطينيي 48) بالقوة، والتخلص منهم. من هنا فإن من يتبنى التحريض ضد (فلسطينيي 48) عليه ألاّ يستهجن وقوع مثل هذه المجازر.
يتوجب الإشارة هنا إلى أن مجزرة "شفا عمرو " قد تكون مقدمة لسلسلة من المجازر الخطيرة التي تنوي التنظيمات الإرهابية اليهودية القيام بها من أجل وقف تنفيذ خطة فك الارتباط. وهنا علينا أن نتذكر دوماً أن الهدف الذي يقف على رأس أولويات التنظيمات الإرهابية اليهودية هو المس بالمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة. الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تؤكد أن لديها معلومات حول نية إرهابيين يهود قصف المسجد الأقصى من الجو أثناء ازدحامه بالمصلين في إحدى أيام الجمعة من أجل ضمان قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، من أجل إيجاد ردة فعل فلسطينية وعربية وإسلامية كبيرة يصعب معها على دوائر صنع القرار في الدولة العبرية تنفيذ خطة "فك الارتباط. من هنا فإن المخاطر التي تتهدد المسجد الأقصى أصبحت الآن أكبر من أي وقت مضى، وبالتالي هناك حاجة أن يبلغ العالم العربي والإسلامي إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة أنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي اعتداء يتعرض له المسجد الأقصى من قبل الإرهابيين اليهود الذين تغض مؤسسات هذه الدولة الطرف عن أنشطتهم.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر