موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الاندفاع نحو التطبيع..كما تفسّره إسرائيل

الاسلام اليوم 13/06/2005

تدافُعُ كثيرٍ من الدول العربية في الآونة الأخيرة لتطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية- فاجأ عدداً من كبار المسؤولين الإسرائيليين؛ ففي بادئ الأمر لم يستوعب عدد من وزراء الحكومة الإسرائيلية الميل العربي الرسمي للتطبيع، في الوقت الذي تُحكم فيه إسرائيل من قبل زعيم متطرف على شاكلة ارئيل شارون لعب في الماضي والحاضر دوراً حاسماً في جهود الحركة الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، وإلحاق أكبر قدر من الأذى بالعرب. فالقائم بأعمال رئيس الحكومة أيهود أولمرت يقول: " إنني أقرّ بالشعور بالمفاجأة بسبب حرص أنظمة الحكم في العالم العربي على تطبيع علاقاتها معنا، بالذات في الوقت الذي تعمل فيه حكومتنا على استخدام أكبر قدر من القوة للقضاء على انتفاضة الأقصى، وتجريد الفلسطينيين من كل مصدر يمكنهم من مواصلة الكفاح ضد وجودنا في الضفة الغربية وقطاع غزة".

التفسير الإسرائيلي للتدافع العربي نحو التطبيع

لم يدم طويلاً الشعور بالمفاجأة لدى دوائر صنع القرار في الدولة العبرية حيال الميل العربي الرسمي للتطبيع مع إسرائيل، وسرعان ما تمت بلورة تفسير لهذا الميل. ومن الأهمية بمكان أن نقف على التفسير الذي قدمه الجنرال جيورا أيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بوصفه أهم مرجعيات اتخاذ القرار في الدولة العبرية، للحرص العربي على التطبيع مع الدولة العبرية. فأيلاند يرى – في تقرير قدمه لحكومة شارون - أن الحرص العربي الرسمي على التطبيع موجه في الأساس للإدارة الأمريكية. وحسب أيلاند فإن العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي ترى أنه من أجل استرضاء الإدارة الأمريكية التي جعلت على رأس أولوياتها تغيير الأنظمة الحاكمة كوسيلة لضمان مصالحها في المنطقة، فإن هذه الأنظمة ترى أن عليها التقرب من إسرائيل وبشكل لافت. ومن اللافت للنظر أن (ايلاند) يرى أن محاولة بعض أنظمة الحكم في العالم العربي استرضاء واشنطن لا يقتصر على التطبيع، بل أيضاً في حرص بعض الدول العربية في لعب دور في خطة "فك الارتباط"، وبالذات مصر والأردن. ويرى (ايلاند) أن الحكومة المصرية – على سبيل المثال - تصر على لعب دور في "فك الارتباط" لإقناع الإدارة الأمريكية باستثناء نظام الحكم في مصر من التغييرات التي تزمع واشنطن القيام بها ضمن جهودها لـِ " دمقرطة " المنطقة.. الذي يثلج صدور الصهاينة هو حقيقة أن الحرص العربي على التطبيع يتزامن مع انعدام وجود أي توجه عربي لتعديل موازين القوى الإستراتيجية مع الدولة العبرية. فقد نقلت صحيفة الصفوة "هارتس" في عددها الصادر بتاريخ ( 18-1-2005 ) عن هيئة أركان جيش الاحتلال قولها: إن الخطة التسليحية للجيش المصري تلائم فقط الحروب السابقة، ولا يمكنها أن تشكل خطراً على الدولة العبرية في المستقبل.

التطبيع لعزل المقاومة

لا ينتمي شارون إلى أولئك الذين يؤمنون بفكرة "الشرق الأوسط الجديد"، بل على العكس تماماً. فشارون يحمل آراءً عنصرية بالغة التطرّف تجاه العرب، ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا ما يرويه المعلق الإسرائيلي (بن كاسبيت) الذي يقول: إن شارون دائماً ينهي كل حديث يتناول العلاقة مع العرب بالقول بكثير من الاستعلاء والعنصرية: " في نهاية المطاف، محظور علينا أن ننسى بأن الحديث يدور هنا عن العرب". ومع ذلك فإن شارون يولي أهمية للتطبيع مع الدول العربية. ويفسر نجله النائب عومري شارون ذلك بالقول: إن أهمية تطبيع العلاقات مع العالم العربي تكمن في أنها تساهم في عزل حركات المقاومة الفلسطينية، وتقلص من حجم الفضاء الذي تستفيد منه هذه الحركات في العالم العربي. ويشير شارون الابن إلى أنه بفعل الاتصالات مع بعض الدول العربية فقد تقلصت قدرة حركات المقاومة الفلسطينية – على سبيل المثال – على تجنيد الأموال اللازمة لمواصلة عملياتها ضد إسرائيل. في نفس الوقت فإن إسرائيل تستفيد من أجواء التطبيع في محاولة التأثير على ما يجري في الساحتين السورية واللبنانية. ولعل أقل ما يذكر هنا هو التأكيد الإسرائيلي على اتصالات أجراها مسؤولون إسرائيليون مع قيادات لبنانية من أجل العمل على أن يصدر البرلمان اللبناني عفواً عن عناصر جيش جنوب لبنان الذين فروا لإسرائيل في أعقاب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000.
يرى الإسرائيليون أن الدور المصري والأردني في خطة " فك الارتباط "، هو الذي فتح الباب أمام بقية الحكومات العربية لتطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية. ويؤكد العديد من كبار المسؤولين الإسرائيليين على أن الدور المصري والأردني يساعد إسرائيل على تحقيق أهدافها من خطة " فك الارتباط ". فتل أبيب تتعاطى مع الدور المصري والأردني في هذه الخطة كبديل عن الدور الفلسطيني الرسمي، الأمر الذي يضفي صدقية على مزاعم إسرائيل بأن هذه الخطة "أحاديّة الجانب". تعي الدولة العبرية أن انضمام الطرف الفلسطيني كشريك في هذه الخطة يعني الربط بينها وبين خطة "خارطة الطريق"، التي تُلزِم إسرائيل – ولو من ناحية نظرية - بإخلاء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، وصولاً لإقامة الدولة الفلسطينية. الذي يبعث على الارتياح الإسرائيلي هو حقيقة أن كلاً من الأردن ومصر تواصلان التنسيق مع تل أبيب في تنفيذ خطة "فك الارتباط" على الرغم من إعلان إسرائيل لأهدافها من تنفيذ هذه الخطة. فقد سمع العالم كله(دوف فايسغلاس) كبير مستشاري شارون الذي أعلن أن خطة "فك الارتباط" جاءت للقضاء على أي فرصة لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية في المستقبل". ولم تؤثر تأكيدات وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز على أن "فك الارتباط" تأتي لإعطاء "طفرة غير مسبوقة" للمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على خطط كبار المسؤولين الأمنيين في القاهرة لمواصلة التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين حول هذه الخطة، مع العلم أن تصريحات موفاز هذه أصبحت واقعاً تشهده الضفة الغربية حالياً. وهناك ارتياح إسرائيلي من تعاطي الحكومة المصرية مع " فك الارتباط" كما لو كان انسحاباً حقيقياً لجيش الاحتلال من قطاع غزة، مع أن هذا الجيش سيواصل سيطرته على أجواء وحدود ومياه قطاع غزة الإقليمية، الأمر الذي يتحول معه القطاع إلى سجن كبير. موفاز قال أكثر من مرة: إنه يرى في قبول مصر والأردن بلعب دور في "فك الارتباط" على الرغم من الأهداف الإسرائيلية المعلنة منها، وسيلة ضغط على الجانب الفلسطيني للتعاطي مع هذه الخطة والتسليم بالحقائق التي تفرضها على الأرض.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر