موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الوحدة الثانية

الحركة الصهيونية  والفكر الصهيوني

 

زعمت الحركة الصهيونية إنها حركة بعث قومي تهدف إلى بناء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين بزعم أن لهم حقاً دينياً وتاريخياً على هذا الأرض.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل بالإمكان اعتبار أن اليهود ينتمون إلى قومية مستقلة؟.

في الحقيقة أن اليهود عندما انطلقت الحركة الصهيونية في أواخر القرن  التاسع عشر يفتقدون إلى معظم سمات القومية: فهم لا ينتمون إلى عرق مشترك، بل إلى أعراق مختلفة، ولا يتكلمون لغة واحدة، ولا ينتمون إلى بيئة جغرافية واحدة، ولا إلى تاريخ واحد أو ثقافة واحدة.

 

أقسام اليهود من ناحية دينية وموقفهم من أرض فلسطين: ينقسم اليهود من ناحية دينة إلى قسمين، علمانيون قوميون، ومتدينون

أولاً:  العلمانيون القوميون: الذين وجدوا في اليهودية مجرد رابطة قومية فقط ووظفوا مزاعم كتبها المزورة في تسويغ إدعاء الأحقية على أرض فلسطين، في الوقت الذي يناصب هؤلاء الدين العداء، ومعظم قادة الحركة الصهيونية ومفكريها ينتمون إلى هذا النوع من اليهود.

ثانياً المتدينون: وينقسمون بدورهم إلى أربعة أقسام: الأرثوذكس، والمتدينون القوميون ( يطلق عليهم أيضا: الصهاينة المتدينون، والإصلاحيون، والمحافظون.

أ –الأرثوذكس: يؤمنون بفكرة المسيح المخلص الذي سينزل آخر الزمان ليقود اليهود إلى أرض الميعاد، ويعتبرون أن هذه المهمة تخص الرب، ولا يجوز للناس التدخل من أجل تسريعها. وحتى مطلع القرن العشرين، كان جميع اليهود المتدينون ينتمون للتيار الأرثوذكسي. وقد ناصب الأرثوذكس الحركة الصهيونية العداء لأنهم اعتبروا أنها تدخلت بشكل عملي لإعادة اليهود إلى أرض فلسطين. وحتى قيام إسرائيل لم يعترف الأذثوذكس بإسرائيل إلا كأمر واقع فقط مع أنهم انخرطوا في حياتها السياسية، لكن معظمهم لا يخدم في الجيش.

ب- المتدينون القوميون: كانوا في الأساس أرثوذكس، لكن الحاخام اسحاق كوك الذي ظهر في الثلاثينات من القرن الماضي اختلف مع الحاخامات الأرثوذكس، حيث أفتى بأن استيطان ارض فلسطين هو الذي يساعد على قدوم المسيح المخلص وليس العكس. وانخرط هؤلاء في الكيان الصهيوني ومؤسساته ويخدمون في الجيش الإسرائيلي.

ج- اليهود الإصلاحيون: يدعون إلى تحكيم العقل ويرفضون فكرة المسيح المخلص، ويدعون للاندماج و كانوا لا يؤمنون بحق العودة للاجئين، لكنهم حالياً يعدون من المتحمسين للصهيونية، ويتمركزون في الولايات المتحدة.

د- اليهود المحافظون: يجمعون بين الأرثذوكسية والإصلاحيين، يؤمنون بوحي السماء ويوافقون على فكرة الدولة اليهودية، لكنهم يقبلون الجمع بين الذكور والنساء في الصلاة.

 

خلفيات ظهور المشروع الصهيوني

 

حتى مطلع القرن التاسع عشر كان عدد اليهود في العالم يقدر بمليونين ونصف المليون نسمة، 90% منهم يقطنون في أوروبا.

 

1-ظهور المسألة اليهودية: واجه اليهود في أوروبا منذ القرن الرابع عشر عمليات قمع على أيدي المسيحيين الكاثوليك بسبب بموقف الفاتيكان منهم، الذي كان يعتبرهم المسؤولون عن قتل السيد المسيح، بالإضافة إلى نفور المسيحيين في ذلك الوقت من سمات الشخصية اليهودية كما علقت في أذهانهم، حيث كانت صورة اليهودي في نظري الأوروبيين أنه مجرد مرابي، جشع، محتكر، وغيرها من الصفات. وقد تعرض اليهود إلى موجات من الطرد والقمع، فقد تم تم اجبارهم على العيش في أحياء خاصة أطلق عليها " الغيتو "، وعندما يغادر اليهودي هذا الغيتو كان يجبر على وضع شارة صفراء، وكان أول غيتو قد شيد في مدينة البندقية عام 1516. وفي القرن الرابع عشر تم طردهم من ألمانيا بعد تفشي مرض الطاعون هناك حيث حملوا اليهود مسؤولية تفشي المرض، حيث هاجر اليهود إلى بولندا، ويطلق على اليهود الذين هاجروا من من المانيا باليهود " الإشكناز "، حيث أن إن اشكناز " تعنى ألمانيا، بين تعنى هذه الكلمة في اسرائيل: كل يهودي من ذوي أصول غربية. وفي الفترة الممتدة بين عامي 1492 و1496 تم طرد اليهود من جميع اسبانيا بعد سقوط الممالك الإسلامية هناك، حيث هاجروا إلى تركيا وشمال أفريقيا، وهؤلاء اليهود يطلق عليهم " السفاراد " نسبة الى كلمة " سفراد "  وتعني بالعبرية " أسبانيا ". وفي العام 1882 تعرض اليهود في روسيا لمجازر بعدما ثبت تورط اليهود في محاولة اغتيال القيصر الكسندر الثاني، الأمر الذي دفع معظمهم للهجرة للغرب والبعض لفلسطين.

وقد اطلق على الواقع الناجم عن حالة الإضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا " المسألة اليهودية "، حيث طالب مفكروهم بحلها، فمنهم من ارتأى أن الحل يكمن في الاندماج في المجتمعات الأوروبية، ومن منهم من قال أن الحل يكمن في في إقامة وطن قومي لليهود.

 

2-ظهور المذهب البروتستانتي: بسبب حالة الفساد التي كانت مستشرية في الكنيسة الكاثوليكية التي كان معظم الأوروبيين ينتمون إليها، ظهرت في القرن السادس عشر حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتين لوثر كينغ والتي دعت إلى ضرورة تخلي الكنيسة عن دورها كوسيط بين " المؤمنين " والرب. ومن اجل تدعيم موقفهم في مواجهة مواجهة قيادة الكنيسة الكاثوليكية، اتجه الإصلاحيون الى دراسة التوراة أو " العهد القديم "، وهناك تعرفوا على الكثير من المتعقدات اليهودية وتقبلوها مثل أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن فلسطين أرض الميعاد، وقد آمن هؤلاء بفكرة الألف السعيدة التي تقوم على أساس أن الله لن يبعث المسيح المنتظر حتى يعود اليهود إلى فلسطين. من هنا فقد تحول قادة التيار البروتستانتي الى دعاة متحمسين لعودة اليهود إلى أرض فلسطين، بل أنهم منذ القرن السادس عشر قاموا بتنظيم رحلات استكشافية لأرض فلسطين للتدليل على أن قصص التوراة واقعية.

من هنا فإننا نجد أن الأمريكيين الذين يتبنون المذهب البروتستانتي هم أكثر تيارات المسيحيين تعاطفاً مع اليهود، وهذا يفسر تأييد الولايات المتحدة وتحيزها اللامعقول لإسرائيل.

 

3- التغييرات السياسية في أنظمة الحكم الأوروبية: أواخر القرن الثامن عشر ومع اندلاع الثورة الفرنسية، وسيادة دعوات التنوير والإنفتاح ومبادئ العدالة والمساواة التي دعت الى منح الجميع حقوق سياسية بمعزل عن العرق والدين، رفعت الكثير من القيود التي كانت تفرض على اليهود في فرنسا وبعد ذلك حدت الكثير من الدول حذوها، وتم التخلص من نظام الغيتو في أوروبا، وإن كان ظل قائماً في روسيا.

 

وقادت هذه التغيرات إلى ظهور حركة " الاستنارة " " ههسكلاه " بقيادة المفكر الألماني مندلسون الذي قال أن حل المشكلة اليهودية يكمن في اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية.

 

4- ظهور القوميات في أوروبا، وتفشي اللاسامية:  تميز القرن التاسع عشر  بظهور القوميات في اوروبا، وبرزت معها الروح القومية. وكان هذا الأمر واضحاً في أوروبا. وكان من سمات الروح القومية الإعتزاز بالعرق. فأعتبر الألمان أن العرق الآري الذي ينتمون إليه أفضل من العرق السامي الذي ينتمي اليه اليهود. واصبح اليهود يهاجمون على أساس انتمائهم للعرق السامي. وقد تعزز هذا التوجه ضد اليهود بعد الأزمة الإقتصادية التي هزت ألمانيا أوروبا في العام 1873 حيث تم تحميل اليهود المسؤولية عن هذه الأزمة.

 حتى قال المفكر الالماني تراتشكي " اليهود سر بلائنا ".وهكذا ظهرت اللاسامية، حيث زعم مفكرو اليهود أن العداء لليهود شبه أزلي، عابر للتاريخ ويتخطى الاعتبارات الجغرافية، وهكذا تراجع تأثير، وتراجع معها تأثير حركة " ههسكلاه "، ودعوات الإندماج، وتعزز أصحاب الرأي القائل أن الحل يكمن في إقامة وطن قومي لليهود.

 

فكرة الدولة الحاجزة:

 

إن كانت ألمانيا قد اتخذت من اليهود موقفا عدائياً، إلا أن هذا لم يكن موقف جميع الدول الاوروبية، فقد تحمست الكثير من الدول الأوروبية للفكرة الصهيونية ليس من منطلق العاطفة الدينية فقط، بل من منطلق المصالح الاستراتيجية الصرفة، حيث وجدت في وجود دولة يهودية في الشرق بمثابة ضمانة للحفاظ على المصالح الإستراتيجية للغرب، سيما العمل على عدم بروز قوة عربية أو إسلامية، خوفاً من أن تهدد هذه القوى المصالح الأوروبية، ولتمنع قيام دولة تحل محل الدولة العثمانية التي كان لليهود دور مهم – وفق وثائق الخارجية البريطانية – في إسقاطها.

وقد سادت علاقة مصالح متبادلة بين الحركة الصهيونية والدول الغربية، حيث ضمن الكيان الصهيوني بسبب هذه العلاقة على مكتسبات كبيرة: الدعم المادي، العسكري، السياسي.

وتدل الحقائق التاريخية على أن تبادل المنفعة كان له دور كبير على الصراع بين العرب والكيان الصهيوني.

ففي حرب عام 1956 قامت فرنسا بالوقوف الى جانب إسرائيل في الحرب والمشاركة الفعلية فيها رداً على دعم الرئيس جمال عبد الناصر للثورة الجزائرية، وقامت فرنسا بتزويد اسرائيل بأول مفاعل ذري ساهم في تمكينها من صاعة السلاح النووي.

وقد اكتشفت امريكا دور اسرائيل الوظيفي عندما تدخلت اسرائيل بشكل مباشر لمنع سوريا من مهاجمة نظام الملك حسين بعد مجازر أيلول الأسود التي شنها ضد الفلسطينيين، حيث اعتبرت أن اسرائيل لعبت دوراً هاماً في الحفاظ على أحد اوثق حلفائها.

ويجمل هذه القضية رئيس وزراء إسرائيل الاسبق ارئيل شارون الذي قال " أن الغرب والولايات المتحدة لا يسدون لإسرائيل جميلاً عندما يقدمون المساعدات لإسرائيل، فإسرائيل تقوم بدور حاملة طائرات ثابتة للدفاع عن مصالح الغرب وامريكا تحديداً ".

 

رواد الفكر الصهيوني والمدارس الصهيونية

 

بسبب كل العوامل التي أشرنا إليها كخلفيات للمشروع الصهيوني، أخذ عدداً من قادة اليهود ومفكريهم يدعون الى العودة إلى أرض فلسطين وإقامة وطن لليهود هناك، وكانت هذه الدعوات هي الأساس الذي ارتكزت عليه الحركة الصهيونية التي انطلقت بشكل عملي في مؤتمر الحركة الصهيونية الأول في بازر عام 1897، مع العلم أنه بقرار الملك الروماني إيليا هادريان، انتهى وجود اليهود على أرض فلسطين عام 135م. وكان العامل المشترك بين كل مفكري الحركة الصهيونية هو أن " مستقبل الشعب اليهود يرتبط بعودته الى وطنه التاريخي "

ونحن هنا بصدد التعرض للمفكرين الصهاينة الذين كان لهم دور كبير في التنظير للفكر الصهيوني:

شبتاي زفي:  يهودي من مواليد أزمير، شرق تركيا، من أوائل من دعوا إلى تجديد الهيكل في القدس، واقترح أن يتم تشكيل لجنة تمثل اليهود في 15 دولة، بحيث تتخذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع، بحيث يكون من الواجب على اليهود قبول قرارات اللجنة. واقترح أن يتم السيطرة على فلسطين والوجه البحري من مصر.

 

يهودا القالعي: كان رغم صغر سنه، الحاخام الأكبر لليهود في سراييغو في البوسنة، وكان أول من دعا الى جمعية تضم يهود العالم وإقامة صندوق قومي لشراء الأراضي وإقامة صندوق خاص لجباية الضرائب، دعا الى عودة اليهود بشكل متأن. من اوائل من دعوا الى احياء اللغة العبرية وضرورة أن يتحدث بها اليهود

 

تسفي هيرش كالشير: كان حاخام اليهود في مدينة ثورن في بروسيا، إحدى المقاطعات الالمانية، وألف كتاب " البحث عن صهيوني "، وكان أول كتاب يتحدث عن الاستيطان الزراعي اليهودي في ارض فلسطين. واعتبر العمل في ارض فلسطين مقدس لليهود. ولعل أهم ما ورد في كتاب كالشير هو أنه كان يخالف المتعقدات الدينية الدارجة التي كانت تقول أن عودة اليهود إلى أرض فلسطين لن تتم إلا بعودة المسيح المنتظر. ورفض كالشير هذا المعتقد قائلاً أنه بإمكان اليهود العودة إلى أرض فلسطين بمجهوداتهم الذاتية وليس بفعل تدخل المسيح.

 

موشيه هس: ولد في ألمانيا وكان يسارياً، لكنه تأثر بالفشل القومي الإيطالي، وألف كتاب " روما والقدس " عام 1860، ويعد واضع الأساس الفلسفي للصهيونية، وفيه تساءل أن كان من العدل تحرير روما، فلماذا لا يكون من العدل تحرير القدس، ودعا اليهود إلى نهضة قومية، وكان يرى في العودة الى أرض فلسطين المخرج من الخلافات التي كانت تعصف بالعلاقة بين المتدينين والاصلاحيين، وكان يؤمن أنه كان بالإمكان اغراء السلطان العثماني بالمال لدفعه للموافقة على الاستيطان في فلسطين.

 

ليون بنسكر: يهودي روسي كان يؤمن بضرورة اندماج اليهود في المجتمع الروسي، لكن المجازر التي تعرض لها اليهود حتى عام 1881 دفعته لتغيير رأيه، حيث زار الكثير من دول العالم حيث التقى مع قادة اليهود حاثاً اياهم على العمل من أجل ايجاد وطن لليهود في أي بلد كان، وأصدر كتاب " التحرر الذاتي " الذي دعا فيه إلى ضرورة ايجاد قومية يهودية، والى اقامة منظمة مركزية تمثل اليهود وشركة مساهمة لشراء الأراضي.

 

تيودور هيرتزل (1860-1904):  مؤسس الحركة الصهيونية، يهودي مجري، كان من مؤيدي اندماج اليهود في المجتمعات الغربية، وكان يعمل صحافياً. وضمن عمله كان يغطي محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي درايفوس الذين كان متهماً بالخيانة، حيث لاحظ هيرتزل الاهانات التي تعرض لها درايفوس لأنه يهودي فقط، فتراجع هيرتزل عن فكرة الاندماج وقرر العمل على اقامة كيان وطني لليهود. وبخلاف بقية مفكري صهيونية فقد كان هيرتزل الوحيد الذي نجح في تحول أفكاره الى واقع عملي، تمثل في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897 الذي مثل الانطلاقة العملية للحركة الصهيونية نحو إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين

 

إتجاهات ومدارس الحركة الصهيونية

 

بعد استعراض نتاج مفكري الصهيونية، يمكن القول: أن الصهيونية هي حركة سياسية تسعى لحل المشكلة اليهودية في فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية فيها.

وقد اطلق لفظ صهيون على الحركة الصهيونية نسبة إلى جبل صهيون الذي يقع في الجزء الشرقي من مدينة القدس، وهي كلمة كنعانية

وعلى الرغم من أتفاق كل القوى الفاعلة في الحركة الصهيونية على تحقيق الهدف المتمثل في العمل على إقامة وطن قومي لليهود في أرض فلسطين، إلا أنها تختلف حول سبل تحقيق هذا الهدف، وهي كالآتي:

الصهيونية: السياسية: وهي التي عبر عنها المفكرون الذين تمت الإشارة اليهم سابقاً، ويقود هذه المدرسة هيرتزيل، وقامت هذه المدرسة على رفض اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، ودعت للعمل على إقامة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين، والاعتماد على التحالف مع القوى الاستعمارية مثل بريطانيا. وقد حدث انشقاق في هذه المدرسة أسفر عن بروز المدرسة التصحيحية أو التنقيحية بقيادة زئيف جابوتنسكي، والذي كان يطالب بالإعتماد بشكل أكبر على الإرهاب في تحقيق هدف إقامة الدولة، وشكلت هذه المدرسة عصابات إرهابية خاصة بها، هي " منظمة " ليحي " و إتسل "، التي قادهما كل من مناحيم بيغن وشامير.

الصهيونية الدينية:سبق أن أشرنا إلى أن اليهود المتدينيين ينقسمون في نظرتهم للصهيونية، إلى قسمين، وهما:

المتدينون القوميون ( المتدينون الصهاينة ): الذين يؤمنون بأن استيطان أرض فلسطين وبناء وطن قومي لليهود فيها هو الذي يساعد على قدوم المسيح المخلص وليس العكس. وهؤلاء اليهود يخدمون في الجيش، ويشكلون العمود الفقري للإستيطان في الضفة الغربية، ويتحمسون بشكل خاص لتهويد القدس، وقد كان حزب " المفدال " الديني يمثلهم، إلا أن الحزب انهار عشية الانتخابات الأخيرة، وإن كان لهم ممثلين في أحزاب أخرى.

 

 اليهود الأرثوذكس: لا يعتبرون أنفسهم صهاينة، وعارضوا جهود الحركة الصهيونية لإعادة اليهود إلى أرض فلسطين على اعتبار أن هذه مهمة المسيح المخلص الذي سينزل آخر الزمان ليقود اليهود إلى أرض الميعاد، وبالتالي لا يجوز للناس التدخل من أجل تسريع هذه المهمة. ويعترف اليهود الأرثوذكس بإسرائيل كأمر واقع، مع أنهم انخرطوا في حياتها السياسية، لكن معظمهم لا يخدم في الجيش. وينقسم اليهود الأرثوذكس إلى قسمين:

أ‌-      أرثوذكس غربيين ( اشكناز ): وهؤلاء ينقسمون الى قسمين: حسيديم الذين يمثلهم حزب " إيغودات يسرائيل "، و حزب " ديجل هتوراة ". وقد توحد الحزبان مؤخراً حيث شكلا حزب " يهودوت هتوراة ".

ب‌-    أرثوذكس شرقيون: تمثلهم حركة شاس، مع أنه حتى العام 1984 لم يكن هناك هيئة قيادية خاصة باليهود الأرثوذكس الشرقيين الذين كانوا يتبعون للمرجعيات الدينية الخاصة بحزب " ديجل هتوراة ".

 

المدرسة الصهيونية الثقافية ( الصهيونية الروحية ): اعتبرت هذه المدرسة أن الخطر الذي يهدد مستقبل اليهود يكمن في الضعف الداخلي للمجتمعات اليهودية، وافتقاد اليهود للإحساس بالوحدة، وضعف التمسك بالقيم. وطالب قادة هذه المدرسة بضرورة تجميع اليهود في فلسطين لتكون ملاذاً نفسيا وروحياً. وتعتبر أن الشعب اليهودي هو مصدر القداسة وليس النصوص الدينية، وأن القيم مرتبطة بانجازات اليهود في مجال التراث والثقافة. ويعد اشير جينزبيرغ المعروف بـ " أحاد هعام "، هو أشهر مفكري هذه المدرسة، والذي كان يأخذ على قيادة الحركة الصهيونية تجاهلها للعامل الثقافي الذي كان يرى فيه الضمانة  الوحيدة ضد الاندماج.

 

الصهيونية العملية (أحباء صهيون ):

في الوقت الذي اعتمدت فيه المدرسة السياسية على الجهود السياسية والدبلوماسية في حشد الدعم للفكرة الصهيونية، فأن المدرسة العملية رأت أن الأمر يتطلب التحرك العملي لبناء المستوطنات. وانطلقت الصهيونية العملية في روسيا بعد المجازر التي نفذت ضد اليهود في اعقاب اغتيال القيصر الكسندر الثاني، فتراجع تأييد الإندماج وظهرت جماعات من الشباب تدعو الى العودة الى فلسطين عبر جهد جماعي، وأطلق هؤلاء الشباب على أنفسهم " أحباء صهيون ". وأقامت جمعيات لها في مدن أوروبا لحشد التأييد لفكرتها وتنظيم هجرة الشباب اليهودي لأرض فلسطين. وكانت أول جمعية لهؤلاء الشباب انشأت في اوروبا يطلق عليها " كاديما " عام 1882.

 

انطلاق المنظمة الصهيونية العالمية

برنامج ومؤسسات

 

 البرنامج: إعتقد تيودور هيرتزيل أن إقامة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين يتطلب تأمين إستقلال سياسي يرفده إعتراف ودعم دولي، لذا فقد  كانت الخطوة الأولى التي جسدت الإنطلاقة الفعلية الأولى في طريق إقامة المشروع الصهيونية عقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بال بسويسرا عام 1897، حيث تم الإعلان عن تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، كما تم أقر المؤتمر البرنامج السياسي للمنظمة، والذي تلخص في السعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام، أي برعاية دولية، وفيما يتعلق بالأهداف التفصيلية، فإنه يمكن حصرها في:

1-تشجيع استيطان العمال اليهود الزراعيين والصناعيين في فلسطين.

2-توثيق العلاقات بين اليهود عبر مؤسسات مناسبة على الصعيدين المحلي والعالمي.

   3-تنمية الحس والوعي القومي اليهودي وتعزيزهما.

4-المباشرة في اتخاذ خطوات عملية لتأمين اعتراف دولي بالمشروع الصهيوني.

 

المؤسسات السياسية: إهتم الصهاينة بمأسسة عملهم، من هنا فقد أجاز المؤتمر الصهيوني تشكيل المؤسسات الآتية:

 

1-المؤتمر الصهيوني: الذي يمثل أكبر سلطة في الحركة الصهيونية، ويتم انتخاب اعضاؤه من قبل الإعضاء في الحركة الصهيونية، وفي البداية كان يعقد كل عام، ثم اصبح يعقد مرة كل اربع سنوات. ويقوم المؤتمر بإنتخاب رئيس المنظمة والمجلس العام واللجنة التنفيذية.

 

2-المجلس العام: الحلقة الوسيطة بين المؤتمر الصهيوني واللجنة التنفيذية، وينوب عن المؤتمر في حال تعذر انعقاده.

 

3-اللجنة التنفيذية:  تعتبر بمثابة قيادة الحركة الصهيونية، ويتم انتخابها من قبل المجلس العام.

 

4- الوكالة اليهودية: أنشأت الوكالة اليهودية في فلسطين عام 1922، استناداً إلى المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد اعترفت حكومة الانتداب بدور الوكالة كهيئة استشارية لإدارة فلسطين بالتعاون مع الانتداب في المسائل الاقتصادية والاجتماعية بما يساعد على إقامة وطن قومي لليهود وحماية مصالح السكان اليهود. وكانت الوكالة اليهودية مسؤولة عن كل الأنشطة الصهيونية على أرض فلسطين، بينما كانت المنظمة الصهيونية العالمية مسؤولة عن الأنشطة الصهيونية في الخارج، وتتلخص أهداف الوكالة اليهودية في تطوير حجم الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي كملكية عامة لليهود، تشجيع الاستيطان الزراعي، نشر اللغة والتراث العبري في فلسطين. وحتى الإعلان عن الكيان الصهيوني، كانت الوكالة تعلب دور الحكومة الفعلية على أرض فلسطين.

 

5- المجلس الوطني اليهودي: تأسس عام 1928: كان مسؤول عن تمثيل المستوطنين اليهود في علاقتهم مع حكومة الانتداب البريطاني والمحافل الدولية، وكان يعمل تحت إمرة الوكالة اليهودية. وأسهم هذا المجلس في تحديد معالم النشاط الصهيوني لإقامة دولة على أرض فلسطين من خلال برنامج اقتصادي عسكري، بإشراف الوكالة اليهودية.

 

المؤسسات الإقتصادية:

1- الكيرن كييمت ( الصندوق القومي اليهودي ): أصدر المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 قراراً بتأسيسه، ليختص في تجنيد الأموال اللازمة لاستملاك الأراضي في أرض فلسطين، بهدف توطين اليهود فيها، لتكون ملكاً أبدياً لليهود. وحتى نهاية العام 1947 استطاع هذا الصندوق السيطرة على 933000 دونم من أصل 1734000 دونم كان يمتلكها اليهود، أي ما يوازي 6.6% أرض فلسطين. وبعد الإعلان عن الكيان الصهيوني، تحولت مهمة الصندوق إلى استصلاح الأراضي وتشجيرها، والمساعدة في استيعاب المهاجرين اليهود....الخ.

 

2-كيرن هيسود ( الصندوق التأسيس ): تم إقراره من قبل المؤتمر الصهيوني عام 1920 في لندن، بهدف تجنيد الأموال اللازمة لتهجير اليهود إلى أرض فلسطين وبناء المستوطنات، وتطوير المؤسسات الصهيونية على أرض فلسطين، وكان الصندوق يقوم بتسليم الأموال التي يجمعها للوكالة اليهودية التي كانت تتولى إدارة شؤون الاستيطان اليهودي. وكان التبرع لكيرن هيسود ضريبة سنوية إلزامية على كل يهودي. ويعتبر هذا الصندوق مسؤول عن تشييد 203 مستوطنة، قد أنشأ شركة المياه القطرية " مكوروت "، وميناء تل أبيب، وشركة الطيران ( آل عال )، وساهم في اقامة شركة الكهرباء.

 

 

 

 

 

 

 

التشكيلات العسكرية:

أدركت الحركة الصهيونية أن الشعب العربي الفلسطيني لن يسلم بإقامة مشروعها الذي تجاوز الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، ووعت أن هذا الشعب سيقاوم هذا المشروع، ولن يتخلى طواعية عن ارضه،فحرصت منذ البداية على الإستعداد للمواجهة المحتومة مع المقاومة الفلسطينية، عبر تشكيل قوات عسكرية  تتولى العمليات القيام بالعمليات الإرهابية، وهذه أهم هذه التشكيلات:

 

أولاً: الهاغناة ( הגנה ): وهي كلمة عبرية تعني الدفاع، وهذه منظمة عسكرية تشكلت عام 1921 تحديداً من الضباط والجنود اليهود الذين كانوا يخدمون في الجيوش الاوروبية. شاركت في الحرب العالمية الثانية لمساعدة اليهود في الهجرة إلى أرض فلسطين، لكن أهم مساهمة لهذه القوات كانت المشاركة في الإرهاب المنظم الذي مورس على أوسع نطاق ضد المواطنين الفلسطينيين لدفعهم لترك مدنهم وقراهم عبر ارتكاب المذابح. وعند الإعلان عن الكيان الصهيوني، أصبحت " الهاغناة " هي نواة الجيش الإسرائيلي، حيث أصبح قادة الهاجناة هم قادة الجيش.

 

ثانيا: البلماخ ( בלמך ): وهي اختصار لكلمتي ( بلوجوت ماحتس )، أي (جند العاصفة )، وتمثل البلماخ الوحدات المختارة في " الهاجناة "، وقد أنشأت في 19/5/1941، وهي وحدات خفيفة تلقى عناصرها تدريبات شاقة، وتتخصص في عمليات النسف والتخريب والهجوم الصاعق، وكانت تتزود بأكثر الأسلحة تطوراً، وكانت على علاقة وثيقة بالإنتداب البريطاني.

وقد لعبت هذه القوات دوراً أساسياً في عمليات القتل والطرد الجماعي ضد الفلسطينيين، وكان قائد هذه الوحدات يغآل ألون الذي اصبح فيما بعد من قادة حزب العمل، وشغل منصب وزير الخارجية.

 

اللواء اليهودي: قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وعندما أدركت الحركة الصهيونية أن هذه الحرب اصبحت وشيكة قررت السعي إلى الدفع بمشاركة قوات يهودية في هذه الحرب لتحارب إلى جانب القوات البريطانية، وذلك للحصول على مقابل سياسي، ولاستغلال بيئة الحرب في تدريب الشباب اليهودي. ووافقت الحكومة البريطانية على مشاركة هذه القوات فيما قوة أطلق عليها " اللواء اليهودي ".

 

 

 

 الأرجون أو إتسيل ( אצל ):

أشرنا سابقاً إلى حدوث انشقاق في صفوف المدرسة الصهيونية السياسية، أسفر عن مولد المدرسة التصحيحية التي قادها فلادمير جابوتينسكي والذي خلفه بعد ذلك مناحيم بيغن، وكان الذراع السياسي لهذه المدرسة حركة " حيروت " . وكانت هذه المدرسة تختلف عن المدرسة الصهيونية السياسية التي أرساها هيرتزيل بعدم الرهان على التحركات الدبلوماسية وكانت تؤمن بخيار القوة والإرهاب. ولهذا فقد انبثقت عن هذه المدرسة منظمة " اتسيل " أو " الارجون " عام 1931، وكان شعارها  يد تمسك بندقية مكتوب تحتها " هكذا فقط ". وعندما تولى مناحيم بيغن زعامة المنظمة في العام 1943 نفذت العديد من المجازر، على رأسها مجزرة دير ياسين في 9 / 4 / 1948. وبعد اقامة الدولة تم دمج هذه القوات في الجيش الإسرائيلي، وقام رئيس الدولة حاييم وايزمان بتكريم هذه القوات، وكان من قادة هذه المنظمة رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحاق شامير.

 

ليحي ( ליחי ): حدث انشقاق في منظمة الأرجون، وخرج منها ابراهم شطيرن، ونفذت هذه المنظمة عشرات المجازر، كما قامت في تشرين ثاني عام 1947 بتدمير سرايا يافا. وبعد الإعلان عن إسرائيل تم ضم عناصرها للجيش، كما قامت الدولة بصرف مخصصات تقاعد لكل الذين خدموا في هذه القوات، ومنحتهم وسام محاربي الدولة.

 

 

المحاضرة الخامسة

العمل الدبلوماسي والهجرات

 

تطبيقاً لبرنامج الحركة الصهيونية الذي أقره المؤتمر الصهيوني الأول، انطلق تيودور هيرتزل في سلسلة من التحركات الدبلوماسية الهادفة الى حشد الدعم الدولي لإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، فالتقى القيصر الألماني والسلطات العثماني وملك ايطاليا فضلاً عن عدد كبير من الوزراء في ايطاليا وبريطانيا، الى جانب اجتماعه بعدد كبير من الأثرياء وأصحاب بنوك بهدف ضمان دعمهم للمشروع الصهيوني.

لم ينجح هيرتزل في اقناع السلطان العثماني عبد الحميد بالموافقة على فتح باب الهجرة  اليهودية إلى أرض فلسطين.

وبسبب الرفض العثماني وبعض المشاكل المالية التي واجهها المشروع، اتجه هيرتزل للبحث في حلول مؤقتة للمسألة اليهودية، فاقترح استعمار قبرص، لكن الفكرة جوبهت بالرفض من قبل الصهيونيين العمليين الذين يمثلهم جمعية " أحباء صهيون "، كما أنه اقتنع بفكرة إقامة وطن لليهود في العريش وسيناء، لكن هذه الفكرة قوبلت بالرفض من قبل المصريين والعثمانيين. واقترح  رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين على هيرتزل فكرة استعمار اوغندا، وقدم هيرتزل اقتراحاً بذلك للمؤتمر الصهيوني الذي عقد عام 1903، وبالفعل قبل المؤتمر الفكرة، وقرر ارسال بعثة استكشافية إلى هناك، لكن بعد وفاة هيرتزل عادت فكرة اقامة الوطن القومي في فلسطين لتصبح في مركز البرنامج الصهيوني.

ويمكن القول أنه على الرغم من موت هيرتزل في سنة مبكرة نسبياً ( 44 عاماً )، إلا أنه أثر بشكل كبير جداً وحاسم على مصير المشروع الصهيوني، إذ أنه هو الذي وضع المسألة اليهودية في بؤرة الاهتمام العالمي، كما أن قيامه بتشكيل المنظمة الصهيونية كان في الواقع اللبنة الأولى التي فتح الطريق أمام إقامة الكيان الصهيوني.

بعد وفاة هيرتزل نشب خلاف كبير بين أنصار الصهيونية السياسية الذين يرون أنه يتوجب التركيز على محاولة تجنيد الدعم الدولي لإقامة المشروع الصهيوني، وانصار الصهيونية العملية الذين كانوا يرون وجوب التركيز على شراء الأرض وجلب المهاجرين اليهود إلى فلسطين. وقد حسم الخلاف بين المدرستين عندما برز دور حاييم وايزمان الذي أصبح فيما بعد رئيساً للمنظمة الصهيونية، فقد كان وايزمان يقول أنه لا يوجد هناك تعارض بين السعي للحصول على الاعتراف الدولي وبين التفكير العملي القائم على السيطرة على الأراضي، وأنه يمكن الجمع بين الوسيلتين.

وواصل وايزمان جهود هيرتزل الدبلوماسية، ونجح في اقناع الحكومة البريطانية بإصدار وعد بلفور، حيث وعدها بأن يساهم اليهود في اقناع الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب بريطانيا في أي حرب تنشب مع ألمانيا النازية وحلفائها.

 

الهجرات اليهودية وقرار التقسيم

 

اعتمدت الحركة الصهيونية في سعيها لإقامة كيانها المغتصب على أرض فلسطين على ركيزتين أساسيتين، وهما: الهجرة اليهودية والسيطرة على الأراضي الفلسطينية. وبالنسبة للهجرة اليهودية فقد تأثرت بعوامل عدة، لكنها في النهاية أسهمت في توفر العامل البشري الذي كان كفيلاً بالإعلان عن الكيان الصهيوني، ونحن سنحاول التعرف على أهم موجات الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، وسماتها:

 

الهجرة من 1882 -1904: في أعقاب عمليات القمع التي تعرض لها اليهود في العام 1882 إثر اغتيال القيصر الروسي اليكساندر الثاني، أخذت أعداد كبيرة من اليهود الروس بالهجرة للخارج، وتوجه السواد الأعظم منهم إلى الغرب وتحديداً للولايات المتحدة، لكن قلة منهم توجهت إلى أرض فلسطين. حيث أنه على الرغم من قرار السلطان العثماني عبد الحميد حظر الهجرة اليهودية إلى فلسطين، إلا أن فساد مؤسسات الحكم العثماني في فلسطين، والدور المتعاظم للقناصل الذين يمثلون الدولة العثمانية سمح لليهود بالسيطرة على مزيد من الأراضي واقامة المستوطنات، ومن المستوطنات التي أقيمت في هذه الفترة، مستوطنة " بتح تكفا " (الملبس )، ومستوطنة " ريشون ليتسيون " ( عيون قارة )، ومستوطنة " روش بينا " ( قرية الجاعور )، وغيرها.

لكن هذه الهجرة تميزت بأنها كانت تضم عائلات وشباب يفتقرون للدافع الأيدلوجي، و للمهارات في مجال الزراعة، الأمر الذي أدى إلى فشل تجاربهم الاستيطانية، فضلاً عن انهم عانوا من مشاكل مالية، وقد بلغ عدد اليهود الذين هاجروا خلال هذه الفترة 6000.

الهجرة 1905-1914: بعد فشل ثورة 1905 التي نظمت ضد حكم القياصرة في روسيا، فر عشرات الآلاف من اليهود من روسيا، حيث جاء عدد كبير منهم الى أرض فلسطين. وقد تميزت هذه الهجرة بأنها ضمت لأول مرة عدد كبير من الشباب الصهيوني المتحمس للفكرة الصهيونية والذين جاءوا بناءً على ايمان مطلق بضرورة بذل أقصى جهد من أجل اقامة الوطن القومي. وكان من بين هؤلاء دفيد بن غوريون الذي أصبح فيما بعد أهم زعيم صهيوني وأول رئيس وزراء لإسرائيل، وكان هؤلاء يتبنون الفكر الاشتراكي، لهذا حرصوا على تأسيس أول نقابة للعمال، أطلقوا عليها " بوعلي تسيون "، التي تحولت فيما بعد إلى نقابة العمال العامة " الهستدروت "، والتي لازالت تمثل العمال في إسرائيل حتى يومنا هذا. وقد آمن الشباب الذي هاجر خلال هذه الفترة بالعمل الجماعي، فتم اقامة " القرى التعاونية "، أو ما يعرف بـ " الكيبوتس ".

وفي العام 1909 اقيمت مدينة تل ابيب، وهي أول مدينة يهودية تقام في العصر الحديث، كما تم تأسيس أول منظمة عسكرية للحراسة اطلق عليها " هشومير " ( الحارس )، والتي تحولت فيما بعد الى " الهجناه "، الذراع العسكري للحركة الصهيونية.

 

هجرة 1933-1936:  تعتبر هذه أخطر الهجرات اليهودية على الإطلاق لأنها ضمت نواة المهاجرين التي تولت عملياً جهد إقامة مؤسسات الدولة بسبب تميز أفرادها بشكل خاص. فبعد أن فاز الحزب النازي في انتخابات عام 1929 في ألمانيا وصعد هتلر للحكم، استغلت الصهيونية الحدث وأثارت المخاوف في نفوس يهود ألمانيا وحثتهم على الهجرة من المانيا الى فلسطين. وقد ساعد على ذلك أن الحركة الصهيونية توصلت إلى اتفاقية سرية مع الحكومة النازية عام 1932 أطلق عليها " هعفراه " وتقضي بالسماح لليهود الالمان بالهجرة لفلسطين، وقد هاجر خلال هذه الفترة 187671 يهودي معظمهم من رجال الأعمال والأثرياء والعلماء في مختلف التخصصات، الأمر الذي أعطى دفعة قوية للمشروع الصهيوني

 

صدور " الكتاب الأبيض " وتعثر الهجرة: في أعقاب إضراب عام 1936 الذي قام به الفلسطينيون والغليان الشعبي الفلسطيني ضد الهجرة اليهودية، اضطرت الحكومة البريطانية الى اصدار " الكتاب الأبيض " عام 1939 والذي قيدت فيه الهجرة إلى ارض فلسطين بشدة، بحيث يتم السماح بهجرة 75 الف يهودي على مدى خمسة أعوام. وحتى العام 1942 ظلت الهجرة إلى ارض فلسطين ضعيفة مقارنة بالفترات السابقة.

 

مؤتمر بالتيمور 1942 وإنطلاق الهجرة من جديد: شكل المؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدينة بالتيمور الأمريكية نقطة تحول فارقة، إذ أن الصهاينة أقنعوا الإدارة الأمريكية بالضغط على انجلترا للتراجع عن الكتاب الأبيض وفتح أبواب الهجرة من جديد، بالإضافة إلى أن المؤتمر قرر اتخاذ العديد من الخطوات الهادفة الى تعجيل اقامة الكيان الصهيوني، وضمنها اقامة جيش يهودي. وتحت ضغط امريكا اعلنت بريطانيا في العام 1945 تراجعها عما ورد في " الكتاب الأبيض ".

 

قرار التقسيم وعمليات التهجير الجماعي: خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية منهكة تماما، وضمن عوامل اخرى، أعلنت الحكومة البريطانيا عن نيتها الإنسحاب من فلسطين، فمارست كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ضغطاً على الأمم المتحدة لإصدار قرار يسمح بإقامة دولة يهودية إلى جانب دولة عربية في فلسطين. وبالفعل في 29-11-1947 صدر قرار 181 الذي اطلق عليه قرار التقسيم والذي اعطى لأول مرة شرعية دولية لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين وليس لمجرد اقامة وطن قومي. وحسب نص القرار فإن الدولة اليهودية ستقام على 54% من أرض فلسطين، في حين تقام الدولة العربية على 45%، في حين تبقى 1% من الارض كمنطقة دولية. رفض العرب والفلسطينيون القرار، في حين قبله اليهود. وكانت المعضلة التي واجهت اليهود أن 42% من السكان الذين يقطنون الأرض التي ستقام عليها الدولة اليهودية هم من الفلسطينيين، وبالتالي طردهم من هذه الأراضي. ووضعت الحركة الصهيونية عدة خطط إرهابية لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وكان على رأس هذه الخطط خطة دالت، والتي هدفت ليس فقط الى طرد الفلسطينيين من الأرض التي حددها قرار التقسيم كأرض تقام عليها الدولة اليهودية، بل هدفت الى القضاء على حدود التقسيم والسيطرة على اكبر مساحة من الأرض الفلسطينية.

 

خطة دالت:  قام يغآل يادين قائد شعبة العمليات في الهاجناة برسم الخطة في مارس من العام 1948، وأشرف على تنفيذها. وهدفت الخطة بشكل واضح الى طرد الفلسطينيين نهائياً من أرضهم الى خارج حدود فلسطين، وقامت " الهاغناة " بالفعل بتطبيق الخطة، التي وصلت في ذروتها في أيار من العام 1948، حيث أدت عمليات القتل والتدمير الى إضطرار الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون في حدود فلسطين 48 لمغادرتها الى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، وهكذا نشأت قضية المبعدين. وبهزيمة الجيوش العربية في حرب العام 1948، وإعلان الحركة الصهيونية كيانها الغاصب على أرض فلسطين، سيطر اليهود على 77% من ارض فلسطين.

 

دور بريطاني في دعم المشروع الصهيوني:

1-   دمجت وعد بلفور في صك الانتداب، ودفعت نحو تبنيه من قبل عصبة الأمم ليحظى باعتراف دولي.

2-   فتحت أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية.

3-   سمحت ببناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية والنقابية التي شكلت نواة الدولة اليهودية.

4-   غضت الطرف عن إقامة التشكيلات العسكرية اليهودية وتعاونت معها

 

كل هذا في الوقت الذي وقفت بالمرصاد للحركة الوطنية الفلسطينية وقمعتها بكل قوة كما سنتعرف لاحقاً.

 

 

 

تناقضات الصهيونية

إدعى قادة الحركة الصهيونية أن مشروعهم يندرج ضمن إطار أخلاقي وقيمي، مستندين إلى عدة مزاعم دللت الوقائع على بطلانها. ونحن هنا بصدد التعرض لعدد من تناقضات الحركة الصهيونية:

 

أولاً: إدعت الصهيونية إنها حركة تحرر وطني وإنبعاث قومي لليهود، وهي في الواقع ليست   أكثر من حركة استعمارية، قامت منذ الأساس بقصد إفناء شعب آخر وطرده من أرضه حتى يتسنى لها أن تحل محله.

 

ثانياً: استندت الحركة الصهيونية في تبرير حقها التاريخي في أرض فلسطين إلى قيام مملكة اليهود قبل ألفي عام، وهذا منهج انتقائي يتناقض مع مع المنهج العلمي الإنساني الذي يستوعب حضارات الشعوب كلها، فالصهيونية أغفلت حقيقة أن الكنعانيين تواجدوا على أرض فلسطين قبل آلاف السنين وهم بناة الحضارة الأولى على أرض فلسطين، وتجاهلوا أن للعرب كانت حضارة متصلة لمئات السنين.

 

ثالثاً: إدعت الصهيونية أنها حركة تحرر وطني لكنها في نفس الوقت تحالفت مع القوى الإستعمارية.

 

رابعاً: تدعي الحركة الصهيونية أنها حركة ديموقراطية، لكنها في ذات الوقت قامت على التمييز العنصري، ولعل الذي يبرز هذا التناقض بشكل واضح، هو تأكيد ما يعرف بـ " وثيقة الإستقلال " الخاصة بإسرائيل بأنها " دولة الشعب اليهودي "، الأمر الذي يعني أنه هناك ما يبرر التمييز ضد غير اليهود الذين يعيشون في هذه الأرض. لذلك يقول وزير القضاء الإسرائيلي الأسبق يوسيف لبيد:

 

" إن الغاية من الدستور بشكل عام ضمان المساواة والعدل، ولن يكون بوسع الدستور الإسرائيلي فعل ذلك، سوف يتعين على الدستور الإسرائيلي تخليد اللامساواة، عليه أن يضمن أن إسرائيل ستكون دولة يهودية، وطناً لشعب واحد وليس لشعبين. سوف ينص الدستور على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل، وهذا الحق لن يتاح لأبناء الشعوب الأخرى، سوف ينص الدستور على حق اليهود في حمل السلاح، ولن يسمح للعرب بذلك........لن يحمل الدستور طابع المساواة ".

 

خامساً: التناقض بين الإطار العلماني الذي تتبناه الحركة الصهيونية، والجذور والأدوات الدينية التي لولاها ما قامت الصهيونية.

سادساً: التناقض الحضاري بين الحضارة الغربية التي يدعي اليهود الغربيون " الإشكناز " الذين أقاموا إسرائيل انتمائهم إليها وبين الحضارة الشرقية التي ينتسب إليها اليهود الشرقيون ( السفراديم ).

 

سابعاً: التناقض القائم في زعم الصهيونية تمثيلها لليهود، في الوقت الذي تسود الخلافات الفكرية بين اليهود الذين ينتمون لنفس الأطر الصهيونية.

 

مقارنة بين ظروف الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية قبل العام 1948

 

مما لا شك فيه أن هناك ظروف عديدة ساعدت الحركة الصهيونية على تحقيق هدفها الكبير المتمثل في إقامة الكيان الصهيوني الغاصب، في الوقت الذي حرم فيه الشعب الفلسطيني ذلك. ونحن هنا بصدد عرض مقارنة بين ظروف الجانبين:

 

وجه المقارنة

الشعب الفلسطيني

الحركة الصهيونية

الدعم الدولي

لم يفقد الشعب الفلسطيني الدعم الدولي فحسب، بل تآمرت عليه أعتى القوى الإستعمارية ممثلة في بريطانها، إلى جانب افتقاد الشعب الفلسطيني لعمق عربي جاد، حيث أن معظم الدول العربية قبل العام 48 حتى الحكم البريطاني، أو تحكمها أنظمة متواطئة مع البريطانيين

لولا الدعم الدولي، والعلاقة الوثيقة مع القوى الاستعمارية لما تسنى للحركة الصهيونية إقامة مشروعها، فبريطانيا هي التي ساعدت الصهاينة على شراء الأرض وجلب المهاجرين، وبناء المؤسسات بمختلف أنواعها.

النظام السياسي

 قام النظام السياسي الفلسطيني على العلاقات العشائرية والقبلية، حيث أن معظم الأحزاب السياسية والحركات الإجتماعية استندت على الطابع العشائري الذي يقوم على الكثير من التناقضات، وهذا ما ساعد كل من البريطانيين والصهاينة على المناورة واستغلال هذه التناقضات في تسهيل بناء إقامة المشروع الصهيوني.

 

تميز النظام السياسي الصهيوني بوجود أحزاب قائمة على أسس فكرية وأيدلوجية، إلى جانب وجود مؤسسات سياسية فاعلة، فكل حزب كان له لجنة تنفيذية ومكتب سياسي وصحف خاصة به. فضلاً على قدرة الحركات الصهيونية على التغلب على خلافاتها الفكرية في سبيل تحقيق الهدف الصهيوني

البنى التحتية

بسبب القيود التي فرضها الإحتلال وعدم وجود دعم عربي لم يتمكن الفلسطينيون من تشييد بنى تحتية يمكن أن تؤسس لمشروعهم الوطني

حرص الصهاينة على الإعداد لمشروعهم الاستعماري بإلاهتمام بمشاريع البنى التحتية، فتم تشييد المدن والمصانع والمطارات.

القوة العسكرية

كانت القوة العسكرية عبارة عن مجموعات غير منظمة وغير مدربة بشكل جيد، فضلاً عن افتقادها للسلاح والقيادة والتوجيه

استفادت الحركة الصهيونية من خدمة عناصرها في الجيوش الأوروبية، فتوفر لديها القوى البشرية المعدة للعمل العسكري، فضلاً عن سماح البريطانيين بتوريد السلاح الحديث والمطور للميليشيات الإرهابية الصهيونية.

الأوضاع الإقتصادية

كانت بالغة الصعوبة، بسبب قلة الموارد وعدم وجود دعم عربي

نجح الصهاينة في تجنيد دعم الأثرياء ورجال الأعمال والمصرفيين اليهود، في توفير الدعم المالي اللازم لإنطلاق مشروعهم

التعليم

كانت نسبة الأمية أكثر من 90%، الى جانب عدم وجود مؤسسات تعليمية وجامعية قادرة على رفد حركة التحرر الوطني بالقوى البشرية المؤهلة

نسبة التعليم فاقت 90%، تم تأسيس نظام تعليمي متكامل، فضلاً عن إقامة الجامعات والكليات المتخصصة والمعاهد التطبيقية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر