موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الوحدة الثالثة

الوحدة الثالثة

المقاومة الفلسطينية 1917-2010

 

المقاومة الفلسطينية أثناء الإنتداب البريطاني

 

احتل البريطانيون فلسطين في ديسمبر من عام 1917 وأكملوا احتلالها في سبتمبر من العام 1918. باستثناء مدينة غزة، فإن القوات البريطانية لم تواجه بمقاومة تذكر لدى محاولتها إحتلال المدن الفلسطينية، حيث نظر الفلسطينيون لبريطانيا على أنها حليفة للثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين، مع العلم أن بريطانيا وعدت العرب بالعمل على تحرير بلدانهم في حال ساعدوها في الحرب ضد الدولة العثمانية. لكن رغم أن بريطانيا قد نكثت بوعودها، وساعدت اليهود على السيطرة على الأرض الفلسطينية، إلا أن الحركة الوطنية الفلسطينية فضلت خلال الفترة الممتدة من 1917-1929 اتباع المقاومة السلمية ضد الانتداب البريطاني، وذلك لإن المشروع الصهيوني حتى هذه اللحظة لم يكن قد اتخذ أبعاداً خطيرة، حيث أن اليهود سيطروا حتى العام 1918 على 2% فقط من ارض فلسطين، في نفس الوقت أمل الفلسطينيون أن تعدل بريطانيا عن مواقفها، إلى جانب إدراك الفلسطينيين للقوة العسكرية الهائلة لبريطانيا التي كانت في ذلك الوقت اكبر قوة عسكرية. لكن العمل المسلح ضد الوجود الصهيوني على أرض فلسطين فقد بدأ عام 1886، حيث هاجم القرويون الفلسطينيون الذين تم طردهم من قرية " ملبس " التي أقيمت على أراضيها مستوطنة " بيتح تكفا "، منازل المستوطنين. وفطن الفلسطينيون منذ البداية الى تداعيات المشروع الصهيوني الخطيرة على أرضهم فاحتجوا في العام 1890 ضد حاكم لواء القدس العثماني رشاد باشا الذي تواطأ مع اليهود، وطالبوا بمنع هجرة اليهود لفلسطين، وصدرت الفتاوى التي تحرم استملاك اليهود للأراضي.

وفي مطلع العام 1919 كانت انطلاقة العمل المسلح المنظم عبر إنشاء جمعية " الفدائية " التي أسسها محمد الدباغ، وعلى الرغم من اعتقال معظم قادتها، إلا أنها لعبت دوراً في التحريض على مراحل العمل المقاوم في الفترة اللاحقة، وتحديداً انتفاضة النبي موسى.

ونحن هنا سنتعرض لمحطات العمل المقاوم خلال فترة الانتداب البريطاني:

 

انتفاضة النبي موسى، القدس أبريل 1920:

كانت هذه أول الانتفاضات الشعبية في تاريخ فلسطين الحديث، وبدأت عندما قام أحد اليهود بالمس بالراية التي كان يرفعها أهل الخليل الذين كانوا يوم 4 ابريل 1920 يشاركون في موسم النبي موسى في القدس، فقام المشاركون في الاحتفال بضربه، وبعد ذلك تفجر الموقف واتسعت الاشتباكات لتشمل منطقة القدس باسرها، فقامت السلطات البريطانية بفرض الأحكام العرفية، لكن الانتفاضة تواصلت حتى 10 ابريل، وأسفرت عن مقتل خمسة من اليهود وجرح 211، في حين استشهد 4 من العرب وجرح 25، وجرح 7 من الجنود البريطانيين. وعلى الرغم من أن الانتفاضة بدأت عفوية، إلا أنه تبين أن للحاج أمين الحسيني دور هام في أشعالها، حيث حكمت عليه السلطات البريطانية بالسجن عشر سنوات غيابيا، ثم اصدر المندوب البريطاني عفوا عنه.

 

انتفاضة يافا: مايو 1921:

في مطلع مايو من عام 1921 حدث اطلاق نار على العرب في حي المنشية من بيت أحد البيوت، فهاجم الفلسطينيون المنزل وقتلوا 13 يهودياً وجرحوا 24 اخرين، واتسعت لتشمل الكثير من مناطق فلسطين. استفاد اليهود من وجود الكتيبة اليهودية في الشرطة البريطانية التي كانت تقوم بحراسة تل ابيب حيث قام عناصرها بإطلاق النار على الفلسطينيين في يافا.

في نفس الوقت قام 3000 فلسطيني بمهاجمة مستوطنة " بتح تكفا "، فتصدى لهم الجيش البريطاني حيث قتل 28 فلسطينيا وجرح 15 اخرين. في حين قتل 4 من اليهود، كما هاجم الفلسطينيون مستوطنة الخضيرة ورحوبوت، ورد اليهود بحرق 50 من العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في مستوطنة " بتح تكفا " بماء الفضة وباستخدام الات حادة، وكان من بين القتلى نساء وأطفال كانوا بجوار المستوطنة.

ويتضح دور قوات الانتداب البريطاني في الدفاع عن اليهود ومنع المس بهم. فقد كان النائب العام في حكومة الانتداب نورمان بنتويش وهو بريطاني يهودي صهيوني يتولى أمور القضاء، حيث أنه في الوقت الذي كان يصدر احكام قاسية جداً على الفلسطينيين، كان يتعامل مع الفظائع التي يرتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين على انها قضايا شخصية بسيطة.

حاولت حكومة الانتداب احتواء الموقف، فأعلنت وقف الهجرة في 3 يونيو 1921، لكن هذا الاعلان كان ذر للرماد في العيون، إذ تواصل المشروع الصهيوني على قدم وساق.

 

ثورة البراق: أغسطس 1229

بإستثناء بعض الأحداث المتفرقة، فقد شهدت الفترة 1921 وحتى 1929 هدوء نسبي.

في 23 / 9 / 1928 حاول اليهود تحويل حائط " البراق " الذي يطلقون عليه حائط المبكى الى كنيس يهودي، فأسس المسلمون " لجنة الدفاع عن البراق " في الأول من نوفمبر من العام 1928، والتي عقدت مؤتمر عام لها في القدس حضرته وفود من عدة دول عربية. في 15 / 8 / 1929 نظم اليهود مظاهرات في القدس اتجهت الى حائط البراق ورفعوا العلم الصهيوني وأنشدوا نشيدهم " الوطني "، وقاموا بشتم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي اليوم التالي نظم الفلسطينيون مظاهرة مضادة في المسجد الأقصى، وحدثت صدامات، عمت عموم فلسطين. وفي 24 /اغسطس / 1929 هاجم الفلسطينيون اليهود في الخليل وقتلوا 60 منهم وجرحوا أكثر من 50،  وفي 29 / اغسطس / 1929 هاجم الفلسطينيون الحي اليهودي في صفد فقتلوا عشرين منهم وجرحوا 25. وفي الفترة الممتدة بين 24 / اغسطس حتى 2 / سبتمبر / 1929، هاجم الفلسطينيون عشرات المستوطنات اليهودية ودمروا ستة منها بالكامل، وتدخلت هنا القوات البريطانية التي حسمت الموقف، وقمعت الثورة، وأسفرت الثورة عن مقتل 133 يهودي وجرح 339 اخرون، واستشهد 116 فلسطيني وجرح 232 اخر معظمهم على ايدي القوات البريطانية. وسيق للمحاكمة 1300 شخص، 90% منهم من الفلسطينيين. ومرة اخرى تدخل النائب العام اليهود بنتويش الذي كان يقدم الفلسطينيين للمحاكمات بالجملة في حين كان يفرج عن القتلة اليهود بكفالة وبدون كفالة. ونفذت السلطات البريطانية حكم الإعدام في ثلاثة من أبطال الثورة وهم: محمد جمجوم وعطا الزير ومحمد حجازي في 17 يونيو 1930، وأطلق الفلسطينيون على يو اعدامهم بالثلاثاء الحمراء. وتقدم الزير وجمجوم لحبل المشنقة كالجبال، حيث طلبا حناء لكي يخضبوا أياديهما وكأنهما مقبلان على عرس.

تميزت هذه الثورة بالبعد الإسلامي، لم تستهدف البريطانيين حيث كان الفلسطينيون يأملون أن تغير بريطانيا مواقفها، لكن بعد الثورة تبين بالدليل القاطع أنه يتوجب أن توجه الحراب ضد بريطانيا نفسها

 

ثورة الكف الأخضر: 1929 -1030

تشكلت مجموعة " الكف الأخضر " بعد انتهاء ثورة البراق، وتركزت في شمال فلسطين، وكانت مكونة من الشباب الذين فروا من القوات البريطانية، وكان يقودهم أحمد طافش، وتبنت أسلوب حرب العصابات، وقامت بشن هجمات على المستوطنات وقوات الشرطة البريطانية. قامت قوات الانتداب البريطانية بمطاردة عناصر المجموعة، وفي العام 1935 تم القاء القبض على أحمد طافش في الاردن، ونجحت القوات البريطانية في قمع هذه المجموعة.

 

إنتفاضة أكتوبر 1933:

مثل العام 1933 طفرة في الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، حيث أخذ عشرات الآلاف من اليهود وخصوصاً من ألمانيا يصلون إلى أرض فلسطين، وكان واضحاً أنه لولا الغطاء البريطاني لما تسنى لهؤلاء اليهود الهجرة والإستيطان في أرض فلسطين. فدعت الأحزاب والجمعيات الأهلية واللجنة التنفيذية العربية التي تمثل الفلسطينيين أمام حكومة الانتداب بريطانيا الى وقف الهجرة، لكن المندوب السامي البريطاني رفض الدعوة. فنظمت مظاهرات في جميع ارجاء فلسطين برعاية اللجنة التنفيذية العربية. وفي السابع والعشرين من اكتوبر من العام 1933 نظم الفلسطينيون في يافا مظاهرة تم قمعها من القوات الانتدابية، الأمر الذي أسفر عن مقتل 14 فلسطيني وجرح العشرات، وأصيب كاظم الحسيني رئيس اللجنة التنفيذية العربية بجراح توفي على أثرها في العام التالي.

وكانت انتفاضة اكتوبر تشكل أولى المواجهات الموجهة بشكل مباشر لبريطانيا وسياساتها.

 

ثورة القسام: 1935:

في العام 1935 كانت الهجرة اليهودية على أوجها وكان اليهود يقومون بتهريب كميات كبيرة جداً من السلاح والعتاد استعداداً للمواجهات مع الفلسطينيين. وقد قرر الشيخ عز الدين القسام في نوفمبر 1935 إعلان الثورة. وكانت خطة الشيخ القسام تقوم على التوجه للقرى وحث الناس على شراء السلاح والإنخراط في الثورة، وكان يتخذ من الجبال مقراً له بعد أن قام ببيع بيته وقام رفاقه ببيع حلي زوجاتهم لشراء البنادق والرصاص. لكن الطابع العلني لثورة القسام، وقلة الخبرة العسكرية، جعل قوات الإنتداب تحاصر القسام وتسعة من اخوانه في أحراش يعبد حيث دارت معركة حامية الوطيس استمرت لأربع ساعات استشهدف على اثرها القسام واثنان من رفاقه والقي القبض على سبعة اخرين.

على الرغم من أن ثورة " القسام " كانت قصيرة، ولم تسفر عن الكثير من الإشتباكات مع القوات البريطانية أو الصهاينة، إلا أنها تمثل أوضح صورة للبعد العقائدي والديني للصراع، حيث أنها المرة الأولى في تاريخ الصراع مع الاحتلال التي يقود فيها عالم ثورة. ومثل استشهاد القسام تكريس طريق الجهاد كسبيل للتحرر، بعدما تم تجريب الخيارات السياسية. ولعل الذي يوضح الدلالات العميقة لإستشهاد القسام، هو الخطاب الذي ألقاه رئيس الوكالة اليهودية في ذلك الوقت دفيد بن غوريون والذي اصبح فيما بعد أول رئيس وزراء لإسرائيل،  أمام اللجنة التنفيذية لحزب " مباي " الصهيوني في 14 / ديسمبر / 1935، إذ اعتبر بن غوريون أن استشهاد القسام يمثل حدث يدلل على أخلاقية النضال الوطني الفلسطيني. وتوقع بن غوريون أن يسعى الشباب الفلسطيني والعرب أن يقتفي أثر الشيخ، وهذا ما تحقق بالفعل. وقد أطلق الفلسطينيون على " القسام " " ابو الوطنية ". ومهدت ثورة القسام لإنطلاق إضراب العام 1936.

 

 

 

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939

 

أسهمت الثورات والإنتفاضات التي قام بها الشعب الفلسطيني في الفترة الممتدة من عام 1920 إلى عام 1936 في التمهيد لإندلاع الثورة الأكثر أهمية التي خاضها الشعب الفلسطيني قبل عام 1848 في محاولته لإحباط المشروع الصهيوني والضغط على بريطانيا بالتوقف عن مساعدة الصهاينة في تحقيق مشروعهم. ولعل الذي دفع الفلسطينيون إلى خوض غمار هذه الثورة هو حقيقة تعاظم الهجرات اليهودية لأرض فلسطين، سيما موجة الهجرة الأكثر خطورة التي بدأت في العام 1933 والتي جلبت عشرات الآلاف من اليهود، الأمر الذي أقنع الحركة الوطنية الفلسطينية بضرورة تطوير أدائها المقاوم في مواجهة هذا المشروع. وقد مرت هذه الثورة في ثلاث مراحل أساسية.

 

المرحلة الأولى من الثورة : أبريل – أكتوبر 1936

 

كان للمقاومين الذين كانوا أعضاءً في جماعة " الجهادية " التي شكلها الشيخ المجاهد عزالدين القسام قبل استشهاده دوراً في إشعال شرارة الثورة، حيث قامت هذه الجماعة التي كان يقودها الشيخ فرحان السعدي الذي كان قد تجاوز الخامسة والسبعين من العمر بتنفيذ عملية جهادية أسفرت عن مقتل إثنين من المستوطنين الصهاينة وجرح ثالث عندما كانوا يتحركون على طريق طولكرم نابلس، فرد اليهود بقتل اثنين من الفلسطينيين، فرد الفلسطينيون بقتل تسة من اليهود، وهكذا سادت أجواء توتر شديد جميع أرجاء فلسطين.

 

الإضراب الشامل وتشكيل " اللجنة العربية العليا ": في العشرين من أبريل 1936 دعت جمعية غير حزبية في نابلس إلى شن إضراب عام وشامل حتى تستجيب حكومة الإنتداب البريطانية لمطالب الشعب الفلسطيني المتمثلة في:

·                   إغلاق أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية.

·                   منع انتقال الأراضي الفلسطينية لليهود.

·                   إقامة حكومة وطنية تكون مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب.

 

تشكلت لجان قومية في مختلف أرجاء فلسطين لتأمين نجاح الإضراب، وتجاوبت الأحزاب والقيادات الفلسطينية، وتوحدت هذه القيادات في إطار وطني جديد أطلق عليه " اللجنة العربية العليا "، وذلك بتاريخ 25 / أبريل / 1936 ووافق رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني على رئاستها، وبقبوله هذا المنصب أنتقل الحاج أمين إلى العمل المقاوم في مواجهة سياسات بريطانيا.

تميز الإضراب  الذي يعتبر أطول إضراب يخوضه شعب ما على مر التاريخ، بإشتماله على عصيان مدني، حيث رفض الفلسطينيون دفع الضرائب لسلطات الإنتداب البريطاني، وشمل الإضراب القطاع التجاري والصناعي والتعليمي والزراعي والمواصلات.

 

العمليات الجهادية في المرحلة الأولى، والسند العربي: إلى جانب مظاهر المقاومة السلمية ممثلة في الإضراب العام والعصيان المدني، شن المقاومون الفلسطينيون عمليات جهادية، بدأت متفرقة، ثم اتسعت، ليبلغ معدلها خمسين عملية في اليوم، وليرتفع عدد الثوار إلى 5000 ثائر، معظمهم من الفلاحين.

بفضل جهود الحاج أمين الحسيني تطوع ثوار من كل من العراق وسوريا والأردن، حيث وصل 250 مقاوم، كان على رأسهم القائد فوزي القاوقجي، وهو ضابط سوري شارك في الحرب العالمية الاولى، وخاض معارك ضد الإحتلال البريطاني في العراق، حيث تولى القاوقجي قيادة الثورة، وعمل على تنظيم الشؤون الإدارية والمخابرات، وأقام محكمة للثورة، وأسس غرفة عمليات للمقاومة.

حاولت بريطانيا وقف الثورة بعدد من الوسائل الدبلوماسية والسياسية، وضمنها إعلانها تشكيل لجنة " بيل " الملكية في 18 مايو 1936، حيث أكدت بريطانيا أنها ستزيل " أي ظلامات مشروعة " ومنع تكرارها. وطلبت الحكومة البريطانية من الدول العربية التدخل لدى الثوار لوقف الإضراب. وبالفعل فقد تدخلت الدول العربية وتوقف الإضراب، حيث وجه وجه زعماء السعودية والعراق وشرق الأردن واليمن نداءً لأهل فلسطين لوقف إطلاق النار، وجاء في النداء " نرى أنه يتوجب الإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة في تحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم ".

واستجاب الفلسطينيون لنداء الدول العربية، فأوقفوا الإضراب في 12 اكتوبر 1936.

ونفذت المقاومة الفلسطينية خلال هذه المرحلة أربعة آلاف عملية. وسقط 750 شهيد فلسطيني و 1500 جريح

وقد تكبدت بريطانيا والمستوطنات الصهيونية خسائر كبيرة، حيث أكد مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني مقتل 162 جندياً، في حين بلغت الخسائر 3.5 مليون جنيه استرليني.

 

مرحلة التوقف المؤقت للثورة: أكتوبر 1936 – سبتمبر 1937

 

على الرغم من توقف الإضراب وفعاليات المقاومة التنظيمية، إنتظاراً لصدور تقرير لجنة بيل، إلا أن المقاومين واصلوا عملياتهم الفردية، مثل النسف والقنص والإغتيالات، حيث اعترفت بريطانيا بمقتل 97 شخصا، من بينهم 9 جنود بريطانيين و13 من رجال الشرطة، خلال الأشهر الأولى من عام.

في الثاني والعشرين من يونيو من عام 1937 قدمت لجنة " بيل " توصياتها للحكومة البريطانية، حيث أوصت الحكومة بإقامة دولتين يهودية وعربية على أرض فلسطين، على أن تبقى الأماكن المقدسة وممر إلى يافا تحت سيطرة حكومة الإنتداب.

ورفض الشعب الفلسطيني توصيات اللجنة حالة من السخط أدت الى تفجر المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية الكبرى.

 

المرحلة الثانية من الثورة سبتمبر 1937- سبتمبر 1939

ردت المقاومة الفلسطينية على تقرير لجنة " بيل " بتصعيد العمل المقاوم ضد الإنتداب البريطاني، فقامت بإغتيال أندروز حاكم لواء الجليل، فردت حكومة الإنتداب بإتباع سياسة القبضة الحديدية لسحق الثورة بكل وسيلة، فاتخذت الإجراءات الآتية:

حل اللجنة العربية العليا، وإبعاد أعضائها الى جزيرة " سيشل " في المحيط الهندي، وإقالة المفتي الحاج أمين الحسيني من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلي، وحل اللجان القومية والقيام بحملة اعتقالات واسعة.

لم تؤدي سياسة القبضة الحديدية إلى إخماد الثورة، بل أدت إلى تعاظمها، وتواصلت بكل عنفوان، ولم تتوقف إلا بعيد اندلاع الحرب العالمية الثانية في العام 1939.

استؤنفت العمليات الجهادية في يوم الرابع عشر من أكتوبر 1937.

وصلت الثورة الى ذروتها في صيف عام 1938، حيث سيطر الثوار على مناطق واسعة، وتحديداً في شمال فلسطين ووسطها وتحطمت الإدارة المدنية لحكومة الإنتداب، واقتحم الثوار المدن الكبرى وأصبحوا يتحركون فيها بكل حرية.

اتقن الثوار تكتيك " حرب العصابات "، وشكلوا محاكم لمحاكمة السماسرة والجواسيس والعملاء، وأصبح قادة الثورة بمثابة حكام للمناطق التي يتواجدون فيها.

بلغ عدد الثوار عشرة آلاف، لكن عدد المتفرغين لم يكن يتجاوز ثلاثة آلاف.

وفي سوريا ولبنان شكلت " لجنة المقاومة المركزية "، تحت إشراف وتوجيه الحاج أمين، وتولى إدارتها الفعلية محمد دروزة، إهتمت بتوجيه الثورة وإمدادها وإسعاف منكوبيها.

برز خلال الثورة عدد من القيادات الكبار، أمثال أبو إبراهيم الكبير الذي توحدت تحت قيادته جماعة القسام، و عبد الرحيم الحاج محمد من طولكرم الذي وصف خلال إحدى فترات الثورة بأنه " القائد العام ، وحسن سلامة الذي تولى قيادة منطقة القدس، وعبد القادر الحسيني الذي تولى قيادة منطقة القدس.

وتميزت الثورة بطابعها الإسلامي من خلال:

·   الدور الكبير لجماعة الشيخ عز الدين القسام وحركة الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني في كل من القدس والخليل.

·        تولي المفتي الحاج أمين الحسيني القيادة السياسية للثورة، وكذلك إبراهيم الحاجم محمد المشهور بتدينه وإلتزامه.

·        التعميم على محاكم المجاهدين بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله.

 

تمكنت الثورة من القضاء على العملاء في صيف عام 1938.

ومن الدلائل القوية على إحتضان الشعب الفلسطيني للثوار، هو الإستجابة الواسعة للتوقف عن إعتمار الطربوش ولبس الكوفية بدلاً منه، وذلك بناءً على طلب قيادة الثورة، حيث كان يسهل على قوات الإنتداب البريطاني التعرف على الثوار من خلال اعتمار الكوفية، في الوقت الذي كانت بقية الشعب تعتمر الطربوش، فأصبح الناس يعتمرون الكوفية حتى لا تتمكن قوات الانتداب من التعرف على الثوار.

القضاء على الثورة: أرسلت بريطانيا تعزيزات ضخمة يقودها أفضل قادتها العسكريين، وقامت بإعادة احتلال فلسطين قرية قرية، بإستخدام أكبر قدر من البطش، عبر توظيف كل ترسانتها العسكرية من طائرات ودبابات ومدافع ثقيلة، وشددت من قبضتها الحديدية، وأحتلت  جميع قرى فلسطيني مرتين، سيما في الفترة الممتدة من اكتوبر 1938 وحتى أبريل 1939. وفقدت الثورة الكثير من زخمها بعد تصفية الكثير من قادتها، إلى أن أنطفأت جذوتها في أواخر العام 1939.

نتائج الثورة: مقتل وجرح 1500 مستوطن يهودي، الخسائر في القوات البريطانية: 1800 بين قتيل وجريح، وعدد الشهداء من الفلسطينيين  ثلاثة آلاف وجرح 7000.

أجبرت الثورة الفلسطينية الكبرى بريطانيا على إصدار الكتاب الأبيض في مايو عام 1939، والذي وعدت فيه بإيقاف الهجرة بعد خمس سنوات، وإقامة دولة فلسطينية بعد عشر سنوات، ووضع قيود شديدة على الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي لليهود، وأسهم هذا الكتاب في تهدئة الثورة

وهناك عدة عوامل أدت الى توقف الثورة:

1-   قيام بريطانيا بإعادة احتلال فلسطين، ونتيجة تنسيقها مع الحركة الصهيونية.

2- حالة الإنهاك والإعياء والإنهيار الإقتصادي، حيث تمكن الشعب الفلسطيني من الصمود ثلاثة سنوات، لم يجد خلالها عوناً حقيقياً.

3-   استشهاد عدد كبير من القادة.

4-   الخلافات الداخلية الحزبية والعائلية، مما مكن بريطانيها من توظيفها بشكل يسئ للثورة وسمعتها.

5-   إصدار الكتاب الأبيض.

الحروب الإسرائيلية العربية

حرب 1948

 

تسببت حرب 1948 في حصول النكبة الفلسطينية التي تمثلت في إحتلال الحركة الصهيونية 77% من مساحة أرض فلسطين، وتشريد ثلثي الشعب الفلسطيني، إلى جانب إقامة الكيان الصهيوني.

وقد كانت هذه النكبة نتاج عدة ظروف وعوامل قادت إلى هذه النتيجة المأساوية، كان أبرزها قرار بريطانيا الإنسحاب من فلسطين، وتفويض الأمم المتحدة بإدارتها، فضلاً عن الضغوط التي مارسها كل من الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة على مجلس الأمن لإصدار قرار التقسيم، قرار 181 بتاريخ 29-11-1947، الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية تقوم على 45% من مساحة أرض فلسطين، ودولة يهودية على 55% ومنطقة دولية على 1%.

ومن الأهمية بمكان التعرف على بيئة الحرب فلسطينياً وعربياً ودولياً وصهيونياً التي أسهمت في حصول النكبة.

 

الأوضاع الفلسطينية

1- خرج الفلسطينيون من الثورة الفلسطينية الكبرى منهكين، حيث اشتدت وطأة القمع البريطاني على الفلسطينيين خلال فترة الحرب العالمية الثانية 1939-1945، حيث خضعت فلسطين للحكم العسكري.

2- عمليات الإغتيال والإبعاد والاعتقال التي طالت قادة المقاومة أفقدت الفلسطينيين قادة المقاومة السياسيين والعسكريين، فكان الشعب الفلسطيني يسير نحو النكبة بدون قيادة.

3- تعاظم الخلافات بين القيادات السياسية الفلسطينية لإعتبارات عائلية وشخصية، سيما بين الزعامتين الحسينية والنشاشيبية، حيث سادت الخلافات بين القادة المنتمين لعائلة الحسيني والقادة المنتمين لعائلة النشاشيبي. فبعدما كانت " اللجنة العربية العليا " تمثل قيادة الثورة الفلسطينية الكبرى والتي كان يقودها الحاج أمين الحسيني، أعلن راغب النشاشيبي عن تشكيل " الجبهة العربية العليا "، الأمر الذي أدى إلى بعثرة الجهد الوطني الفلسطيني وتضاؤل تأثيره، مما ساعد الحركة الصهيونية على مواصلة تنفيذ مخططاتها في ظل بيئة فلسطينية مناسبة، وفي ذات الوقت سمحت هذه الخلافات بتدخل الأنظمة العربية في الشأن الفلسطيني بحجة أن الفلسطينيين غير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم.

4- سحبت الأنظمة العربية في ذلك الوقت البساط من تحت أقدام القيادات الفلسطينية، حيث ألزمت الدول العربية الشعب الفلسطيني بالقرارات التي تتخذها. وقد تبنى مؤتمر القمة العربية الذي عقد في مدينة " إنشاص " المصرية في مايو 1945 توصية بإنشاء جسم جديد يمثل الفلسطينيين أطلق عليه " الهيئة العربية العليا ". وقد أعلن بشكل نهائي عن تشكيل " الهيئة العربية العليا " في ختام اجتماع الجامعة العربية في بلدة " بلودان "، السورية في حزيران 1946. وأعلن أمين عام الجامعة العربية عبد الرحمن عزام في تموز 1948 عن تشكيل الإدارة المدنية في فلسطين، كما أن تم تشكيل " جيش الإنقاذ " بقيادة فوزي القاوقجي بقرار من الجامعة العربية

5- ناصبت بعض الأنظمة العربية قادة الثورة العداء، حيث كان الحاج أمين الحسيني غير قادراً على التحرك في العراق والأردن ومصر بسبب الموقف المعادي لأنظمة الحكم هناك منه.

6- افتقاد الفلسطينيين العمل المؤسسي في كل الميادين السياسية والإقتصادية والعسكرية، بالإضافة الى النقص في العتاد العسكري، بسبب الأوضاع الإقتصادية الصعبة، إلى جانب تأثير الحظر الذي فرضته الدول الكبرى على توريد السلاح لفلسطين. وعلى الرغم من أن الجامعة العربية التي تشكلت في مارس من عام 1945 قد قررت منح الفلسطينيين كمية قليلة من السلاح، إلا أن العرب لم يرسلوا إلا ربع ما وعدوا به. والأخطر من كل ذلك أن الجيوش العربية قامت خلال الحرب بتجريد الفلسطينيين من سلاحهم.

الأوضاع العربية:

1- البلدان العربية، كانت إما تحت الإحتلال أو مستقلة حديثا، حيث أنها لم تكن ذات قدرة على اتخاذ قرارها السياسي بشكل حر.

2- الجيوش العربية كانت قليلة الخبرة، لم تخض حروب حقيقية، في حين كان قائد الجيش الأردني وهو جلوب باشا، بريطاني، و45 من كبار الضباط في هذا الجيش هم بريطانيون، مع العلم أن عدد كبار الضباط في هذه الجيش لم يتجاوز الخمسين ضابطاً. إلى جانب أن بعض الجيوش قدمت إلى فلسطين بدون معلومات كافية مثل الجيش العراقي الذي لم يكن يملك خرائط، فضلاً عن جهلها بإمكانيات القوات الصهيونية.

3- لم تظهر الدول العربية جدية في حشد إمكانياتها في الحرب، فعلى مدار مراحل الحرب كان عدد القوات الصهيونية أكبر بكثير من عدد القوات العربية مجتمعة.

4-   عانت الجيوش العربية من ضعف التنسيق الميداني وعدم وجود قيادة عسكرية مشتركة ذات صلاحيات حقيقية.

5-   لم يهدف الجيش الأردني من مشاركته في الحرب إلى تحرير فلسطين، بل إلى المحافظة على حدود التقسيم

 

الأوضاع الصهيونية:

1-    تمكن المشروع الصهيوني من إستكمال بناء مؤسساته السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية.

2-    تواجد القيادة الصهيونية على أرض فلسطين بشكل فاعل.

3-    الدعم الدولي وتوظف الصهاينة نتائج الحرب العالمية الثانية لصالحهم.

4-  اقامة جيش قوي قوامه 70 الف جندي، حيث استفاد هذا الجيش من خبرة ضباطه وجنوده الذين خدموا في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.

5-    إزدهار الاوضاع الاقتصادية، بشكل مكن الصهاينة من شراء السلاح والعتاد الحربي

 

الأوضاع الدولية:

-   الدعم البريطاني المطلق لإسرائيل للمشروع الصهيوني، في الوقت الذي حرصت فيه بريطانيا على قمع الشعب الفلسطيني وإضعافه.

-       دعم كل من الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي لإسرائيل.

-   استخدام بريطانيا نفوذها على الدول العربية وخصوصاً على كل من مصر والعراق والاردن، بحيث لا يتجاوز تدخل الدول العربية حدود الحفاظ على حدود قرار التقسيم.

-   حرصت الدول الغربية على التأكد من تطبيق قرار حظر بيع السلاح للعالم العربي، في الوقت الذي غضت فيه الطرف عن تسرب السلاح للحركة الصهيونية.

 

القوات العربية غير النظامية:

جيش الجهاد المقدس: تم تشكيله من قبل الهيئة العربية العليا لفلسطين، وقاده عبد القادر الحسيني الذي استشهد في معركة القسطل بتاريخ 8 / ابريل 1948. وتكون من 5- 7 الاف مقاتل، تسانده مجموعات من غير المتفرغين معظمهم من الفلاحين.

كان الجيش ضعيف التسليح والتدريب. وقد اسهمت الخلافات بين الدول العربية والهيئة العربية العليا في عدم تسليح الجيش بشكل جيد. واشتهر هذا الجيش بدوره فيما بات يعرف بـ " حرب القوافل "، حيث تخصص مقاتلوه في استهداف القوافل الصهيونية التي كانت تتحرك بين المستوطنات. امكانيات الجيش المحدودة حرمته من الدور الذي يمكن أن يلعبه في محاولة احباط المشروع الصهيوني، الى جانب تداخل قيادات المناطق، حيث كان احياناً هناك قائدان للجيش في منطقة واحدة.

 

 

أسباب الحرب

يعتبر صدور قرار التقسيم في 29 / 11 / 1947 هو السبب الرئيسي لإندلاع حرب عام 1948، إذ أن القيادة الصهيونية اتخذت منه مبرر لكي تقوم بسلسلة طويلة من المجازر ضد المدن والبلدات والقرى الفلسطينية بحجة العمل على تطبيق القرار الذي نص على إقامة دولة يهودية على 54% من أرض فلسطين ودولة عربية على 45%  ومنطقة دولية على 1%. وكانت الحركة الصهيونية تدعي أنها تعمل على تطبيق القرار من خلال طرد الفلسطينيين الذين يتواجدون على الأرض التي حددها القرار كأراض للدولة اليهودية، لكن العصابات الصهيونية استغلت القرار لشن عمليات إرهابية لطرد الفلسطينيين من جميع أراضي فلسطين، وشرعت في تنفيذ سلسلة من المجازر حتى قبل أن يتم تطبيق خطة " دالت " التي وضعتها الهاجناة لعملية الطرد والتشريد. الدول العربية من ناحيتها قامت بعيد إصدار قرار التقسيم جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، في حين كانت المقاومة الفلسطينية المسلحة تقوم بعملياتها ضد الأهداف الصهيونية، وتحديداً جيش الجهاد المقدس الذي أعلنت عن تشكيله الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني.

ويمكن تقسيم حرب 1948 إلى خمسة مراحل

المرحلة التمهيدية: من صدور قرار التقسيم في 29 / 11 /1947 حتى إنسحاب القوات البريطانية من فلسطين في 14 / مايو / 1948:

في هذه المرحلة شرعت القوات الصهيونية في تنفيذ خطة دالت، حيث نجحت في إحتلال مدن عكا ويافا والقرى العربية قزاز وسلمة وسريس والقسطل، مع أن هذه المناطق كانت تقع ضمن الاراضي المخصصة للدولة العربية التي نص على إقامتها قرار التقسيم. كما احتلت القوات الصهيونية مناطق مخصصة لقرار للدولة اليهودية بعد طرد أهلها منها، مثل: طبرية وحيفا وصفد وبيسان، بالإضافة إلى عشرات المدن.

على الرغم من وجود جيش الإنقاذ الذي اتخذ من قرية جبع الواقعة على طريق نابلس جنين مقراً لقيادته، ورغم من العمليات الفدائية الجريئة التي نفذها " جيش الجهاد المقدس " بقيادة القائد عبد القادر الحسيني، إلا أن التفوق العسكري الصهيوني لعب دوره في حسم هذه المرحلة لصالح الحركة الصهيونية. ولعل من أبشع المجازر التي نفذتها العصابات الصهيونية وتحديداً كانت مجزرة دير ياسين في 9 / أبريل 1948 حيث قتل 253 من الرجال والنساء والأطفال.

 

المرحلة الأولى 15 / مايو 1948  - 10 / يونيو / 1948

بمجرد إنسحاب القوات البريطانية في 14 / مايو 1948، دخلت الجيوش العربية أرض فلسطين، وحققت انجازات ليس بسيطة. ففي الجبهة الشمالية حيث تقدمت القوات اللبنانية والسورية في أرض فلسطين، وقامت بتحرير عدد من القرى التي كانت واقعة تحت السيطرة الصهيونية. وفي الجبهة الشرقية تمكن الجيش السوري من احتلال عدد من المناطق لدرجة دفعت الحركة الصهيونية إلى اخلاء كل المستوطنات في منطقة وادي الأردن.

وفي منطقة القدس تمكن لواء من الجيش الاردني بقيادة البطل عبد الله التل من محاصرة الحي اليهودي في القدس، وقطع الطريق الذي يصل تل ابيب بالقدس، واضطرت الحركة الصهيونية إلى اخلاء عدد كبير من مستوطناتها في المنطقة.

وفي الجبهة الجنوبية تمكن الجيش المصري من التقدم حتى احتلال مدينة أسدود وبئر السبع والتقى مع الجيش الاردن في مدينة بيت لحم، وكانت القوات المصرية تقع على بعد 32 كلم من تل ابيب، بعد ذلك امرت القيادة المصرية قواتها باحتلال خط المجدل الفالوجا والخليل وخط اسدود القسطينة، بهدف فصل المستوطنات في الجنوب عن الشمال.

وفي ختام هذه المرحلة تمكنت الجيوش العربية من السيطرة على معظم مناطق فلسطين بعد 26 يوم من الحرب، حيث سيطر الجيش السوري مع قوات جيش الإنقاذ على الجليل وكان يتمركز جنوب مدينة الناصرة، في حين كان الجيش العراقي يتمركز للغرب من مدينة طولكرم على بعد 13 من البحر الأبيض المتوسط. وفي المقابل فإن اقصى ما قام به الجيش الإسرائيلي هو اتخاذ مواقف دفاعية لتحصين مستوطناته.

الهدنة الأولى 11 يونيو – 8 يوليو 1948

من أجل انقاذ إسرائيل تقدمت بريطانيا بمشروع قرار لمجلس الأمن بالدعوة لوقف القتال، واصدر المجلس قراراً بذلك، في حين مارست بريطانيا ضغوطاً على الحكومات العربية لاحترام القرار والإلتزام به، وهذا ما كان. توقف القتال لمدة اربعة اسابيع، استغلتها الحركة الصهيونية بالتزود بالسلاح، حيث أسهم الإتحاد السوفياتي في تعزيز الجيش الإسرائيلي من خلال الإيعاد لدولة التشيك بالموافقة على عقد صفقة سلاح مع اسرائيل، كانت الأكبر التي تتوصل إليها الحركة الصهيونية وتمكنت إسرائيل من تجنيد طيارين يهود خدموا في جيوش عدة بعد أن اشترت طائرات قاذفة كان لها دور كبير في حسم المعركة بعد تجدد القتال بعد انتهاء الهدنة، في حين لم يحصل أي تطور على تسليح الجيوش العربية. وهكذا أصبحت إسرائيل قادرة على الانتقال من مرحلة الدفاع الى مرحلة الهجوم.

 

مرحلة القتال الثالثة: 9-17 يوليو 1948.

تمكنت إسرائيل خلال هذه الفترة من استعادة الكثير من المناطق التي فقدتها، فاستعاد الجيش الاسرائيلي السيطرة على اللد والرملة، وطرد الجيش الاردني منها، كما سيطر على معظم المستوطنات الشمالية بعد تقهقر الجيش السوري وقوات جيش الانقاذ. واستعادة القوات الصهيونية السيطرة على مدينة اسدود في الجنوب، لكن ظل الجيش المصري هو القوة العربية الأكثر تحدياً لإسرائيل.

 

الهدنة الثانية: 18 / تموز 1948

اصدر مجلس الامن قراراً بفرض هدنة ثانية، حتى سلكت اسرائيل سلوكاً مغايراً عن سلوكها في الهدنة الاولى حيث انها لم تلتزم هذه المرة بالهدنة، وركزت على ضرب الجيش المصري، حيث استعادت تقريباً كل الأراضي التي سيطر عليها الجيش المصري واضطر المصريون للتوقيع على اتفاقية الهدنة في 24 / فبراير/ 1949، مع إن اسرائيل قامت بعد التوقيع على الهدنة باحتلال أم الرشراش ( ايلات ) وموقع عين جدي.

 

نتائج الحرب: احتلال 77% من مساحة فلسطين، وتشريد ثلثي الشعب الفلسطيني، الإعلان عن إقامة الكيان الصهيوني.

 

 

 

 

حرب 1956

 

بيئة الحرب

الأوضاع العربية: بعد الهزيمة المدوية في حرب 48، طرأت العديد من من التطورات في العالم العربي تأثراً بالنتائج المأساوية للحرب. فقد وقعت عدة انقلابات في سوريا، وفي مصر اندلعت ثورة الضباط الأحرار في الثالث والعشرين من يونيو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، واغتيل الأمير عبد الله، وطرد الملك عبد الله غلوب باشا من قيادة الجيش الاردني. وقد شهدت الفترة التي أعقبت حرب 48 تطورات هامة كان لها دور واضح في إندلاع حرب 56، ونحن هنا بصدد التعرض لهذه التطورات:

 

أولاً: نشوء فكرة النظام الدفاعي المشترك:

 اعتبر العرب أن أحد أسباب الهزيمة في حرب 48 هو فقدان قاعدة  تنظم العمل العسكري العربي وتعالج كل الأمور المتعلقة بالأمن القومي. من هنا فقد أعلن مجلس الجامعة العربية في 13 / أبريل 1950 التوصل لـ " معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الإقتصادي "، وبدأ تنفيذها من ناحية قانونية في 22 / أغسطس 1952. في نفس الوقت تم التوصل لسلسلة من المعاهدات الثنائية والثلاثية، حيث توصلت مصر إلى معاهدة للدفاع المشترك مع سوريا، ومعاهدة مماثلة مع السعودية.

 

ثانياً: الإعتماد على السلاح من المنظومة الشرقية:

حتى حرب 48 كان العرب يعتمدون  بشكل أساسي على السلاح الغربي، حيث حرصت الدول الغربية على عدم تزويد العرب بالسلاح الذي يمكن أن يهدد التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية. وتوصلت الدول العربية، وتحديداً سوريا ومصر لقناعة مفادها أنه يتوجب التوجه لدول المنظومة الشرقية من أجل ضمان سلاح نوعي، حيث وقعت سوريا على صفقة سلاح مع التشيك، وكذلك مصر. وقد نظرت إسرائيل بخطورة بالغة إلى صفقة السلاح مع مصر على اعتبار أن الصفقة كانت كبيرة وتشتمل على أسلحة كان بإمكانها أن تهدد التفوق العسكري، لذا قررت اسرائيل الشروع في عمليات استفزاز لكل من مصر وسوريا في أعقاب هاتين الصفقتين، من أجل جرهما لمواجهة عسكرية قبل أن يتمكن الجيشان المصري والسوري من التدرب على السلاح.

 

 

ثالثاً: الموقف من حلف بغداد 1955

أسفرت الحرب العالمية الثانية عن مولد قطبين رئيسيين احتكرا السيطرة على العالم، وهما الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكي، حيث تنافس هذان القطبان على مناطق النفوذ في أرجاء العالم. وكان العالم العربي مسرحاً من مسارح هذا التنافس. وقد حاولت الولايات المتحدة استمالة الدول العربية لصالحها، وتحديداً مصر بقيادة جمال عبد الناصر، لدرجة أن الإدارة الأمريكية كانت مستعدة لتمويل بناء السد العالي. وعندما أرادت الولايات المتحدة بالإتفاق مع بريطانيا مأسسة التحالف مع الدول العربية، طرحت فكرة إقامة حلف بين الغرب وأكبر عدد من الدول في الشرق، وأوعزت لبريطانيا لتمثل الغرب في هذا الحلف، حيث انضم لهذا الحلف كل من العراق والاردن وتركيا وايران وباكستان، لكن مصر لم ترفض فقط الإنضمام لهذا الحلف، بل قامت بحملة لعزل الحكومات العربية التي انضمت إليه، مما أثار حفيظة الولايات المتحدة، فقررت معاقبة مصر بالتراجع عن تمويل مشروع السد العالي.

 

رابعاً: تأميم قناة السويس:

في أعقاب رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالي لم يكن أمام عبد الناصر إلا تأميم شركة قناة السويس العالمية للحصول على المال اللازم لبناء السد، فأعلن في 26 / يوليو 1956 تأميم قناة السويس، وهو ما أدى إلى ردة فعل غاضبة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وهددت بريطانيا وفرنسا باللجوء للقوة من اجل إجبار عبد الناصر للتراجع عن قراره.

وكان هناك سبب آخر يدفع فرنسا للتحمس للحرب ضد مصر، وهو تأييد ودعم جمال عبد الناصر للثورة الجزائرية، فاتجهت الحكومة الفرنسية لتعزيز تعاونها العسكري والسياسي مع إسرائيل، وقد وصل الأمر إلى حد موافقة فرنسا على تزويد اسرائيل بالمفاعل الذري الذي قاد الى إنتاج أول قنبلة نووية إسرائيلية أواخر الستينات من القرن الماضي.

 

خامساً: المذابح والمجازر الإسرائيلية:

استغلت إسرائيل عمليات المقاومة التي كان ينفذها الفلسطينيون انطلاقاً من الضفة الغربية وقطاع غزة في داخل الكيان الصهيوني من اجل القيام بمجازر ضد الشعب الفلسطيني. ففي 10 / اكتوبر 1953 قامت وحدة 101 التابعة للواء المظليين في الجيش الإسرائيلي بقيادة ارئيل شارون بمهاجمة قرية قبية الواقعة غرب مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية، وارتكبت مجزرة بشعة راح ضحيتها 67 من الأهالي ضمنهم نساء وأطفال، وتم تدمير 56 منزل، كما تم ارتكاب العديد من المجازر في الضفة الغربية، وارتكبت اسرائيل مجزرة خانيونس في 11 / ابريل 1956، جيث قتل 500 شخص.

 

الأوضاع الإسرائيلية:

جاء تحمس إسرائيل لشن حرب 56 لعوامل عدة، نحن هنا بصدد التعرض لها

 

أولاً: بلورة العقيدة الأمنية الإسرائيلية:

بعد انتهاء حرب 1948 بلور رئيس الوزراء الاسرائيلي الأول دفيد بن غوريون منطلقات العقيدة الأمنية لإسرائيل بناءً على العبر من حرب 48، وكان من أهم عناصر العقيدة الأمنية، هي ضرورة نقل أي حرب بين اسرائيل وأي دولة عربية الى أراضي الدولة العربية وعدم السماح بتحول الكيان الصهيوني لساحة مواجهة حتى لا تتأثر جبهته الداخلية. ونصت العقيدة الأمنية على ضرورة حصول اسرائيل على عمق استراتيجي يقلص من قدرة الدول العربية على غزوها، فولدت فكرة الاستيلاء على صحراء سيناء لتكون عمقاً استراتيجياً للكيان.  ونصت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ضرورة أن تكون أي حرب تنشب بين إسرائيل والعرب خاطفة وقصيرة، حتى لا يتم شل مؤسسات المجتمع والدولة في الكيان الصهيوني لوقت طويل، حيث أن 70% من العبء العسكري أثناء الحروب كان يقع على قوات الإحتياط، وبالتالي فإن إطالة أمد الحرب يعني إرهاق المجتمع الإسرائيلي.

وبالتالي فإن حرب 56 كانت بشكل اساسي نتاج العقيدة الامنية الإسرائيلية.

 

الحصار الإقتصادي على إسرائيل:

اتخذت مصر سلسلة من الإجراءات الوقائية على الصعيد الأمني، ومنها منع اسرائيل من الملاحة في خليج العقبة، بالإضافة الى عدد من الإجراءات الأمنية التي قلصت من قدرة إسرائيل على استخدام قناة السويس والتوجه لآسيا، من هنا فقد تطلعت إسرائيل للفرصة التي تهاجم فيها مصر من أجل تغيير هذا الواقع بأسرع وقت.

إجلاء القوات البريطانية

 

إجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس: اجلت بريطانيا قواتها عن قناة السويس في اكتوبر 1954، وهو ما اعتبرته اسرائيل تطور خطير يعني تحرر مصر من أي نفوذ بريطاني، وحاولت اسرائيل ثني بريطانيا عن قرارها الجلاء عن مصر.

مسار الحرب

 

عقد في سيغر بالقرب من باريس في 23 / اكتوبر 1956 اجتماعاً ضم ممثلين عن فرنسا واسرائيل وبريطانيا لتنسيق شن العدوان الثلاثي على مصر، وتم الاتفاق على أن تقوم اسرائيل بمهاجمة القوات المصرية في محيط القناة في 29 / اكتوبر 1956، وبعد ذلك تقوم كل من فرنسا وبريطانيا بانذار مصر في اليوم التالي  يطالب كل من القوات المصرية والإسرائيلية بالانسحاب مسافة عشرة اميال عن جانبي القناة، وفي حال رفضت مصر تقوم فرنسا وبريطانيا بمهاجمة مصر لاجبارها على الرضوخ.

بالفعل شرعت إسرائيل في هجومها على مصر بتاريخ 29 / اكتوبر 1956. وفي اليوم التالي اصدرت فرنسا وبريطانيا انذار بإخلاء محيط القناة، فرفضت مصر، فقامت فرنسا وبريطانيا بمهاجمة الموانئ والمطارات المصرية، فقامت مصر بسحب قواتها من سيناء للدفاع عن القناة، فقامت اسرائيل باحتلال قطاع غزة وسيناء في ثمانية ايام.

تدخلت كل من امريكا ولاتحاد السوفياتي لوقف الحرب، حيث صدر قرار عن مجلس الامن في 2 / نوفمبر 1956 يدعو لوقف إطلاق النار، فانسحبت القوات البريطانية الفرنسية والإسرائيلية من الاراضي المصرية. وفي المقابل تعهدت مصر بمنع عمليات الفدائيين من قطاع غزة ووافقت ايضا على وضع قوات دولية في قطاع غزة، بالإضافة تعهد الدول الغربية بضمان حق اسرائيل في الملاحة البحرية في خليج العقبة والطيران الجوي فوقه.

مثلت هذه الحرب عملياً انتهاء العهد الاستعماري الفرنسي البريطاني في المنطقة وورث كل من امريكا والاتحاد السوفياتي الهيمنة على المنطقة.

وعلى الرغم من الخسائر التي تكبدتها مصر في الحرب، إلا أنها ادت في المقابل الى التفاف العالمين العربي والاسلامي حول مصر، وخصوص حول قيادة الرئيس جمال عبد الناصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرب العام 67

بيئة الحرب

-   حافظت مصر على استراتيجية دفاعية فقط ولم تفكر في بلورة استراتيجية دفاعية رغم حديثها عن الاستعداد للمواجهة مع إسرائيل، كما أن الخطط الدفاعية التي وضعت لم يتم تنفيذها.

-   لم تحاول الأنظمة العربية على تعزيز جبهتها الداخلية فواصلت قمع الحريات العامة،  وقد كان الشغل الشاغل لنظام الرئيس عبد الناصر ملاحقة الإخوان المسلمين، إلى جانب استشراء الفساد السياسي والإداري والمالي، مما أدى إلى فشل مخططات التنمية، وعدم تحقيق نهضة صناعية.

-   انفراط عقد العمل العربي المشترك، حيث تحطمت الوحدة بين مصر وسوريا في سبتمبر من العام 1961 التي تم التوصل إليها في فبرايل 1958.

-       استنزاف قدرات الجيش المصري في حرب اليمن منذ العام 1963.

-   الخلافات بين أنظمة الحكم العربية، فعلى الرغم من اتفاق الدول العربية على تشكيل قيادة موحدة للجيوش العربية، إلا أن الدول العربية لم تتعامل مع هذه القيادة بالجدية..

-   عدم جدية القيادات العسكرية العربية، وهناك يكفي أن نشير إلى الشهادات التي أدلى بها أعضاء مجلس الثورة في مصر وكبار المسؤولين المصريين قبيل الحرب عن سلوك المشير عبد الحكيم عام قائد القوات المصرية، الذي كان آخر ما يعنيه تعزيز القدرات العسكرية لمصر.

-   انطلاق منظمة التحرير  عام 1964 وشروع حركة " فتح " في عملياتها المسلحة مطلع عام 1965، دفع الكيان الصهيوني لمحاولة التحرك لتطويق الفعل المقاوم عبر توسيع دائرة العدوان.

 

مسار الحرب:

-   مهدت إسرائيل للحرب بشن عدة هجمات في الضفة الغربية، حيث قامت عشية الحرب بتنفيذ مجزرة في قريع السموع الفلسطينية القريبة من الخليل بقتل 200 شخص.

-   قامت بسلسلة من العمليات الاستفزازية ضد سوريا وقامت بطلعات جوية على الاراضي السورية، ورد القوات السورية على هذه الاستفزازت بقصف المستوطنات اليهودية، وبعد ذلك قامت بحشد قوات على طول الحدود مع سوريا في مايو 1967.

-   احتراماً لاتفاقية الدفاع المشترك، ردت مصر على الحشود الاسرائيلية على الحدود المصرية بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وطلبت سحب قوات الامم المتحدة من خطود الهدنة مع إسرائيل.

-       كانت الإجراءات العسكرية دفاعية وليست هجومية.

-       قامت الولايات المتحدة بتضليل مصر وحصلت منها على تعهد بألا تكون المبادئة في شن الحرب.

-   شنت اسرائيل هجومها الجوي في صباح 5 / يونيو 1967 فقامت بتدمير تس مطارات مصرية، وعلى مدى ثلاث ساعات تم تدمير 80% من الطيران العسكري المصري، وفي غضون يومين كانت القوات الإسرائيلية تتمركز على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد احتلال قطاع غزة وسيناء. وفي 7 يونيو 1967 أعلنت مصر قبولها وقف اطلاق النار.

-   قامت إسرائيل بتدمير جميع طائرات سلاح الجو الأردني واحتلال الضفة الغربية وضمنها القدس الشرقية في 7 / يونيو.

-       في 9 / يونيو هاجمت اسرائيل سوريا واحتلت الجولان في غضون يومين.

 

نتائج الحرب:

1-   اعادة احتلال ما تبقى من فلسطين وسيناء والجولان.

2-   تشريد 330 الف فلسطيني.

3-   السيطرة على منابع مياه الأردن، وفتح مضائق تيران وضمان حرية الملاحة في خليج العقبة.

4-   توفير عمق استراتيجي يسهل الدفاع عن الكيان الصهيوني.

5- ادى احتلال الأراضي العربية في هذه الحرب الى مطالبة العرب باسترجاعها، بدلاً من المطالبة بتحرير الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948.

6-   تدمير القوة العسكرية لمصر وسوريا والأردن.

7- ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة وبروز الهوية الوطنية الفلسطينية التي قررت اخذ زمام المبادرة بعد أن تبين الوهن العربي.

 

حرب أكتوبر 1973

بيئة الحرب

-بعد الهزيمة النكراء في حرب 67، التقى القادة العرب في مؤتمر قمة عقد في الخرطوم في 29 / اغسطس 1967، حيث أعلنوا فيه اللاءات المعروفة: لا للصلح  ولا للمفاوضات ولا للاعتراف بالكيان الصهيوني.

- اضطرت الدول العربية لفتح حدودها أمام العمل المقاوم الفلسطيني.

- دخلت كل من مصر وسوريا في حرب استنزاف مع اسرائيل، اسفرت عن مقتل 500 اسرائيلي وجرح 2000 اخرين.

- كان الهدف من حرب 73 هو إزالة اثار العدوان وليس تحرير فلسطين.

- في السادس من اكتوبر  1973 هاجمت القوات المصرية والسورية المواقع الإسرائيلية في سيناء وفي هضبة الجولان، وحطمت القوات المصرية خط بارليف، واستطاعت ان تتوغل لمسافة 12 كلم في عمق سيناء شرق القناة، وهو العمق الذي يوفر حماية صاروخية للقوات المتقدمة.

- أوقفت القوات المصرية هجومها في 14 اكتوبر، فاستغلته اسرائيل بشن هجوم مضاد مستفيدة في ذلك من الجسر الجوي الامريكي الذي زود الجيش الاسرائيلي بكميات هائلة من السلاح. اسفر الهجوم المضاد الذي قاده أرئيل شارون إلى إختراق صفوف الجيش المصري، حيث انتقلت القوات الإسرائيلية للضفة الغربية من القناة وتمت محاصرة الجيش الثالث المصري، وتقدمت القوات الإسرائيلية حتى كانت على مسافة 101 كلم شمال القاهرة.

ووقف إطلاق النار بشكل نهائي في 28 / أكتوبر / 1973.

وعلى الجبهة السورية، حقق الجيش السوري في البداية انجازات هامة واستطاع التوغل بعمق 20 كم في هضبة الجولان، وبعد ذلك قام الجيش الإسرائيلي بهجوم مضاد أسفر عن استعادة المناطق التي استولى عليها الجيش السوري، وشرع في مهاجمة المناطق التي تقع شرق هضبة الجولان..

وانتهت الحرب بتوقيع مصر على اتفاقية لفك الإشتباك مع إسرائيل، في 18 / يناير / 1974، ووقعت سوريا على اتفاقية فصل القوات في 31 / مايو / 1974.

وخلال هذه الحرب استخدم العرب لأول مرة سلاح النفط، حيث قررت الدول العربية المنتجة للنفط في 17 / أكتوبر 1973 حفض انتاجها من النفقط بقيمة 55%، وفرض حظر كامل على تزويد كل من الولايات المتحدة وهولندا بالنفط، وبعد ذلك تقرر خفض الانتاج إلى 25%، وذلك للضغط على الحكومات التي وقفت إلى جانب إسرائيل خلال الحرب.

أبرز نتائج الحرب:

1- كسر أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي اعتبر حتى ذلك الحين بأنه " لا يقهر "، وتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية، والتدليل على إمكانية استعادة أجزاء من الأراضي المحتلة بالقوة العسكرية.

2-   انتقال العرب من الدفاع للهجوم، حيث أثبت المقاتل العربي شجاعة وكفاءة.

3-   تحقيق قدر عال من التضامن العربي، سواءً على صعيد المشاركة في القتال، ومن خلال توظيف سلاح النفط.

4- استخدمت مصر نتائج الحرب في محاولة التوصل لتسوية سياسية مع الكيان الصهيوني، وجاء ذلك على شكل التوصل لإتفاقية " كامب ديفيد "

 

لمقاومة الفلسطينية 1949- 2009

 

أولاً مرحلة المد القومي العربي 1949- 1965

 

بعد النكبة التي أصابت الشعب الفلسطيني بتشريد ثلثي أبنائه، وسقوط 77% من مساحة فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني، تلاشى تأثير القيادات الفلسطينية التي كانت ذات تأثير على القضية الوطنية، من أمثال الحاج أمين الحسيني، لكن الشعب الفلسطيني حمل جذوة المقاومة.

وقعت الضفة الغربية تحكم حكم الأردن، فيما وقع قطاع غزة تحت حكم مصر. وخلال هذه الفترة كان الفلسطينيون ينتظرون تدخل الدول العربية لإعادتهم إلى الأراضي التي شردوا منها

ويمكن القول أن هذه المرحلة انقسمت الى مرحلتين أساسيتين:

1- الفترة من 1949 إلى 1956: تميزت  بتصاعد عمليات المقاومة بشكل كبير انطلاقاً من الضفة الغربية وقطاع غزة، بهدف استعادة الممتلكات والإنتقام من الاحتلال. استغلت إسرائيل عمليات المقاومة لتنفيذ مجازر ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي 28 / 2 / 1955 نفذت اسرائيل مجزرة في غزة راح ضحيتها 39 شخص وجرح 22 اخرين، فخرج الفلسطينيون في هبة شعبية للمطالبة بفتح باب الجهاد ضد الاحتلال، فاستجابت الحكومة المصرية وسمحت بفتح معسكرات لتدريب المتطوعين، أشرف عليها الضابط المصري مصطفى حافظ الذي أشرف على تنظيم عمليات المقاومة. وانتهت هذه المرحلة في أعقاب حرب 1956 في أعقاب تعهد عبد الناصر بوقف المقاومة انطلاقاً من قطاع غزة.

2- مرحلة 1957-1965 ( فترة المخاض ):

شهدت هذه المرحلة تنكر الدول العربية للمقاومة، فأكتشف الفلسطينيون الحاجة الى تنظيم صفوفهم والإعتماد على أنفسهم في سبيل من التخلص من الإحتلال. فظهرت خلال هذه الفترة بدايات العمل المقاوم المنظم، حيث انطلقت حركة " فتح " في مطلع يناير ،1965 ، وجناحها العسكري المعروف بـ " العاصفة "، وحركة القوميين العرب التي انبثقت عنها الجبهة الشعبية. واتهمت الدول العربية المقاومة الفلسطينية بالعمالة وأنها تخطط لتوريط الدول العربية في مواجهة قبل أن تنضج الظروف المواتية لها.

بمبادرة من الجامعة العربية تم الإعلان عن منظمة التحرير عام 1964، حيث تم الإتفاق على تشكيل جيش التحرير الفلسطيني، حيث رابطت قواته في كل من العراق ( قوات القادسية )،  وسوريا( قوات حطين )،   وقطاع غزة ( قوات عين جالوت )، وكانت هذه القوات في الواقع تتبع جيوش الدول التي تتواجد على أرضها، ولم يخض هذا الجيش أي مواجهات مع الاحتلال.

ثانياً مرحلة 1965-2009

يمكن تقسيم هذه الفترة إلى أربعة مراحل، في كل مرحلة منها تميز العمل المقاوم بسمات خاصة تأثراً بالظروف والأحداث.

 

1- مرحلة 1965-1970 ( مرحلة الطوق الكامل ): مثلت هذه الفترة العصر الذهبي للمقاومة، فخلالها انطلقت عمليات المقاومة من كل المناطق التي تحيط بالكيان الصهيوني، لذا اطلق عليها " مرحلة الطوق الكامل ). في هذه المرحلة اتخذت المقاومة الفلسطينية مواقع لها في كل من الاردن ولبنان، لكن العمل المقاومة انطلق تقريباً من معظم المناطق، بعد أن تبين تخاذل الأنظمة العربية. تميزت هذه المرحلة بوصول حركة " فتح " إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وذلك في فبراير عام 1969.  أكبر مواجهة عسكرية كانت خلال هذه المرحلة كانت معركة لكرامة في 21 / مارس 1968، والتي قتل فيها 70 من الجنود الصهاينة وجرح 100 اخرين، حيث مثلت انجازاً معنوياً هائلاً للمقاومة، سيما بعد الهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية في حرب 1967. وفي أعقاب هذه المعركة توجه الآلاف من الشباب الفلسطيني للإنضمام للعمل المقاومة، لكن من قبل منهم لم يتجاوز التسعمائة شخص. وقد ارتفع عمليات المقاومة من 12 عملية خلال عام 1967 إلى 279 عملية خلال العام 1970. وشارك الإخوان المسلمون في العمل المقاوم، حيث أقاموا في الأردن معسكرات أطلق عليها " معسكرات الشيوخ ". وانتهت هذه المرحلة بمجزرة " أيلول الأسود " عام 1970، حيث استغل الملك حسين بعض الممارسات الخاطئة من قبل عناصر الثورة الفلسطينية للقيام بمجزرة ضد المقاومة، راح ضحيتها الآلاف، حيث تم طرد المقاومة من الأردن، حيث انحصر وجودها في لبنان فقط.

2- مرحلة 1970-1987 ( مرحلة الطوق الناقص ): وأطلق عليها " الطوق الناقص )، لأنه تم استثناء الأردن الذي يملك الحدود الأطول مع إسرائيل من المواجهة مع إسرائيل بعد " أيلول الأسود "، ولم تعد للمقاومة وجود إلا في لبنان، في الوقت الذي حافظت المقاومة على وجود عبر بعض المجموعات داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن المقاومة في قطاع غزة تعرضت لقمع شديد مطلع السبعينات من القرن الماضي، حيث تولى الجيش الإسرائيلي بإشراف ارئيل شارون وبتنفيذ الجنرال مئير دجان الذي يشغل حالياً منصب رئيس " الموساد " القيام بمجازر فظيعة ضد المقاومة الفلسطينية، حيث نشط الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات اعدام ميدانية وطرد لكل من يشتبه بتورطه في عمليات المقاومة. لكن خلال هذه المرحلة قامت بسلسلة من العمليات الكبيرة التي قتل فيها المئات من الجنود والمستوطنين، مثل عملية السافوي في تل ابيب بتاريخ 6 / مارس 1975، وأدت إلى مقتل وجرح 100 جندي ومستوطن صهيوني، وعملية كمال عدوان التي نفذتها دلال المغربي في 11 مارس 1978 والتي قتل فيها 37 مستوطن وجرح 82 صهيوني. وخلال هذه الفترة نشطت بعض الفصائل في اختطاف الطائرات. واتجهت المقاومة الفلسطينية لمهاجمة الأهداف الإسرائيلية في الخارج، سيما عملية ميونيخ في 5 / سبتمبر 1972، حيث هاجمت مجموعة مسلحة تابعة لمنظمة " أيلول الأسود " فريق رياضي اسرائيلي كان يشارك في الألعاب الأولومبية في مدينة " ميونيخ " في ألمانيا، وهي العملية التي أسفرت عن مقتل 11 إسرائيلي. وفي أواخر السبعينات من القرن الماضي شرع التيار الإسلامي في تنفيذ عمليات كبيرة ضد الاحتلال، فتولى تنظيم " أسرة الجهاد "، وهو تنظيم جميع عناصرها من فلسطينيي 48، كما أنتقل الاخوان المسلمون في قطاع غزة بقيادة الشيخ أحمد ياسين للتخطيط للعمل المقاوم السري، لكن تم احباط هذا المخطط واعتقل الشيخ ياسين عام 1984. وفي الثمانينيات نشطت حركة " الجهاد الإسلامي "، عبر جهازها العسكري " سريا الجهاد " في تنفيذ عدة عمليات نوعية. وتعرضت المقاومة في لبنان خلال هذه الفترة لحالة من الإستنزاف حيث تم استهدافها خلال الحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت عام 1975 من قبل الأطراف اللبنانية المارونية المتحالفة مع إسرائيل، وهو ما أثر على فعالية المقاومة بشكل واضح. في نفس الوقت، فإن إسرائيل ردت بوحشية على عمليات المقاومة، فشنت إسرائيل سلسلة من العمليات الإرهابية، منها: إغتيال عدد من قادة حركة " فتح ": كمال عدوان وكمال ناصر ويوسف النجار في العاشر من ابريل عام 1973، حيث قاد هذه العملية ايهود براك. وفي 14 / مارس 1978 شنت إسرائيل حملة " الليطاني "، في جنوب لبنان حيت توغلت قواتها حتى  نهر الليطاني، حيث أقامت حزاماً أمنياً، نصبت فيه ضابط لبناني تعاون معها، وهو الرائد سعد حداد الذي أعلن في المنطقة ما اسماه بـ " دولة لبنان الحر ". ولم تمنع هذه الحملة المقاومة من مواصلة عملياتها ضد الاهداف الإسرائيلية في المنطقة.

3-  حرب 1982  ومرحلة الطوق المفقود( 1982-1987 ):  ابتدأت هذه المرحلة بشن إسرائيل حرب عام 1982، والتي هدفت إسرائيل من خلالها الى القضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان، لدفع الفلسطينيين نحو خيارات التسوية.

 

 

 ظروف الحرب:

-   صعود اليمين الإسرائيلي عام 1977 برئاسة مناحيم بيغن، وتولي ارئيل شارون مهام وزير الحرب عام 1981، حيث شكل ذلك التطور نقطة تحول فارقة في التعاطي العسكري الإسرائيلي مع المقاومة الفلسطينية.

-       استغلال إسرائيل للصراعات داخل لبنان، سيما وجود تيارات واسعة من الموارنة تحالفت معها بشكل معلن.

-        خروج مصر من دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني بتوقيعها على معاهدة " كامب ديفيد "،  في سبتمبر 1978.

-        اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في سبتمر 1980، واستغلال إسرائيل لإنشغال العالم بها لتنفيذ الهجوم.

-   عودة الجمهوريين للحكم في امريكا برئاسة ريغان الذي مثل بداية حكم المحافظين الجدد، حيث حظيت إسرائيل بتأييد غير مسبوق

مسار الحرب: استغلت اسرائيل محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في بريطانيا شلومو ارجوف من اجل الإعلان عن الشروع في الحرب التي أطلقت عليها " السلامة للجليل "، أي منع عمليات إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان تجاه شمال الكيان الصهيوني، مع العلم أنه لم تحدث عملية اطلاق صاروخ واحدة على مدى حوالي عام قبل الشروع في الحرب في الرابع من يونيو عام 1982 وهو اليوم الذي شرعت فيه اسرائيل بشن الحرب. وبعد خمسة ايام من الحرب وصلت القوات الإسرائيلية الى مشارف بيروت، وحوصرت المدينة 65 يوماً، تدخلت بعدها الإدارة الأمريكية، حيث توصل المبعوث الأمريكي جورج حبيب الى تسوية يتم بموجبها جلاء المقاومة الفلسطينية ومقاتليها من لبنان، حيث توجه المقاتلون الى معسكرات في اليمن وتونس والجزائر والعراق والسودان. وبعد أسبوعين من جلاء المقاومة الفلسطينية سمح الجيش الإسرائيلي لقوات الكتائب المارونية بتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا التي قتل فيها 3500 فلسطيني من المدنيين، وضمنهم نساء وأطفال في يومي 16-18 سبتمبر 1982.

 

نتائج الحرب:

1-   تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في لبنان.

2- ضعف وتيرة العمل الفلسطيني المقاوم المنطلق من الخارج بعد أن بعدت قيادة المنظمة عن فلسطين، حيث شهدت الفترة بين انتهاء الحرب وحتى اندلاع الانتفاضة الأولى أواخر عام 1987 هدوءً نسبياً في عمليات المقاومة.

3-   تعاظم نفوذ التيار المؤمن بالتسويات السياسية داخل صفوف المنظمة، وزاد التركيز على النضال السياسي.

4-   حدوث انشقاقات في حركة " فتح "، منها الإنشقاق الذي قاده أبو موسى.

5-  بروز حزب الله كرأس حربة في مواجهة المشروع الصهيوني، والذي شكلت مقاومته تحدياً أخطر على إسرائيل من التحدي الذي كان تشكله منظمة التحرير. وتحت تأثير هذه مقاومة حزب الله اضطرت إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان في العام 2000.

 

الانتفاضة الأولى 1987-1994 

 

بيئة الانتفاضة:

جاء انطلاق شرارة الإنتفاضة الأولى لظروف فلسطينية وعربية ودولية، وهي كالتالي:

1- جاءت الانتفاضة بعد مرحلة " الطوق المفقود 1982-1987 "، وهي الفترة التي تراجعت فيها عمليات المقاومة ضد الاحتلال بشكل كبير، مما سمح للكيان الصهيوني بتوسيع الإستيطان في الضفة الغربية ومواصلة تنفيذ مشاريع التهويد في القدس.

2- اشتداد وتيرة القمع الممارس من قبل الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

3- رفض الفلسطينيين التسليم بمواصلة الاحتلال الذي استمر حتى ذلك الوقت عشرين عاماً، دون أن يكون هناك مؤشرات على إمكانية تغيير هذا الواقع بفعل مواقف حكومات إسرائيل المتعاقبة الرافضة للإعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

4-     ضعف تأثير قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بشكل كبير على مجريات الأمور بعد إبعادها عن محيط فلسطين.

5- تهاوي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

اندلاع الانتفاضة:

اندلعت الانتفاضة الأولى بشكل عفوي إثر عملية دهس مدبرة نفذها مستوطن وراح ضحيتها عدد من العمال الفلسطينيين في التاسع من ديسمبر 1987، فرد الفلسطينيون على استشهاد العمال بمظاهرات عارمة عمت الضفة الغربية وقطاع غزة، رشق فيها الفلسطينيون قوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة. توقعت الحكومة الإسرائيلية والعالم أن تتوقف الهبة الشعبية العارمة في غضون أيام، لكنها تواصل بوتيرة عارمة، وتحولت الهبة العفوية إلى برنامج وطني، حيث اشترط الفلسطينيون وقف الانتفاضة باستجابة إسرائيل لعدد من المطالب الوطنية، وهي:

-       إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس

-       تفكيك المستوطنات.

-       عودة اللاجئين.

-       إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وقف المحاكمات الصورية، ولم شمل العائلات الفلسطينية.

-       إفساح المجال أمام إجراء انتخابات محلية.

-       تقوية الإقتصاد الفلسطيني.

أنماط المقاومة خلال الانتفاضة الأولى:

-       تنظيم المظاهرات العارمة، والإصدام مع جيش الاحتلال وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة.

-   تنظيم عصيان مدني، امتنع فيه الفلسطينيون عن دفع الضرائب، فضلاً عن ترك العمل في المؤسسات التي يشرف عليها الاحتلال، وسيما جهاز الشرطة.

-       استهداف العملاء، وكل مظاهر الفساد التي تساعد الاحتلال على ضرب نسيج المجتمع الفلسطيني.

-   تنفيذ عمليات المقاومة المسلحة بعد مرور وقت على اقتصار الانتفاضة على مظاهر العمل الشعبي والجماهيري، حيث شرعت الفصائل الفلسطينية في استهداف الاحتلال عبر عمليات إطلاق النار والكمائن المسلحة والاشتباكات المباشرة، وفي آخر مراحل الانتفاضة انتقل الفلسطينيون إلى تنفيذ العمليات الاستشهادية، حيث نفذت " كتائب عز الدين القسام "، أول عملية استشهادية في 6 / أبريل 1994، نفذها الشهيد رائد زكارنة، وأسفرت عن مقتل ثمانية مستوطنين وجرح العشرات.

 

مشاركة التيار الإسلامي في الانتفاضة:

تم الكشف عن أول تنظيم عسكري وأمني تابع لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1984، حيث اعتقلت سلطات الاحتلال أعضاء هذا التنظيم وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، الذي اعتقل في ذات العام وأفرج عنه خلال صفقة تبادل الأسرى عام 1985. ومع اندلاع الانتفاضة الأولى قررت جماعة الإخوان المسلمون المشاركة بقوة في فعاليات الانتفاضة، واعلنت عن إنطلاق حركة حماس، التي شاركت بفعالية، حيث أعلنت الحركة عن إنطلاق جهازها العسكري " كتائب الشهيد عز الدين القسام "، الذي نفذ الكثير من العمليات العسكرية النوعية. وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد انطلقت في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ونفذت عمليات جريئة. وفي المقابل شاركت فصائل منظمة التحرير، حيث شكلت إطاراً قيادياً يضمها أطلقت عليه " القيادة الموحدة للانتفاضة ". وكان لحركة " فتح " جهازها العسكري الذي تغير اسمه من فترة الى اخرى، حيث كانت " مجموعات رفيق السالمي "، و " صقور فتح "، و" الفهد الأسود "، وغيرها، وشاركت في عمليات المقاومة ضد الاحتلال وعملائه.

 

 

إنجازات الانتفاضة:

-   أعادت الانتفاضة القضية الوطنية الفلسطينية لبؤرة الاهتمام العالمي، حيث أصبحت الكثير من القوى في العالم تدرك أن حل هذه القضية يمثل ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي.

-   اقنعت الانتفاضة الحكومة والمجتمع الإسرائيلي أنه يستحيل إرغام الفلسطينيين على التعايش مع الاحتلال، بعد أن أظهرت الكلفة الباهظة للاحتلال الإسرائيلي، سواءً على صعيد الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

-   فضحت  الانتفاضة إسرائيل وممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين، مما أدى إلى تهاوي الإنطباع بأن إسرائيل واحة الديموقراطية في المنطقة.

-   عززت الانتفاضة الشعور بالثقة بالنفس لدى الفلسطينيين، حيث تبين لهم أنه بإمكانهم تغيير الواقع الذي يرزحون تحته.

-       حققت نجاحاً كبيراً في محاربة مظاهر الفساد في الضفة والقطاع، وتحديداً ضرب العملاء.

-       أظهرت الانتفاضة قوى جديدة على الساحة الفلسطينية، وتحديداً التيار الإسلامي.

 

التوقيع على اتفاقيات أوسلو و توقف الإنتفاضة:

بسبب المأزق الذي كانت تعيشه قيادة منظمة التحرير فإنها حرصت على توظيف الإنتفاضة لتحقيق مكاسب سياسية لها، لذا وبينما كان الشعب الفلسطيني يواصل الانتفاضة، كان ممثلين عن منظمة التحرير يجرون مفاوضات سرية مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية انتهت بالتوقيع على اتفاقيات أوسلو في 13 / سبتمبر / 1993    ، حيث زعمت قيادة المنظمة أن تطبيق هذه الإتفاقيات سيكون مدخلاً لتحرير الأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية. وعندما تم الإعلان عن تشكيل السلطة الفلسطينية في العام 1994، توقفت الانتفاضة الاولى في مظهرها الجماهيري، وإن كان العمل المقاوم المسلح لم يتوقف، حيث أنه باستثناء حركة " فتح "، فإن جميع القوى الفلسطينية الفاعلة رفضت اتفاقيات اوسلو، مع أن أوساط قيادية كثيرة في حركة " فتح " عارضت هذه الاتفاقيات.

 

 

تشكيل السلطة الفلسطينية وإندلاع انتفاضة الأقصى

 

استثمرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية انجازات الانتفاضة الأولى، إذ أن الانتفاضة منحت هذه القيادة الفرصة لأول مرة ومنذ الخروج من بيروت عام 1982 أن تكون ذات صلة وثيقة بما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة. ورأت هذه القيادة أن الفرصة باتت مواتية لتجيير هذه الانتفاضة لتحقيق مكاسب سياسية لها. واستغلت حقيقة ادراك الإسرائيليين باستحالة القضاء على المقاومة، من أجل فتح قناة حوار إتصال سرية أفضت للتوقيع على اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر 1993 في واشنطن، وهو ما فتح الطريق أمام تشكيل السلطة الفلسطينية في عام 1994، وهو الذي معه تم وضع حداً للانتفاضة الأولى في شكلها الجماهيري الشعبي، وإن استمرت المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وأهدافه.

وقد أدت السلبيات التي اشتملتها اتفاقية أوسلو وتطبيقها على الأرض، فضلاً عن سلوك السلطة الفلسطينية إلى تهيئة الظروف أمام إندلاع انتفاضة الأقصى. ونحن هنا بصدد التعرف على الظروف التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى:

أولاً: سمحت أوسلو لإسرائيل بمواصلة الإستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث خلت هذه الإتفاقية من أي بند يلزم إسرائيل بوقف الإستيطان. ويكفي أن نشير هنا إلى أن البناء في المستوطنات تعاظم خلال الفترة الممتدة بين تشكيل السلطة الفلسطينية وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى بنسبة 60%، كما قال نائب وزير الحرب الإسرائيلي إفرايم سنيه. وقام التوسع الإستيطاني على مصادرة مساحات واسعة جداً من الأراضي الفلسطينية.

ثانياً: استغلت إسرائيل اتفاقية أوسلو في مواصلة المشاريع التهويدية في القدس، حيث شرعت الحكومة الإسرائيلية  عام 1996 في تنفيذ مشروع " القدس الكبرى " الهادف إلى زيادة عدد اليهود الذين يقطنون في القدس إلى مليون شخص، مع كل ما يتطلبه ذلك من مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية في القدس ومحيطها، فضلاً عن ابتكار الوسائل لسلب ممتلكات الفلسطينيين في القدس.

ويعتبر أخطر حلقة في مشروع " القدس الكبرى "، هو خطة " E1 الهادفة إلى الربط بين القدس الشرقية ومستوطنة " معاليه أدوميم "، التي تقع الى الشمال الشرقي من القدس والتي تعتبر أكبر مستوطنات الضفة الغربية. وبالإضافة إلى هذه الخطة تهدف إلى بناء آلاف الوحدات السكنية التي تسمح بإستيعاب عدد كبير من المستوطنين، فإنها في الواقع تسهم في القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية مستقبلاً، لأنها تقطع شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

ثالثاً: لم تضع اتفاقيات أوسلو نهاية لقضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال التي تفاقمت في ظل هذه الإتفاقيات، وتوسعت سلطات الاحتلال في الإعتقالات الإدارية بدون محاكمة.

ثالثاً: تراجع إسرائيل عن الشروع في التفاوض حول قضايا الحل الدائم ممثلة في القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات بعد مضي خمس سنوات من تطبيق أوسلو، كما تنص الإتفاقية، حيث حرص قادة إسرائيل على القول أنه لا قدسية للمواعيد التي تضمنتها اتفاقية أوسلو.

رابعاً: تزايد وتيرة القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، بالإضافة الى تعاظم الاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون على المواطنين الفلسطينيين.

خامساً: اضطلاع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بدور أساسي في تعقب المقاومة وضربها، تطبيقاً لإلتزاماتها في الإتفاقيات.

سادسا: مظاهر الفساد التي عششت في مؤسسات السلطة، والتي كشفها لأول مرة تقرير المجلس التشريعي الفلسطيني وتقرير هيئة الرقابة العامة في السلطة عام 1998.

سابعاً: فشل مؤتمر " كامب ديفيد " عام 1999، الذي جمع كلاً من الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني في ذلك الوقت ايهود براك، حيث حمل الإسرائيليون عرفات المسؤولية عن فشل المؤتمر في التوصل لتسوية دائمة للصراع وراجت نظرية " اللاشريك الفلسطيني ".

ثامناً: تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كبير.

 

إندلاع الإنتفاضة: أواخر أكتوبر عام 1994 دنس زعيم المعارضة الإسرائيلية في ذلك الوقت ارئيل شارون المسجد الأقصى بزيارته بشكل استفزازي، الأمر الذي أدى إلى نشوب مظاهرات عارمة سرعان، ما تطورت إلى عمليات عسكرية كبيرة نفذتها حركات المقاومة، وتحديداً العمليات الاستشهادية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي عمق الكيان الصهيوني. وفي الوقت الذي فاق فيه عدد الشهداء الفلسطينيين الخمسة آلاف شهيد وألاف الجرحى، فإن عدد القتل القتلى الصهاينة فاق 1200 قتيل. وإن كانت إسرائيل اعتمدت سياسة القبضة الحديدية في مواجهة المقاومة، إلا أن أكبر حملة شنها الجيش الإسرائيلي لضرب المقاومة كانت في أبريل عام 2002، عندما شنت إسرائيل حملة " السور الواقي " التي استهدفت بشكل أساسي ضرب المقاومة في الضفة الغربية، حيث تم اعادة احتلال الضفة الغربية مرة ثانية. وبدأت الحملة بمحاصرة مخيم " جنين "، الذي درات فيه معركة تاريخية، سطرت فيها المقاومة الفلسطينية أعظم صفحات التضحية، حيث قتل 15 من جنود الاحتلال مقابل العشرات من المقاومين والمدنيين الذين أصروا على البقاء مع المقاومين لحمايتهم. وخلال الانتفاضة قامت إسرائيل بمحاصرة الرئيس عرفات وعزله عن العالم الخارجي حتى توفي أواخر العام .

 

نتائج انتفاضة الأقصى:

1-  ضرب العمق الإستراتيجي لإسرائيل واستهداف جبهتها الداخلية بشكل مباشر بتنفيذ عدد كبير من العمليات الاستشهادية.

2-    إلحاق خسائر كبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي، حيث تدنت مستويات الاستثمار الأجنبي في إسرائيل بسبب الانتفاضة.

3-    تدني الشعور بالأمن الشخصي لدى الصهاينة.

4-    تعاظم الهجرة العكسية اليهودية من إسرائيل وتفوقها على الهجرة الإيجابية أواخر الانتفاضة.

5-  الطابع الإسلامي للانتفاضة لإرتباطها بالمسجد الأقصى، وهو ما كرس حالة التعاطف مع الشعب الفلسطيني في العالمين العربي والإسلامي.

6-  استغلت إسرائيل الانتفاضة لتبرير إقامة جدار الفصل العنصري في عمق الضفة الغربية بذريعة أمنية وذلك لمصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.

 

 

حرب الغفران 2008

بيئة الحرب

نظرت إسرائيل بخطورة بالغة إلى فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حيث نظر صناع القرار في الكيان الصهيوني إلى أنه لأول مرة منذ الإعلان عنها، أصبح في خاصرتها الجنوبية الغربية كيان إسلامي لا يخفي رغبته في إزالتها من الوجود. حرصت إسرائيل على ضرب حكم حركة حماس من خلال عدة وسائل، منها فرض الحصار الخانق على القطاع، بهدف دفع الناس للتمرد على حكم الحركة، شنت إسرائيل عمليات عسكرية، واستغلت اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت من أجل تبرير قيامها بسلسلة من العمليات العسكرية التي هدفت الى المس بالحركة ومؤسسات الحكومة. في نفس الوقت استغلت إسرائيل والإدارة الأمريكية التناقضات الداخلية الفلسطينية، وحاولت توظفيها لجهة دفع الفلسطينيين إلى حرب أهلية تؤدي الى التخلص من حكم حركة حماس. لكن إسرائيل فوجئت عندما تبين لها أن كل هذه الوسائل لم تنجح في إسقاط حكم الحركة، لذلك أعدت إسرائيل العدة لشن الحرب منذ وقت بعيد، وعندما حانت الفرصة في نظرها، قامت بخرق اتفاق التهدئة الذي توصل إليه مع الفصائل الفلسطينية وشنت الحرب التي أطلقت عليها " الرصاص المصهور ". وبالإضافة الى محاولة إسقاط حكم حركة حماس، فأن إسرائيل هدفت من خلال هذه الحرب إلى تحقيق الأهداف الآتية:

1- استعادة عنصر الردع في مواجهة المقاومة الفلسطينية بشكل خاص وفي وجه العالم العربي بشكل عام، سيما بعد الهزيمة الإسرائيلية المدوية في حرب لبنان الثانية.

2-   وقف عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة.

3-   تجريد الفصائل المقاومة من قدراتها العسكرية من خلال وقف عمليات تهريب وتصنيع السلاح.

4- قطع الطريق على أي فرصة للتوصل لاتفاق فلسطيني داخلي ينهي حالة الإنقسام الداخلي، سيما وأن إسرائيل ترى بقاء الانقسام الداخلي مصلحة استراتيجية لها من الطراز الأول.

 

نتيجة الحرب:

أولاً: فشلت إسرائيل في تحقيق أي هدف من الأهداف المعلنة للحرب، حيث تواصلت عمليات المقاومة وإن كانت على وتيرة، وهذا يدلل على فشل إسرائيل في تحقيق عنصر الردع.

ثانيا: عززت الحرب مكانة حركة حماس في أوساط الجمهور الفلسطيني وفي العالمين العربي والإسلامي

ثانياً: فضحت الحرب بشكل واضح وجلي الكثير من أشكال التواطؤ العربي مع إسرائيل عشية وأثناء وبعد انتهاء الحرب.

ثالثاً: فضحت الحرب إسرائيل وعرتها أمام العالم، سيما بعدما تبين حجم المجازر التي ارتكبتها ضد المدنيين الفلسطينيين الذين كانوا وقود الحرب.

رابعاً: تحاول إسرائيل والكثير من الأطراف الدولية والعربية استغلال حاجة قطاع غزة لإعادة ما تم تدميره من مؤسسات ومنازل من أجل محاولة ابتزاز حماس واجبارها على الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة والإلتزام بالاتفاقيات الموقعة بين اسرائيل ومنظمة التحرير.

 

 

 

تشكيل السلطة الفلسطينية وإندلاع انتفاضة الأقصى

 

استثمرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية انجازات الانتفاضة الأولى، إذ أن الانتفاضة منحت هذه القيادة الفرصة لأول مرة ومنذ الخروج من بيروت عام 1982 أن تكون ذات صلة وثيقة بما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة. ورأت هذه القيادة أن الفرصة باتت مواتية لتجيير هذه الانتفاضة لتحقيق مكاسب سياسية لها. واستغلت حقيقة ادراك الإسرائيليين باستحالة القضاء على المقاومة، من أجل فتح قناة حوار إتصال سرية أفضت للتوقيع على اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر 1993 في واشنطن، وهو ما فتح الطريق أمام تشكيل السلطة الفلسطينية في عام 1994، وهو الذي معه تم وضع حداً للانتفاضة الأولى في شكلها الجماهيري الشعبي، وإن استمرت المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وأهدافه.

وقد أدت السلبيات التي اشتملتها اتفاقية أوسلو وتطبيقها على الأرض، فضلاً عن سلوك السلطة الفلسطينية إلى تهيئة الظروف أمام إندلاع انتفاضة الأقصى. ونحن هنا بصدد التعرف على الظروف التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى:

أولاً: سمحت أوسلو لإسرائيل بمواصلة الإستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث خلت هذه الإتفاقية من أي بند يلزم إسرائيل بوقف الإستيطان. ويكفي أن نشير هنا إلى أن البناء في المستوطنات تعاظم خلال الفترة الممتدة بين تشكيل السلطة الفلسطينية وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى بنسبة 60%، كما قال نائب وزير الحرب الإسرائيلي إفرايم سنيه. وقام التوسع الإستيطاني على مصادرة مساحات واسعة جداً من الأراضي الفلسطينية.

ثانياً: استغلت إسرائيل اتفاقية أوسلو في مواصلة المشاريع التهويدية في القدس، حيث شرعت الحكومة الإسرائيلية  عام 1996 في تنفيذ مشروع " القدس الكبرى " الهادف إلى زيادة عدد اليهود الذين يقطنون في القدس إلى مليون شخص، مع كل ما يتطلبه ذلك من مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية في القدس ومحيطها، فضلاً عن ابتكار الوسائل لسلب ممتلكات الفلسطينيين في القدس.

ويعتبر أخطر حلقة في مشروع " القدس الكبرى "، هو خطة " E1 الهادفة إلى الربط بين القدس الشرقية ومستوطنة " معاليه أدوميم "، التي تقع الى الشمال الشرقي من القدس والتي تعتبر أكبر مستوطنات الضفة الغربية. وبالإضافة إلى هذه الخطة تهدف إلى بناء آلاف الوحدات السكنية التي تسمح بإستيعاب عدد كبير من المستوطنين، فإنها في الواقع تسهم في القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية مستقبلاً، لأنها تقطع شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

ثالثاً: لم تضع اتفاقيات أوسلو نهاية لقضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال التي تفاقمت في ظل هذه الإتفاقيات، وتوسعت سلطات الاحتلال في الإعتقالات الإدارية بدون محاكمة.

ثالثاً: تراجع إسرائيل عن الشروع في التفاوض حول قضايا الحل الدائم ممثلة في القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات بعد مضي خمس سنوات من تطبيق أوسلو، كما تنص الإتفاقية، حيث حرص قادة إسرائيل على القول أنه لا قدسية للمواعيد التي تضمنتها اتفاقية أوسلو.

رابعاً: تزايد وتيرة القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، بالإضافة الى تعاظم الاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون على المواطنين الفلسطينيين.

خامساً: اضطلاع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بدور أساسي في تعقب المقاومة وضربها، تطبيقاً لإلتزاماتها في الإتفاقيات.

سادسا: مظاهر الفساد التي عششت في مؤسسات السلطة، والتي كشفها لأول مرة تقرير المجلس التشريعي الفلسطيني وتقرير هيئة الرقابة العامة في السلطة عام 1998.

سابعاً: فشل مؤتمر " كامب ديفيد " عام 1999، الذي جمع كلاً من الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني في ذلك الوقت ايهود براك، حيث حمل الإسرائيليون عرفات المسؤولية عن فشل المؤتمر في التوصل لتسوية دائمة للصراع وراجت نظرية " اللاشريك الفلسطيني ".

ثامناً: تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كبير.

 

إندلاع الإنتفاضة: أواخر أكتوبر عام 1994 دنس زعيم المعارضة الإسرائيلية في ذلك الوقت ارئيل شارون المسجد الأقصى بزيارته بشكل استفزازي، الأمر الذي أدى إلى نشوب مظاهرات عارمة سرعان، ما تطورت إلى عمليات عسكرية كبيرة نفذتها حركات المقاومة، وتحديداً العمليات الاستشهادية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي عمق الكيان الصهيوني. وفي الوقت الذي فاق فيه عدد الشهداء الفلسطينيين الخمسة آلاف شهيد وألاف الجرحى، فإن عدد القتل القتلى الصهاينة فاق 1200 قتيل. وإن كانت إسرائيل اعتمدت سياسة القبضة الحديدية في مواجهة المقاومة، إلا أن أكبر حملة شنها الجيش الإسرائيلي لضرب المقاومة كانت في أبريل عام 2002، عندما شنت إسرائيل حملة " السور الواقي " التي استهدفت بشكل أساسي ضرب المقاومة في الضفة الغربية، حيث تم اعادة احتلال الضفة الغربية مرة ثانية. وبدأت الحملة بمحاصرة مخيم " جنين "، الذي درات فيه معركة تاريخية، سطرت فيها المقاومة الفلسطينية أعظم صفحات التضحية، حيث قتل 15 من جنود الاحتلال مقابل العشرات من المقاومين والمدنيين الذين أصروا على البقاء مع المقاومين لحمايتهم. وخلال الانتفاضة قامت إسرائيل بمحاصرة الرئيس عرفات وعزله عن العالم الخارجي حتى توفي أواخر العام .

 

نتائج انتفاضة الأقصى:

7-  ضرب العمق الإستراتيجي لإسرائيل واستهداف جبهتها الداخلية بشكل مباشر بتنفيذ عدد كبير من العمليات الاستشهادية.

8-    إلحاق خسائر كبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي، حيث تدنت مستويات الاستثمار الأجنبي في إسرائيل بسبب الانتفاضة.

9-    تدني الشعور بالأمن الشخصي لدى الصهاينة.

10-                     تعاظم الهجرة العكسية اليهودية من إسرائيل وتفوقها على الهجرة الإيجابية أواخر الانتفاضة.

11-       الطابع الإسلامي للانتفاضة لإرتباطها بالمسجد الأقصى، وهو ما كرس حالة التعاطف مع الشعب الفلسطيني في العالمين العربي والإسلامي.

12-       استغلت إسرائيل الانتفاضة لتبرير إقامة جدار الفصل العنصري في عمق الضفة الغربية بذريعة أمنية وذلك لمصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.

 

 

حرب الفرقان 2008

بيئة الحرب

نظرت إسرائيل بخطورة بالغة إلى فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حيث نظر صناع القرار في الكيان الصهيوني إلى أنه لأول مرة منذ الإعلان عنها، أصبح في خاصرتها الجنوبية الغربية كيان إسلامي لا يخفي رغبته في إزالتها من الوجود. حرصت إسرائيل على ضرب حكم حركة حماس من خلال عدة وسائل، منها فرض الحصار الخانق على القطاع، بهدف دفع الناس للتمرد على حكم الحركة، شنت إسرائيل عمليات عسكرية، واستغلت اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت من أجل تبرير قيامها بسلسلة من العمليات العسكرية التي هدفت الى المس بالحركة ومؤسسات الحكومة. في نفس الوقت استغلت إسرائيل والإدارة الأمريكية التناقضات الداخلية الفلسطينية، وحاولت توظفيها لجهة دفع الفلسطينيين إلى حرب أهلية تؤدي الى التخلص من حكم حركة حماس. لكن إسرائيل فوجئت عندما تبين لها أن كل هذه الوسائل لم تنجح في إسقاط حكم الحركة، لذلك أعدت إسرائيل العدة لشن الحرب منذ وقت بعيد، وعندما حانت الفرصة في نظرها، قامت بخرق اتفاق التهدئة الذي توصل إليه مع الفصائل الفلسطينية وشنت الحرب التي أطلقت عليها " الرصاص المصهور ". وبالإضافة الى محاولة إسقاط حكم حركة حماس، فأن إسرائيل هدفت من خلال هذه الحرب إلى تحقيق الأهداف الآتية:

5- استعادة عنصر الردع في مواجهة المقاومة الفلسطينية بشكل خاص وفي وجه العالم العربي بشكل عام، سيما بعد الهزيمة الإسرائيلية المدوية في حرب لبنان الثانية.

6-   وقف عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة.

7-   تجريد الفصائل المقاومة من قدراتها العسكرية من خلال وقف عمليات تهريب وتصنيع السلاح.

8- قطع الطريق على أي فرصة للتوصل لاتفاق فلسطيني داخلي ينهي حالة الإنقسام الداخلي، سيما وأن إسرائيل ترى بقاء الانقسام الداخلي مصلحة استراتيجية لها من الطراز الأول.

 

نتيجة الحرب:

أولاً: فشلت إسرائيل في تحقيق أي هدف من الأهداف المعلنة للحرب، حيث تواصلت عمليات المقاومة وإن كانت على وتيرة، وهذا يدلل على فشل إسرائيل في تحقيق عنصر الردع.

ثانيا: عززت الحرب مكانة حركة حماس في أوساط الجمهور الفلسطيني وفي العالمين العربي والإسلامي

ثانياً: فضحت الحرب بشكل واضح وجلي الكثير من أشكال التواطؤ العربي مع إسرائيل عشية وأثناء وبعد انتهاء الحرب.

ثالثاً: فضحت الحرب إسرائيل وعرتها أمام العالم، سيما بعدما تبين حجم المجازر التي ارتكبتها ضد المدنيين الفلسطينيين الذين كانوا وقود الحرب.

رابعاً: تحاول إسرائيل والكثير من الأطراف الدولية والعربية استغلال حاجة قطاع غزة لإعادة ما تم تدميره من مؤسسات ومنازل من أجل محاولة ابتزاز حماس واجبارها على الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة والإلتزام بالاتفاقيات الموقعة بين اسرائيل ومنظمة التحرير. 

 

 

 

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر